" الجزء الثالث "
الفصل السابع
1 ـ "أين أنت يا أخي"
أيام طويلة مرت... وتلك هي فاطمة... الفتاة البشوشة... أخت ناصر... إنها في زاوية الغرفة... قد اتكأت على أريكة حمراء قديمة... وقد مدت رجليها... ووضعت قدما على الأخرى... وفي يدها كتاب... ولكنها تعالج همومها الخاصة.
هكذا هي الحياة... كل له همومه... وكل له آلامه... وكل يسعى ليسعد نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة.
تدرس فاطمة الآن... في الصف الثالث الثانوي... والعام في بدايته... والوقت بالنسبة لها أثمن من الذهب... بيد أن المشكلات التي تمر بها أسرتُها تجعل بقاءها أمام الكتب أمراً في منتهى الصعوبة... ولا يعدو كونه بقاءً صوريا فقط... عيناها متجهتان نحو الأسطر المكتوبة... وقلبها يطيش في عالم آخر.
همٌ واحد هو الأهم من بين همومها... إنه ناصر... أخوها... حدث نفسها:
- " هل تراه تغير؟... بعد أن رأى حنان... في تلك الليلة... لقد خرج من المنزل... ولم يعد حتى الآن... ثم... استمرار غيابه عن المنزل... لعدة أشهر... لماذا؟... لماذا هذا الغياب... اكتفى باتصالين أو ثلاثة... أجراها مع أمي... أخبرها باختصار أن لديه سفريات تجارية مهمة... يالحسرتي... ما الذي أصابه؟... ذات يوم بدأ يسير في الاتجاه الصحيح... وأنا... وقفتُ معه بكل كياني... ضحَّيت بالكثير من أجله... هل يا ترى كانت توقعاتي في توبته في مكانها... أم يا ترى هي ألعوبة من ألاعيبه التي لا تنتهي أبداً؟... ليتني فكرت في هذه المسألة من قبل... إذاً لما فتحت له قلبي بهذا الشكل... ولضربت ألف حساب لكل خطوة أخطوها لمساعدته... خاصة في موضوع خطوبته لحنان".
2-"ناصر في المنزل... من جديد"
وفي المساء... من أحد الأيام... أدير مفتاح الباب... ودخل ناصر للمنزل... بعد غيابه الطويل... هرعت أمه وأخته لاستقباله... كان كل منهما يحمل في قلبه أغصانا مورقة من السعادة... وكثيراً من عبارات اللوم والعتاب... نظرت أمه إليه بفرحة... حدثت نفسها بسرعة:
-"ناصر... ولدي... الذي بدا أكثر حباً ونفعاً للعائلة... لقد تغيب مدة طويلة... هل تراه سيبقى على حالته الحنونة... التي أحاطنا بها قبل غيابه... أم لا؟"
تقدمت الأم نحوه خطوات... ثم أردفت بقولها:
- "أهلاً بك يا ناصر... اشتقنا لك... كم أنا غاضبة منك... ولكني سعيدة أيضاً برؤيتك... لماذا تأخرت علينا كل هذه المدة؟"
قالت فاطمة:
- "كلنا غضبنا عليك... ليس من الأجدر برجل مثلك... أن ينسى أهله"
مدت الأم يدها... ومدت فاطمة يدها... كانتا تريدان مصافحة ناصر... وكانت الأم ساعتها... تتمنى لو قبّل ابنُها رأسها... وقبل وجهها ويديها... وكانت تريد أن تضمه لصدرها... ولكنه بكل غرابة... مد يده ببرود... وصافح أمه... وامتنع عن مصافحة فاطمة.
فغرت فاطمة فمها في دهشة... أما الأم فقد كانت خبرتها في الحياة تؤهلها عدم إصدار حكمٍ على الأمور... إلا بعد تروٍ وصبر... وعدم التفاؤل بأيما بادرة تحصل... لأن تلك البوادر سريعة الحصول... في الغالب لا يدوم بقاؤها.
انطلقت فاطمة سريعة لغرفتها... كانت تبكي... وتبكي بكاء مراً... لقد فقدت ثقتها في كل شيء... لم يعد للحياة أي طعم... كل مفاهيم الخير أصبحت تتحول وبسرعة... إلى صور باهتة... لا قيمة لها ولا وزن... أما الأم... فقد ذهبت لإعداد الغداء... لا شيء يستحق الحزن... وفي المقابل... لا شيء يستحق الفرحة.
مر من الوقت ما يُقارب ربع الساعة... نادت الأم بصوت مرتفعٍ:
- " يا ناصر... يا فاطمة... هيا للغداء"
أقبلت فاطمة لتُساعد أمها في تحضير المائدة... وأقبل ناصر من غُرفته... ألقى نظرة عابرة على الطعام... كان الغداء فيما يبدو... إدام فاصوليا... مع قطع الدجاج... وخبز... نظر إلى المائدة باشمئزاز... وقال:
- " كلوها أنتم ... بيت ليس فيه إلا الفقر"
- "الحمد لله يا ولدي... نعمة"
- "فقير ويُنَاقِر!"
- "الله يصلحك يا ناصر"
رد في اشمئزاز أكثر:
- "الله يصلح حالكم أنتم"
قالت فاطمة في انفعال:
- "أنت رجل البيت... ومن الواجب أنَّك أنت الذي تصلحه... بدل سرقة النقود التي تدخرها أمي... لدفع أجرة المنزل"
ثار الدم في وجه ناصر... أحس أنه يحتقر نفسه... كاد يتلاشى أمام من حوله... ولكنه لن يستسلم... تقدَّم خطواتٍ مُنفعلة جهة فاطمة... وألقى على وجهها قبضةً مليئةً بالعنف والجبروت... لم تتوقع الأم أن يحصل هذا أبداً... سقطت فاطمة ودموعها تذرف... وخرج ناصر وهو يحاول إعادة كبريائه إلى مكانها الطبيعي... وهُرِعتْ الأم إلى فاطمة... حاولت مساعدتها على الجلوس... ولكن فاطمة تبكي بشدة... وتكاد تنفجر غيظاً وحنقاً... قالت الأم:
- "لماذا يا بنتي تكلمتِ أمامه عن النقود؟... ألم أطلب منك ألا تفتحي هذا الموضوع أبداً؟... أنا المخطئة... أنا التي وضعت النقود أمام السارق... ثم إن موضوع النقود سيتدبر إن شاء الله... أنا واثقة من أن الله معنا"
- "كيف يكون الله معنا... وهذا الشيطان معنا يا أمي؟"
- "استغفري الله يا بنتي... لا يجوز لك أن تقولي مثل هذا الكلام"
- " أستغفر الله"
قامت فاطمة متثاقلة... ألقت بصرها بشرود هناك... رأت بجوار الباب مجموعة من الأوراق الصغيرة... يلفُّها خيط مطاطي... يبدو أنها سقطت من ناصر عند خروجه... تلفتت يمنة ويسرة باضطراب... أسرعت مُتَّجهة نحو الباب... وحملت الأوراق... ووضعتها في جيبها... سألتها أمها:
- "ما هذه فاطمة؟"
- "لا شيء لا شيء"
انطلقت... فاطمة لغرفتها... كانت تريد معرفة أي شيء عن ناصر... بالتأكيد... لديه أسرار كثيرة.
3- "قصة الآلاف الخمسة"
الحقيقة... أن ناصراً في يوم ما... وقبل مغادرته للمنزل... وتغيبه هذا التغيب الطويل... قد سرق الآلاف الخمسة... التي تجمعها الأم لإيجار الشقة... أخذها خفية من درج والدته... واشترى بها السيارة.
لقد اكتشفت الأم السرقة... ولكنها لم تخبر أحداً في بداية الأمر.
لأنها احتسبت أجر الصبر... وأيقنت أنه ابتلاء من الله... وأدركت في الوقت ذاته... أن هناك مهاماً جساما تنتظرها لتوفير المبلغ من جديد... ومن أين لها خمسة آلاف ريال؟... السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة... ولا ريالات... وليس هناك محسنٌ يطرق أبواب الفقراء ليقيل عثراتهم... المحسنون مشغولون ببناء المساجد الفخمة... بعضهم يبنيها لوجه الله... وبعضهم يبنيها ليقال فلان بنى مسجداً... أموال المحسنين... استأثر بنفعها المقاولون الذين قد يسرقون منها الكثير ويبنون المساجد بالقليل... أما الطبقة ذات الدخل المتدني... فليس حظهم من تلك الأموال إلا الصلاة في المساجد... أو سؤال المصلين على أبوابها.
لم تخرج من عين الأم دمعة واحدة... عندما رأت الخزانة فارغة من النقود... لقد كان لديها أمل بسيط... كانت تظن أن ناصراً احتاج النقود... أخذها وسيُعيدها من دخل السيارة... التي ستكون سيارة أجرة... هكذا كانت تُؤمل في نفسها... وتلك التصرفات الطيِّبة... التي أصبح ناصر يتصرف بها قبل غيبته الأخيرة... جعلها توقن بصدق آمالها تلك.
ولكن بعد تغيب ناصر... لكل تلك الفترة... تجرأت الأم... وأخبرت فاطمة بقصة النقود المفقودة... وأخبرتها أن ناصراً هو من أخذ النقود دون علمها... وأكدت أنه حتما سيعيد النقود... في القريب العاجل... ولكن... وقع ما ليس بالحسبان... وأدركت الخيبة كل آمالِهم في إعادة ناصر للنقود... بعد أن بدر منه هذه البادرة... في زيارته الأخيرة للمنزل.
4-"الورقة"
في اليوم التالي... حضر ناصر للمنزل... كان أكثر عُبوساً وجفاءً... دخل... ولم يُلق السلام حتى على أمه... يبدو أنه قد جاء لأمر مهم يَخُصَّه... وحتما سيخرج في الحال... دخل على فاطمة في غرفتها... وقال:
- "هل رأيت أوراقا صغيرة... سقطت مني أمس"
فاطمة لم تجبه بكلمة... كان أثرُ اللطمة واضحاً على وجهها... أعاد ناصر:
- "لماذا لا تَرُدِّين؟... هل أخَذْتِ الأوراق؟!"
- "من يدخل على أهله... يسلم أولاً... إذا كان فعلاً من بني آدم"
- "يبدو أنك لم تستفيدي من درس أمس... وتحتاجين لدرس آخر... لهذا اليوم... والأوراق يجب أن تحضريها... ولو من تحت الأرض"
- "لا أعرف أي شيء عن أي أوراق... والذي لا يحفظ أشياءه الخاصة... لا يحفظها له الناس"
نظر إليها ناصر نظرة ازدراء... وتقدم نحوها خطوات... وأمسك بتلابيبها... وقال:
- "الأوراق يجب أن تحضر بعد قليل... أنا لست فارغاً لألاعيبك... أتفهمين؟"
وفي تلك الأثناء... دخلت الأم وقالت:
- "أهلاً بك يا ناصر"
.....
- "أرجوك يا ناصر... تعال أريدك"
- "هل الأوراق معك أنت؟"
- "أيُّ أوراق؟"
- "إذن ماذا تريدين؟"
- "موضوع هام أريد مفاتحتك فيه"
نظر ناصر لفاطمة بشيء من التهديد... ثم تبع أمَّه... في حين أقفلت فاطمة الغرفة عليها من الداخل... أحسَّت أن كابوساً أزيح عن صدرها... كم هو شرير هذا الناصر... حدثت نفسها:
- " القرش لا يتحول إلى دلفين"
جلست الأم مع ناصر في الصالة وقالت:
- "يا بني... هل أخذت شيئاً من النقود التي في درجي"
أشاح بوجهه في ازدراء... ثم قال:
- "نقود!... نقود ماذا؟... أنت لاشك... تحلمين"
- "خمسة آلاف ريال"
- "لا... لا... لم آخذها... لست في حاجة نقودك"
ابتسمت الأم وقالت:
- "صحيح يا ناصر... صحيح... أنت لم تأخذها؟... الحمد لله... ولكن من يا ترى أخذها؟"
- "قد تكون فاطمة"
- "كلا... كلا... يا ناصر... ولكن لا مشكلة... سنُبَلِّغ الشرطة... ويأتون لأخذ البصمات... الحقيبة كما هي... ولم تتغير بصمات المجرم"
- "الشرطة ؟... كلا... كلا... لا داعي"
- "لماذا؟"
- "هه... لا... المبلغ قليل ولا يستحق الشرطة"
- "قليل؟... بل هو كل ما جمعته لإيجار الشقة... إنه مهم جداً"
- "كلا... كلا... هذا لا يليق... لن أسمح لكم بإخبار الشرطة"
- "لماذا يا ناصر؟"
- "في الواقع... الواقع... أنا الذي احْتَجْتُ النقود... أنا أخذتها هل تفهمين؟"
قام ساعتها ناصر وخرج من المنزل.
لقد اتضح كل شيء لدى الأم المسكينة... ناصر هو الذي أخذ المال... ولن يعيده أبداً... لكم تمنَّت الأم ألّا يكون ناصر هو السارق... إذن لبلَّغت الشرطة... وحينها قد يُعثر على السارق... وترجع النقود... أمَّا الآن... فقد أُغلقت كل الأبواب في وجه الأم... وعليها الآن... أن تدبر خمسة آلاف ريال... خلال وقت قصير... مَا الحلّ يا ترى؟
5-"إلى صاحبة المنزل"
في صباح اليوم التالي... اتصلت أم ناصر بصاحبة المنزل... فالمنزل يعود لأرملة وأطفالها.
وكان لزاما على أم ناصر... أن تراعي ظروف أصحاب المنزل... تماماً كما تراعي ظروف أسرتها... وبعد سلام وكلام لم يطل... عرضت أم ناصر مشكلتها باختصار... وبينت لصاحبة المنزل أن مشكلةً قد ألمت بأسرتها... وأن المشكلة انتهت... ولكن بعد أن كلفتهم المبلغ الذي أعدته مسبقا لإيجار المنزل... قالت صاحبة المنزل:
- "وما المطلوب مني أنا؟"
شعرت أم ناصر بخيبة أمل كبيرة... عند سماعها لهذا الرد... ولكنها لم تفقد الأمل بالكلية... لذا قالت:
- " أبداً يا أختي... أرجو أن تساعدينا... فقط في تأخير القسط... إلى نهاية العام"
- " والله يا ستي... هذا مال أيتام كما تعلمين... وهو أمانة... والأمانة تبرأت منها الجبال"
– " الله يكون في العون... ولكن... أنا أيضا... أم أيتام"
- " أيتام؟... والله... لا أظن أن أبناءك لا زالوا أيتاما... أليس كذلك؟"
هزت أم ناصر رأسها... وتذكرت بالفعل... أن ناصراً لم يعد طفلا... وكذلك فاطمة... لذا قالت:
- " صدقت... ولكن اليد قصيرة"
- " هل ولدك يعمل؟"
- " كلا... إنه عاطل"
- " لم لا يعمل... ويساعد أهله... هذا الجيل... فاشل"
شعرت أم ناصر بألم كبير... جرّاء هذه الكلمات... في حين تنهدت صاحبة المنزل بزفرة طويلة... لا تدري أم ناصر هل هي زفرة شفقة أم زفرة ضجر... ثم أكملت:
- " على كلٍ... يا أم ناصر... لا نريد حرمان المرحوم من الأجر... سنتعاون معكم قدر المستطاع... لك شهران... شهران فقط... وبعدها يتم سداد إيجار ثمانية أشهر... هل عرفت... ثمانية أشهر وليس ستة"
هكذا وافقت صاحبة المنزل... على تأخير موعد السداد... لشهرين فقط... ولكن الشرط كان قاسيا للغاية... على أم ناصر أن تدفع مع نهاية الشهرين... ثمانية آلاف ريال... الألفان الزائدان هما إيجار الشهرين القادمين... وهذا معناه... أن على العجوز جمع أربعة آلاف ريال كل شهر... إنها أشبه بالمستحيل.
6 - "عند باب المسجد"
امرأة عجوز... في الخمسين من عمرها تقريباً... مُحجِّبة حجاباً كاملاً... ولا يُرى من بَدَنها أي جزء... ولو بمقدار الحلقة الصغيرة... شوهدت عند باب المسجد... كانت تمدُّ يدها... وتطلب الصدقة... ويبدو أن خِبْرتها في سؤال الناس... قليلة جداً... إنها تجلس على الأحذية... هناك... في فناء المسجد.
كثير من المصلين تَعثَّروا بها... وهم خارجون من المسجد... وقليل منهم مدَّ لها ريالا أو ريالين... وأقلُّ من القليل مدَّ لها خمسة ريالات أو عشرة.
لم تكن تلك المرأة المسكينة... إلا أم ناصر... ولم تكن هذه النهاية التعيسة إلا صورة من صور معاناتها.
أم ناصر... لم تكن لتشعر بأي سعادة... جرّاء تلك النقود التي توضع في يدها... بقدر إحساسها بالذل والهوان... كانت تشعر أن كل ورقة نقود توضع في يدها... أشبه بقطعة جمر حارة... تجربة قاسية جداً... على امرأة شريفة.
تَمنَّت أم ناصر ساعتها... أن تنْشق الأرض وتبتلعها... فكرت كثيراً في القيام من مكانها والعودة للمنزل... ولكنَّ تذكرها للآلاف الثمانية... التي ستُطلب منها قريباً... أمر يكاد يُحيل رأسها إلى رأس عجوز في التسعين.
مر الوقت ثقيلا... وعندما خرج المصلون جميعا من المسجد... عادت أم ناصر للمنزل... لم تكن حَصِيلتها من تلك الجلسة المهينة... سوى ثمانية عشر ريالاً... وضعت أم ناصر يدها تحت خدها في حزن... وحدثت نفسها:
- " عمل غير مُجدٍ... لن يتم جمع المال المطلوب بهذه الطريقة"
في اليوم التالي... بقيت العجوز في المنزل... همومها الكثيرة أقفلت جميع أبواب التفكير في الحل المناسب... ولكن ناراً مضطرمة من الحسرة... لا زالت تشتعل في داخلها.
ولما أقبلت فاطمة من المدرسة... قرأت آثار الكآبة على وجه أمها... شيء مذهل!... لم تعد أمها كما كانت من الرِّضا والابتسام... والتسليم لله بكل شيء... إنها أصبحت ذابلة كئيبة... حتى الغداء... لم تقم بتجهيزه حتى الآن.
- "ماذا بك يا أمي؟"
- "لا شيء... لا شيء يا بنتي"
- "مستحيل... أنت تعانين... هل لازالت مشكلة النُّقود تشغلك؟"
- "وكيف لا تشغلني؟... إنها دَيْن لصاحبة المنزل... والدَّين هم بالليل وذل بالنهار".
- "ألا يوجد حل؟... حسبنا الله عليك يا ناصر... أهذا جزاءُ أمي المسكينة؟"
- "الله سيُسيِّرها"
- "وكيف؟"
- "لا أدري... والله لا أدري"
بدأت الأم تبكي وتبكي... كل الأبواب مُوصَدَة... حتى صدقات المحسنين... ليس ثمة حل.
7-"فتاة معاندة"
دخلت فاطمة غرفتها بسرعة... هناك دموع في عينيها... ولكنها لم تسمح لدموعها بالخروج أمام والدتها... كي لا ينكسر خاطر والدتها أكثر... وعندما ألقت الفتاة الصالحة... نفسها على الفراش... بدأ نحيبُها يزداد ويَزْداد.
- " قَبَّحَك الله يا ناصر... قبحك الله ..."
بَقيتْ فاطمة في سريرها تبكي... مر الوقت كئيبا... استعادت هدوءَها مع مرور الوقت... ثم بدأت تفكر وبعمق... في حل هذه المشكلة... يجب أن لا تتحمل أمها المسكينة تبعات التصرفات الهوجاء... التي يقوم بها ناصر كلما أراد.
وقبل صلاة المغرب بقليل... لبست فاطمة جلبابها... وقالت لأمها:
- " أنا ذاهبة يا أمي للمكتبة... أريد شراء بعض حاجيَّات الدراسة"
- "لا يا ابنتي... تريدين بعض الحاجيات... الله يساعد... سأذهب أنا بدلاً عنك... لا يليق أن تذهبي في هذا الوقت"
- "أنا محتشمة يا أمي... ثم هذه ضرورة... أنا مضطرة للخروج... ولن تستطيعي معرفة ما أريده من المكتبة"
- "يا لك من عنيدة... إذن لا تتأخري"
- "سأعود مع المغرب... ولا تغضبي إن تأخرت بعد المغرب بقليل"
- "تتأخرين؟... لماذا التأخر؟"
- "لقد اقترب الأذان الآن... ولا أدري... قد يُؤَذِّن وأنا لم أكمل حاجيَّاتي... وسأضطر عندها للبقاء إلى ما بعد الصلاة... لا تقلقي"
- "حفظك الله يا بنتي"
في تلك اللحظة... خلا الجو للأم... لماذا لا تذهب ثانية للمسجد؟... وتمدُّ يدها للمصلين... قد يعطيها أحدهم زكاة ماله... أو يفرج الله عنها بأيِّما سبب.
8- "متسولة أخرى"
انتهي الإمام من صلاة المغرب... سلم... وسلم الناس خلفه... وبعد الصلاة مباشرة... كان هنالك امرأتان تجلسان بجوار باب المسجد... إحداهما من جهة اليمين... والأخرى من جهة اليسار... العجوز أم ناصر... هي التي تجلس عن يمين الباب... أما الأخرى فهي فتاة شابة... يبدو ذلك من هيئتها... ويبدو أيضاً أنها لم تتعوَّد السؤال... رأسها يكاد يطرق الأرض خجلاً... وآثار الارتعاش تبدو على يديها.
وبعد لحظات من انتهاء الصَّلاة... خرج المصلون من المسجد... وبدأ بعضهم يتعثر في المرأتين الجالستين بجوار الأحذية... قال أحد الخارجين:
- "اخرجن خارج المسجد... هناك... لا تجلسن هنا على الطريق... اتقين الله... لماذا لا تعملن بدل السؤال؟!... يأتي السائل يوم القيامة وليس في وجهه لحم".
بدأت كل من المرأتين تسحب نفسها الهوينى للخلف... مر وقت قاسٍ... قليل من أولئك الخارجين... قرر أن يتصدق بشيء قليل... والكثير منهم مشغول بنفسه... الفتاة المطرقة لم تنظر لأحد... إنها فقط موجودة كتمثال... حتى الصدقات التي توضع في يدها... لم تعد تأبه لها... خجلها وذلها المذهلان... لا تسعهما نفسها البريئة.
أما المرأة العجوز فهي أحسن حالاً... لذا كانت تنظر هنا وهناك... ودون مبالاةٍ... ألقت النظر جهة المتسولة الشابة... في الطرف الآخر... في بادئ الأمر... لم تنظر لها باهتمام... ولكنها بعد أن دققت النظر... عرفت الحذاء الذي تلبسه الفتاة... كم كانت صدمتها عنيفة!... عندما عرفتها!... نعم لقد عرفتها.
طأطأت العجوز رأسها... وبكت كثيراً عندما عرفتها... قالت في نفسها:
-"«يا ليتني متُّ قبل هذا»"
إنها فاطمة... الفتاة التي كانت تسمي نفسها فاتن... هذه هي مهنتها الجديدة... إنه الحل الوحيد... الذي توصلت إليه الآن لحل المشكلة... التسول.
قامت الأم لتوها... وانطلقت إلى المنزل... حزينة كئيبة... جلست في الصالة... تَعُد همومها وأحزانها... ثم أخرجت في كآبة ذلك المال الذي جمعته للتو... غلَّة اليوم:
- " يا لها من غلة... لم تتعدّ الخمسة عشر ريالاً... هذه الغلة الأولى... لكن... هناك غلة من نوع آخر... ابنة متسولة... أهكذا تنتهي الحياة بأسرتي؟... حفنة من المتسولين... وابن فاجر لص... الله أعلم بحاله... ما هذه النهاية!... ما هذه البليِّة!... من كان يتوقع أو يصدق!... زوجي كان موظفاً محترماً له دخله... وأسرتي كانت في حال حسن... إنها انتكاسة نوعية في الحياة... والله أعلم ماذا يُخفي المستقبل"
قبعت الأم في المنزل... تنتظر حضور ابنتها... إنها لا تدري ماذا ستقول لها... هل تؤنِّبها على فعلتها؟... ولكن كيف تؤنب فتاتها التي عملت جهدها... وخاضت غمار الذل والهوان... لتُحصِّل النقود... من أجل سداد الدَّين... في الوقت الذي تخلى فيه الابن... وحطم أركان الأسرة.
هل من الأفضل للأم أن تتناسى هذا الحدث... وكأن شيئاً لم يكن؟... أم أن عليها أن تترك للبنت الحرية في القيام بدورها لمصلحة الأسرة؟... أمور متضاربة... والاختيار من بينها صعب... صعب للغاية.
قررت الأم في النهاية مَنْع ابنتها من الخروج في مثل هذا الوقت... وَقْتُ الصلاة... ولن تخبرها عن السبب... هذا هو الحل الأمثل... وعندما حضرت فاطمة... كانت الأم في انتظارها وكانت غاضبة... قالت لها:
- "لماذا تأخرت يا فاطمة؟"
- "لاشيء... تأخرت في المكتبة... لقد قابلت إحدى زميلاتي كان لي دين عندها منذ فترة... لقد أعطتني هذه النقود"
أدخلت فاطمة يدها في جيبها... ثم أخرجت النقود... ومدتها لأمها... تناولتها الأم وقالت:
-" وكم هي هذه النقود؟"
- "لا أدري"
- "كيف؟... ألا تدرين كم هو الدين الذي لك عند صديقتك؟"
- "هه..."
بدأت الأم تقلب عينيها في النقود... إنها أوراق من فئة ريال واحد... تماماً هي صورة مكررة من النقود التي معها... عدتها الأم بهوان... بلغت النقود عشرين ريالاً... قالت الأم:
- "خذي إذن نقودك... إنها عشرون ريالا"
- "لا يا أمي... خذيها أنت... اجمعيها لتسديد الإيجار... سأحضر مثلها غداً"
- "تحضرين مثلها؟... كيف ذلك؟... وهل دَيَّنت جميع طالبات الفصل؟"
- "هه..."
- "خذي يا فاطمة... اسمعي الكلام... هذا مصروفك... أمر المال والإيجار هيِّن جداً... صدِّقيني سيتدبر... ونقودكِ لكِ... ولن آخذ منك ريالاً واحداً... هل فهمت؟"
- "يجب أن تأخذيها يا أمي"
- "إيَّاك أن تقولي كلمة أخرى... أنا أقدر لك يا ابنتي... عملك هذا... ولكن المال مالك وأنت أحقُّ به"
- "ليس هناك مالي... ومالك... المال لنا جميعاً"
- "سأغضب عليك إن تكلمتِ في هذا الموضوع... هيا اذهبي لدراستك"
- "قبحك الله يا ناصر"
انصرفت فاطمة وكلها أسى... دَخَلت غُرفتها وهي تتذكر جلستها الذليلة في المسجد... لقد باءت المحاولة بالفشل... حدثت نفسها وهي تسير:
- " ما دَامَتْ أمي قد رَفَضَتْ المال... مع أنني أخبرتها أنه من زميلتي... ماذا سَتَصْنَع لو علمت أنه صدقة؟... إنها ستغضب عليَّ... حتما ستغضب غضباً شديداً"
9- شبح الإيجار
انقضى الشهران ثقيلين على أم ناصر وعلى ابنتها فاطمة... ولم يفتح في وجهيهما أيما باب... كل الأبواب مقفلة... كانت الأم تسترق نفسها لتذهب للسؤال في المسجد... لم يعد أحدٌ يعطيها شيئاً... إلا في النادر... كل أهل المسجد أصبحوا يعرفون هيئتها... أحدهم نظر لها ذات يوم... ويبدو أنه الذي تكلم عليها في المرة السابقة... قال:
- "بدل السؤال لماذا لا تعملي... وتكسبي من عرق جبينك؟"
تكلمت مع نفسها بكلام لم يسمعه أحد... وقامت من ساعتها.
وفي نهاية الشهرين... أصبح لدى الأم ما يقارب الألف والخمسمائة ريال... جمعتها من السؤال... إضافة إلى ألفين وخمسمائة ريال ادخرتها من راتب الشهرين الماضيين... لقد اقتصدت في مصاريف المنزل لأقصى الحدود... والمبلغ المطلوب منها هو ثمانية آلاف ريال... هذا يعني أن العجز الذي عليها تغطيته... يبلغ أربعة آلاف ريال.
- " ولكن... من أين سآتي بها... أربعة آلاف ريال... ليس في اليد حيلة"
فكرت أم ناصر ملياً... انقدح في ذهنها فكرة... لعلها الأصلح لو نَجَحَتْ... لماذا لا تذهب لصاحبة المنزل... وتطلب منها أخذ الأربعة آلاف... والأربعة الباقية تؤجلها للقسط القادم؟... إن صاحبة المنزل طيبة فيما يبدو... وستراعي ظروفها.
ذهبت أم ناصر إلى صاحبة المنزل... وبعد أن قابلتها ودخلت لمنزلها... قالت:
- "تعلمين يا عزيزتي... أن موعد القسط قد جاء"
- "نعم وفي ذمتكم ثمانية آلاف ريال... يبدو أنك أتيت بها"
- "في الحقيقة أن المبلغ لم يتدبر كاملاً... هنا أربعة آلاف... والأربعة الأخرى أرجوك أن"
قاطعتها صاحبة المنزل قائلة:
- "ما هذا يا أم ناصر... نحن على الموعد... هذه أموال أيتام... المسألة أمانة... ثم نحن بتأجير المنزل لكم... وبهذا السعر... متعاونون... وإذا كان صاحبك عسلاً فلا تأكله"
- "ولكن..."
- "أرجوك بدون لكن... المستأجرون الذين يريدون المنزل كثير... وأرجو ألا تُحرجينا يا حبيبتي... أريد جميع المبلغ في موعده... لن آخذ منك الآن أيَّ شيء... كما قلتُ... هل ترتاحين معنا وتشربين الشاي؟..."
- "كلا شكراً"
قامت أم ناصر... هذا التعامل الجاف أشبه بالطرد... هذا ما فهمته أم ناصر... تحاملت المرأة المسكينة على نفسها... وانصرفت بائسة... كانت جلْدةً قوية على ظهرها:
- " ولكن... ما الحل...؟ لا أحد يرحم... قد أجد نفسي وفاطمة غداً في الشارع... وعندها سَنتَسَوَّل دُون حياء... أعوذ لله... ما هذه النهاية غير المتوقعة؟"
10-"الرسائل المدهشة"
ناصر منذ فترة لم يأت إلى المنزل... ولم تكتحل برؤيته... لا عينا أمه ولا عينا أخته... ولعلهم غير حريصين على هذا الكحل... الذي قد يكون مُعْمِياً.
في الحقيقة أن ناصراً منهمك خلال هذه الفترة في أعمال كثيرة... كلها أعمال إجرامية... أما فاطمة... فقد دخلت متغيرات كثيرة في حياتها... خلال الأيام الأخيرة... إنها في أحيان كثيرة تُجيل طرفها في الأوراق التي سقطت من ناصر.
كل ورقة منها عبارة عن رسالة... لكنها رسالة مدهشة... فاطمة لم تكن تتوقع أن في الوجود رسائل كهذه... أثَّرت الرسائل في الفتاة اليافعة أيما أثر... وأكثر من ذلك... لقد أخذت فاطمة على عاتقها قراءة هذه الرسائل... كل يوم عدة مرات.
وبعد كل قراءة... تُسْلم عقلها لتفكير عَمِيق... وقد يكون لهذه الرسائل الأثر الأكبر... في حياة فاطمة المستقبلية... ولكن شيئا آخر حصل.
الفصل الثامن
1- " حقيقة أوراق ناصر... الصغيرة"
هموم فاطمة لا تكاد تقف عند حد... يجب عليها أن تتصرف من أجل حل مشكلة الإيجار... الأبواب كلها موصدة... عدا باب صغير... شعرت فاطمة أن الحل سيكون من خلاله... دخلت لغُرْفَتها بسرعة... فتحت الدرج الصغير بجوار سريرها... أخرجت ورقة صغيرة... وبدأت تقرأ الأسطر التالية:
- " جمرة هنا يتكلم... إليك يا حبيبتي الجميلة... نحن أعضاء شلة اللّوْعَة... كلماتُنا كالسحر... وابتساماتنا تطفئ النار... إن كنتِ تريدين سَهْرة سعيدة... وركوب سيارة فارهة... وألف ريال... فما عليكِ إلا أن تتصلي بالرقم التالي... أبو جمرة على الخط دائماً"
أغمضت فاطمة عينيها في شرود... ودخلت في عالمها الخاص.
الواقع أن جمرة هذا... هو ذاته جمرة صاحب ناصر... الشاب الصامت دائماً... وهذه هي أفكاره الجهنمية... إنه شاب ثري نوعاً ما... بسبب الإرث والعقار... التي ورَّثها له والده... وقد انضم إلى شلة الليل... ولم يكن انضمامه لهم إلا ليحْصل على المخدرات اللازمة له... لديه منزل خاص به... ولديه سيّارة غالية الثمن... ويضع الأشراك دائماً في طرقات الفتيات.
جمرة لا يجد بغيته بسهولة... والمجتمع المحافظ هنا يصادر كل خططه ومآربه بقوة... وكثيراً ما تبوء محاولاته بالفشل... كلما نصب كمينا لفتاة هنا أو هناك.
لقد تغيرت استراتيجية جمرة مؤخراً... وتغيرت خططه... كان مشغولاً بالمرور بجوار مدارس البنات... وإلقاء القصاصات الورقية... التي تحوي الدعاية لشخصه.
وغالباً ما يجد لعنة أو سبَّة... وكثيراً ما ترميه فتاة بحذاء أو حجر... وربما تبصق عليه.
ونادراً جداً ما تبتسم له فتاة... وأقل من ذلك أن تتصل به عبر الهاتف... وعندها يكون في غاية السعادة... وتكون أمنيته الهزيلة قد تحقَّقت.
وفي الجهة المقابلة... فإن ناصراً أخا فاطمة... يشعر أن من حقه استغلال حماقات جمرة هذه... لذا قرر أن يعمل عند جمرة كموزع لهذه الأوراق... ويتقاضى على ذلك مبلغاً تافهاً... تماماً كهذه الوظيفة... لم يكن ناصر مخلصاً أبداً في توزيع الأوراق لحساب جمرة... ولم يكن أبداً يظن أن ورقة من تلك الأوراق ستصل ليد أخته... ولكن... الأمور لا تسير كما في أذهان أصحابها... لقد سقطت الأوراق من ناصر في منزل والدته... ووقعت في يد أخته.
أما فاطمة... الفتاة المنغلقة على هموم المعيشة الصعبة... والتي كانت تثق في كل شيء... وتصدِّق كلَّ ما حولها بكل سذاجة... دخلت في دوامة رهيبة... لمجرد قراءة تلك الورقة.
لقد أصيبت بصَدْمَة ذُهول... وهي تجيل طرفها في الأسطر الغريبة... أحست أن الحياة تنفتح بباب جديد... وأحسَّت أنها لتوها تكتشف سراً طالما جهلته... وبكل براءة... جلست مع نفسها تتأمل:
- " هل صحيح... أن العلاقات المحرّمة قد انتشرت في كل مكان... وهل من الممكن أنني أنا الفتاة الوحيدة التي لم تركب القطار؟... ولماذا أنا الفتاة الوحيدة التي لم تركب القطار؟... هل هو حفظ الله لي؟... نعم"
تجاهلت فاطمة الرسائل في بداية الأمر... نظرت لها بكل احتقار... ولكن الأمر لم يطل على هذا الحال... فالحياة الصعبة التي عاشتها الفتاة... وهي تنظر لوالدتها العجوز حين تلهث سعيا من أجل جمع إيجار المنزل... جعلتها تفكر في المال بكل مشاعرها... لقد جلست أمام باب المسجد... تستجدي صدقة المصلين... ولكن التسول لا يجدي أبدا... لمن لا يملك إيجار المنزل... ماذا كان عليها أن تفعل إذن؟.
2-"المكالمة"
مدٌ وجزرٌ يحيطان بالفتاة ذات السبعة عشر خريفاً... ليجعلها تتساءل بكل استسلام:
-" هل يمكنني الخروج من هذه الضائقة؟... هل هناك طريق ما لتحصيل المال... ودفعه لصاحبة المنزل؟... ولكن... الورقة... الورقة تقول ذلك... هل من الممكن أن اتصالاً بهذا لرقم... مكالمة واحدة... تزول معها جميع الهموم... عن قلب أمي المحزونة"
وأخيرا فتحت فاطمة عينيها بتركيز... ثم نظرت في يدها... لقد قررت الاتصال بالرقم... مدت سبابتها جهة لوحة الأرقام... وبدأت في طرقها... كانت تلمس أزرار الهاتف... وهي تحلم بألف ريال... ألف ريال فقط... إنه كفيل برفع همّ الدين وهمّ الفقر.
جمرة هناك... في الطرف الآخر... إنه موجود في منزله سابق الذكر... ردَّ ملهوفاً على الاتصال الذي طالما انتظره... كم كانت سعادته عارمة... عندما سمع الصوت!... إنها فتاة.
بدأ الحديث بينهما... ومع تجاذب الحديث... بدا لَهُ أنه يحادث فتاة مسكينة... مضطربة... لم تمارس قط أي أعمال من هذا القبيل... ابتسم جمرة... كانت سعادته تكاد تحلق به... وحدث نفسه:
- " ما أسهلها من صيد!... لصياد متمرس مثلي!... يا سلام!"
جال الحديث بكل براعة من جهة جمرة... ألفاظ ناعمة معسولة.
- "أوه... كم انتظرتك يا عصفورتي!... وكم أطربَني سماع تغريدك الفاتن!... ما أجمل أن نطير معاً!... ونصل للسحاب!... وننظر من هناك!... للحياة!... ونفرد أجنحتنا!... كي نقفز من أعلى... نطير ونطير... ونحط على أحد المروج الخضراء... نلعب ونمرح... أنت حبيبتي"
- "ياه... ما ألطفك!"
حدَّثَتْ فاطمة نفسها:
- " ما هذه الألفاظ الجميلة؟... هل يعقل أن في الدنيا أناساً بهذه الطيبة... والبراءة؟... كنت أظن الشباب جميعا كناصر"
كانت فاطمة تستمع بكل سعادة... إنها تُرْوِي عاطفة الحرمان... التي افتقدتها منذ نعومة أظفارها... طال الحديث حول مواضيع لم تسمع عنها فاطمة من قبل... وبعد ساعة من الحديث المتواصل... قال جمرة لها:
- "ما رأيك يا حلوة... أن تدخلي معي في ليلة العمر... ليلة الأحلام... سوف نتقابل... ونصنع معا أروع ليلة... يعرفها عالم العاشقين"
جمرة قال هذا الكلام في وجل... لقد كان موقنا بأن الفتاة سترد عليه بالطريقة ذاتها... التي ترد بها أي فتاة تقع في مُستنقع الحديث معه... حيث تعود لرشدها... وتقول:
- " أقابلك؟!... ماذا تقول؟!... هل أنت نائم أم... سكران؟!... أنا فقط أتحدث معك لتقطيع الوقت"
كثيراً ما يستمر الحديث مع إحداهن لفترة... ثم تشعر الفتاة بالملل... وسرعان ما تقفل في وجهه السماعة... ويكون سعيداً جداً بهذا الحديث.
ولكن الأمر الذي أدهشه جمرة... أن الفتاة التي يحدثها الآن... قالت:
- "في أقرب وقت... سأتصل عليك ... وسأكون في انتظارك"
كادت الفرحة تصعق آماله... قال لها بلهفة:
- " أوه حبيبتي... أين هو منزلكم؟... حتما ستسعدين معي "
فكرت فاطمة قليلا... ثم ذكرت أحد الأسواق القريبة من منزلها... ولكنها قالت مُتصنعة الذكاء:
- "انتبه... أنا فتاة محافظة... ومتدينة... فقط نتعرف على بعض"
- "اطمئني نتعرف على بعض... وقد أتزوجك ذات يوم... ومن يدري؟... أنا أيضاً شاب متدين... والطيبات للطيبين"
- "تتزوجني؟"
- "نعم... ولم لا؟... أنت الوحيدة التي دخلت قلبي... منذ سمعت صوتك"
جمرة في تلك الأثناء لا يكاد يصدق نفسه... هل هو في حلم؟... وهل يعقل أن توجد فتاة تحمل كل هذه السذاجة؟... مستحيل.
قالت فاطمة بخجل:
- "هناك أمر مهم سأطلعك عليه"
- "تفضلي... قولي لي ما يحلو لك"
- " الواقع أنني أمرُّ بأزمة مالية... وأنا في حاجة مبلغ من المال... دين... "واللهُ في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"... وسأعيدها لك... في أقرب وقت"
- "غالية والطلب رخيص... نتقابل ويكون خير... ولكن... ما رأيك في تحديد الموعد؟... يجب أن يكون في أسرع وقت... وإلا... أنا أخشى أن ينقص المبلغ الذي معي"
- " إن لم يتدبر المبلغ... الذي أحتاجه... خلال الأيام المقبلة... فسأتصل عليك"
3-" الحراج... أهو الحل؟"
في ذلك المساء... وبعد عودة أم ناصر مكسورة الخاطر... حزينة القلب... من لدن صاحبة المنزل... استقبلتها ابنتها... قرأت كل صفحات البؤس في وجهها... بكت من أجلها كثيرا... وربَّتَتْ على كتفها وقالت:
- "لم يُقبل طلبك يا أماه؟"
- "نعم... وهي على حق"
- "بل طمَّاعة... وعلى باطل... وأنا سأتدبر الأمر"
- "تتدبَّرين الأمر... كلا يا بنتي... كلا... اليوم سنذهب ببعض أثاث المنزل للحراج وسنبيعه"
- "حسناً يا أمي وماذا سنبيع"
- "لا أدري ينقصنا أربعة آلاف"
- "لا تبيعي أثاث المنزل... ولا يحزنون... أنا سأتدبر الأمر"
- "أرجوك يا فاطمة... لا تشغلي عقلي... تَتَدبَّرِينه من أين؟"
- "لا عليك..."
- "اسمعيني يا فاطمة... الآن سأتصل بجارنا جبران... كي يحضر سيارته الونيت... سنبيع الثلاَّجة والغسالة... وبَعض قطع الفَرش... ونشتري بدلها في المستقبل"
عَضَّت فاطمة على شفتيها... ودَمَعت عيناها وقالت:
- "سنرى كم ستكون قيمتها"
وخلال نصف ساعة... كانت جميع هذه الأغراض في السيارة... وأم ناصر وصاحب السيارة منطلقان جهة الحراج... وصلت السيارة للحراج... وتمَّ التحريج على تلك القطع القديمة... وبيع الأثاث جميعا... بألف ريال.
عادت سيارة الونيت... خالية إلا من الهم الذي يزيد على حِمل بعير... انقضى الطريق سريعا... ثم وقفت السيارة بجوار الباب... ونزلت أم ناصر... كانت تحدث نفسها:
- " بقي ثلاثة آلاف... ولكن... من أين يا ترى نأتي بها... ذهب أثاث المنزل... ولم يُسدّد الدين"
دَخَلتْ الأم للمنزل حزينة... كانت فاطمة في الانتظار... بكت المرأتان كثيراً... لم يعد ثمة حل.
4-"قرار اللقاء"
الحالة المعيشية لأسرة أم ناصر تتدهور يوما بعد يوم... والسبب في ذلك... يكمن في السرقة التي تعرضت لها نقود أم ناصر... والمعدة لإيجار المنزل.
فاطمة لم تتخذ قراراً نهائيا في موضوع مقابلة جمرة... إلا بعد يومين من ذلك الاتصال... وبالتحديد بعد عودة والدتها من الحراج... لقد قررت فاطمة الاتصال بجمرة... ومقابلته في أقرب وقت... كي تأخذ منه المال الذي وعدها به... لتسدد به الدين.
اتصلت فاطمة... به اتصالا لم يطل... وحددت معه مكان اللقاء... ثم لبست عباءتها... وقالت لأمها:
- " سأذهب للمذاكرة مع زميلتي"
- "مذاكرة؟... ماذا تقولين؟... لن تخرجي"
- "أقول سأذهب"
- "لا... لا تذهبي"
- "سأذهب... يعني سأذهب... أفهمت..."
خرجت فاطمة في تلك الأثناء... وهي أشبه بالمجنونة... بسبب الضغوط التي تعرضت لها خلال الأيام الفائتة.
وفي الطرف الآخر... استقبل جمرة اتصال فاطمة بسعادة... وحين أخبرته عدم ممانعتها في مقابلته... خرج من منزله في وله... واستقل سيارته... وانطلق بها... كان يحدث نفسه بفرح... وكان يتوجس من كون الفتاة تخادعه... هذه تجربة مذهلة في نجاح منشوراته... حدث نفسه بقلق:
-" هل من الممكن أن تكون الفتاة قد نصبت لي كمينا؟... من يدري؟... هل هناك شباب قد اجتمعوا ليضربوني ضربا مبرحا؟... ماذا؟!... أعوذ بالله... ولكن... لا...لا... عليّ أن أُقْدِم... وعلي أن أكون أكثر شجاعة... قال الشاعر... الذي كنت أسمع مقولته في الإذاعة الصباحية:
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
وقال أيضا... من طلب العلا سَهِر الليالي!!"
كان جمرة يفكر مع نفسه... سيتعرف على الفتاة أولا... ثم يقنعها بنفسه... وبعد أن تقع في حبه سينصب لها الشبكة.
وصل جمرة للموقع... كانت تلك الفتاة... تنتظر بجوار السوق المركزي... ولم يخطر ببالها أن ذئبا قد وصل ليأخذها معه.
أوقف السيارة بجوارها... وقال لها وهو غير متأكد من شخصيتها:
- "أنا جمرة... تفضلي"
تباطأت الفتاة قليلاً... ثم فتحت الباب... وولجت... في حين حدث جمرة نفسه:
- "وإذا وقعت يا فصيح لا تصح"
تحدث جمرة في اهتمام:
- "أهلاً أهلاً... أهلاً...كم تشوقت لرؤيتك"
- "الله يسلمك"
- "ماذا تريدين أن تشربي؟"
- "شكراً... وجزاك الله خيراً!"
- "جزاني الله خير!... هـ هـ هـ... لابد أن تشربي شيئا... أمر مفروغ منه"
- "سن توب!!"
- "سن توب... ما هذا المشروب؟... لم يعد أحد يشرب... السن توب... أنت تمزحين لاشك"
- "ماذا ستشرب أنت؟"
- "راوخ... هل تريدين مثله؟"
- "راوخ؟... نعم... راوخ"
هكذا كانت فاطمة تتكلم مع جمرة... إنها تحدثه بكل عفوية... تماما كأنه أخوها... مر الوقت هادئا... كلام جميل من هنا وهناك... مد جمرة يده... ليقوم ببعض الحركات المخلة... ولكن فاطمة زجرته بغضب:
_" ولد... ماذا بكَ... لماذا تفعل هذا؟... ألا تدري أنه عيب؟"
-" أوه... آسف... هل هو عيب؟...لم أدرِ بهذا إلا منك الآن... هل أنت متأكدة... من كونه عيبا؟... أرجوك سامحيني "
-"لا... لا يليق برجل محترم مثلك... أن يقوم بما قمت به"
-" معقول؟... إذن غضبت مني... أرجوك سامحيني... ولكي أثبت لك طيب قصدي... سوف أعطيك مبلغ المال الذي وعدتك به"
-" صحيح... ستفرح أمي كثيرا... ولكن... سيكون المبلغ دينا في رقبتي... وإذا وجدته أعدته لك... إن شاء الله... سنجمعه من راتب التقاعد... في أقرب وقت"
5-"أم ناصر... تعُدُّ الزمن"
الأم وحيدة في المنزل... تعد حسرتها وهمومها... بعد أن خرجت فاطمة من المنزل دون رضاها... مر الوقت كئيبا:
-" ما الذي حصل في الدنيا يا ناس؟... لقد خرجت فاطمة دون إذني... كنت أظنها ستعود قبل غروب الشمس... لكنها لم تعد... لقد تأخرت في الخارج... تأخرت كثيرا"
الساعات تمضي... وفاطمة لا تزال في الخارج... والأم في وحدتها... تمسح دموعها حينا... وتذكر ربها حينا آخر... وتقوم وتقعد... والوقت الآن قارب الحادية عشرة ليلا... وفاطمة لم تعد حتى الآن.
ذهبت أم ناصر لمصلاها... لتقف بين يدي رب العالمين... وبعد أن أنهت الصلاة... جلست على سجادتها... كانت تستغفر... وفي الوقت ذاته تحوم بأفكارها حول ابنتها التي لم تعد حتى الآن... لقد قارب قلبها على التَّفَطُّر... وعزمت عزماً أكيداً على تلقين فاطمة درساً قاسياً... بسبب عنادها وخروجها من المنزل... حتما ستضربها... ستشتمها... لن تسامحها أبداً.
6- "معركة... مؤلمة"
هناك في سيارته المنطلقة بكل سرعة... جمرة وفاطمة يجوبان الشوارع... وأخيرا دخلت السيارة إلى حيٍ مظلم...لم يطل الوقت... أوقف جمرة السيارة... في مكان خالٍ... ثم نظر إلى فاطمة... وقفز بجوارها في المقعد ذاته... وحصل عراك طويل... وقعت خلاله أشياء مؤسفة... بعدها عاد جمرة لمكانه... واعتذر من فاطمة قائلا:
-" سامحيني... لم أقصد"
انتابت فاطمة نوبة من البكاء... وقالت أثنائها:
-" أنت وقح لئيم... عليك أن ترجعني للمنزل... الآن"
-" غالي والطلب رخيص... هذه أقل خدمة أسديها لك... ولكن... قولي لي... أين هو طريق المنزل"
بدأت فاطمة بزفراتها المتقطعة... تصف الطريق الموصل للمنزل... وبدأ جمرة يسير بحسب الوصف... لم يطل الوقت... لقد وصلت السيارة إلى جوار المنزل... ولكن دهشة جمرة كانت كبيرة... عندما عرف المنزل... إنه منزل ناصر... بدأ قلبه يدق من الخوف... حدث نفسه:
- "أوه... مستحيل... إنها أخت ناصر... مصيبة... من الآن فصاعدا وجب علي الحذر... أخوها شَرِّير للغاية... وأنا لا أحب المشاكل... وإنما أنا مشغول بالحب والحب فقط"
وقبل أن تنزل فاطمة من السيارة... مد جمرة يده لجيبه... وأخرج ثلاثة آلاف ريال... وقال:
-" خذي هذا... إنه مبلغ بسيط... لصداقتنا"
نظرت فاطمة نحوه بحسرة... ثم نكّست رأسها... ولم تمد يدها لأخذ المبلغ... وبدأت تشهق من البكاء... مسح جمرة على رأسها بهدوء... وقال:
-" لا عليك... كل الأمور بسيطة"
لم ترد فاطمة بكلمة... اكتفت بشهيقها... ولكن جمرة أدخل المبلغ في جيبها... ثم سحب يده بهدوء... وقال:
-" فاطمة... اسمعيني جيداً... هذا المبلغ سيحل مشكلتك... ولكن... عليك أن تكرري الخروج معي... عندما أطلب ذلك"
-" ماذا؟... أنت لئيم "
-" أنتِ حرة... إن لم توافقي على الخروج معي حين أطلب منك... فسأخبر ناصر أنك خرجت معي... وأخبره أنك وقعت في الحرام"
-" ماذا... ناصر؟... سيقتلني ناصر... لو علم... لما تهددني؟... كلا لا تخبره... أرجوك... لا تخبر أحدا"
-" إذاً سأتصل بك قريبا"
7-"عودة فاطمة للمنزل"
أخيراً... أدير المفتاح في الباب... ودخلت فاطمة... وعندما دخلت... تقدَّمتْ الأم... عيناها تتطايران شرراً... أرادت تسديد لطمة لوجه فاطمة... ولكن أدهشها ما رأت.
ليست هذه الفتاة... هي فاطمة... إنها فتاة أخرى... نعم هي تشبه فاطمة... في الملامح والشكل... ولكن... هذه الفتاة ذابلة ذبول الوردة... التي داستها عشرات الأرجل... عيناها تحملان حزناً عميقاً... عمق الأخاديد... ورئتاها تشهقان وتزفران... بِطريقة غريبة.
فاطمة تتقدم ببرود... وعندما التقت عيناها بعيني والدتها... هرولت وضمتها بقوَّة... وبدأت تبكي وتبكي... تسمرت الأم... لم تقل حرفاً... ولم تتحرك حركة.
بقيت فاطمة في حضن أمها... أشبه بطفلة تائهة لقيت أمها بعد فِراقٍ طويل... ازداد نَحِيْبُ فاطمة حتَّى كاد يغمى عليها... وعندما شعرت الأم بإغماءة ابنتها... فزعت... ولم تدر ما تفعل... تراجعت قليلا للخلف... ثم أجلست ابنتها بهدوء... ثم أحضرت قليلا من الماء... وغسلت وجه فاطمة.
لم يطل الوقت... لقد عادت فاطمة لرشدها... ثم ألقت بنظرات حزينة إلى أمها.
هزت الأم رأسها في عطف... لم تتكلم بكلمة... لقد قررت ألّا تسأل ابنتها عن قصة التأخر... لأنها خافت عليها من ازدياد حالة التوتر... قالت بهدوء:
- " عليك أن تهدئي يا ابنتي... وترتاحي... ليس لي في الدنيا سواك... أنت نور حياتي"
اعتدلت فاطمة في جلستها... وابتلعت ريقها بصعوبة... لقد طرأت لها فكرة الاعتراف أمام أمها بكل ما حصل... ولكن... انقدحت في ذهنها فكرة غريبة... عندما سمعت من أمها كلمة نور... بدت لها صورة زميلتها نورة... التي تدرس معها في الفصل ذاته... لم يطل تفكير فاطمة... لقد قالت في ثقة:
- "أمي... أنت تتساءلين... لماذا تأخرت؟"
صمتت فاطمة قليلا... فكرت في أشياء كثيرة من حولها... ثم أكملت:
-"نورة... نعم... نورة زميلتي... لقد ماتت... يا أمي... في الليلة الفائتة... إثر حادث سيارة... مع أهلها... وقد أصابني الانهيار لأجل ذلك... لقد أخبرتني زميلتي حنان... التي ذهبت لأذاكر معها... وبعد أن عرفت الخبر... ذهبنا من ساعتنا لبيت العزاء... هذا هو سبب حُزني... وتأخري"
شعرت الأم بسعادة كبيرة... لمعرفتها سبب تأخر ابنتها... ثم قالت:
- "لا عليك يا بنتي المهم أن تَرْتاحي... طبعاً لن تذهبي غداً للمدرسة"
- "كلا سأذهب... أريد مقابلة زميلاتي"
- "الأمر كما تريدين"
حمدت الأم ربها على سلامة فاطمة... ولم تفكر في مدى صدق الكلمات التي سمعتها.
أما فاطمة... فقد بدأت تضرب برأسها في الجدار خلفها... وحدثت نفسها:
_" هـ...هـ... نورة لم تمت... ولكن النور بداخلي هو الذي مات"
قامت فاطمة بتثاقل... ذهبت لغرفتها... والحزن العميق يرتسم على جميع ملامحها.
8-"المياه لم تعد لمجاريها"
في صباح اليوم التالي ذهبت فاطمة للمدرسة... وحين عادت للمنزل... كان حالها أفضل بقليل... لم تعد الكآبة مرتسمة على محياها... كما كانت بالأمس... ولكنها أثناء تناول الغداء... أخرجت ثلاثة آلاف ريال من جيبها وقالت:
- "أمي... لقد فُزْتُ في مسابقةٍ أجرتها المدرسة اليوم... كانت المسابقة على مستوى مدارس المنطقة... الحمد لله... فُزت واستلمت جائزة... أربعة آلاف ريال... ألف لي وثلاثة لك لإيجار الشقة... هـ...هـ... هـ..."
ضحكت فاطمة... كانت ضحكتها باردة حزينة... ليست أبداً من قلبها.
الأم في موقف حرج... لا تريد أبداً معارضة فاطمة... إنها تتذكر حالها ليلة البارحة... وهي تكاد تتقطع من البكاء... وتتذكر زميلتها المتوفاة... لاشك أنها لازالت حزينة عليها... قالت الأم:
- "أخبريني عن حال أهل زميلتك المتوفاة"
- "أيّ زميلة؟... إيه يا أمي... نورة... إنهم بأسوأ حال... أنا حزينة من أجلهم... وعندما استلمت جائزتي لم أفرح بها"
سعدت الأم بالآلاف الثلاثة... إنها جاءت في الوقت المناسب... لذا ابتسمت لفاطمة وقالت:
- "بارك الله فيك يا بنتي"
انفجرت فاطمة ساعتها ببكاء مر... وقامت مسرعة نحو غرفتها... وألقت بنفسها على فراشها... تبعتها أمها... وجلست بجوارها... وبدأت تُرَبِّتُ على كتفها... وتقول:
-" يرحمها الله يا ابنتي... الموت حق على كل نفس"
لم تحاول الأم البحث عن مدى صدق فاطمة أو كذبها... في حقيقة مصدر تلك النقود.
9 - "دورة مسائية"
فاطمة... تلك الفتاة الهادئة... لقد تَغَيَّرت بشَكْلٍ مُذهل... بعد الأمسية التي خَرَجت فيها خارج المنزل... مع جمرة.
ولكن يبدو أنها عازمة على إكمال طريقٍ بدأت السير فيه... وخلال أيام قليلة قادمة... أصبحت حالة فاطمة أكثر استقراراً... وأقل توتراً.
مر أسبوعان... وجاءت فاطمة من المدرسة سعيدة... استقبلتها والدتها بحبها المعهود... وعندما جلستا للغداء... ضحكت فاطمة وقالت لأمها:
- "أمي... لقد رُشِّحْتُ لحضور دورة مسائية"
- "دورة مسائية!... وما هذه الدورة؟"
- "دورة مسائية... تتعلم فيها الفتيات فُنـُوناً كثيرة... إنَّها فُرصَةٌ عظيمةٌ... بالنسبة لي... لقد رُشِّحتُ لها بعد أن تسلَّمت الجائزة السابقة... لقد أُعْجِبت المعلمات بقدرات كثيرة عندي... وأرسلن اسمي لأحد المعاهد... لتطوير الفتيات فنياً"
قالتها فاطمة... وحسرة عميقة تُخالج قلبها... ردت الأم:
- "فنياً... وما علاقتنا بالفن يا بنتي"
- "لقد ظَنَنْتُ أنَّك ستفرحين بهذا الخَبَر... إنه مصدر رزق جديد"
- "الأمور مستورة يا بنتي... كل ما أريده هو أن تهْتَمي بالدراسة... حتَّى يأتي ولد الحلال"
كانت كلمة ولد الحلال... هي المسمار الذي غُرس في رأس فاطمة... لقد نَكَثَت الكلمة في أعماقها آلاماً وجِراحاً غائرة... طأطأت فاطمة رأسها... كادت تبكي أمام والدتها... ولكنَّها قامت لفورها... وذهبت لغرفتها مسرعة.
- "ما بك... فاطمة؟"
لم تُجب فاطمة... لقد أقفلت الباب... وداخل حجرتها... لجأت إلى عبرات حارّة... أخْرَجتها في وَحْدتها... علها تساعدها في تجاوز همومها.
10-"بداية النهاية"
في اليوم التالي... استطاعت فاطمة إقناع والدتها بالسماح لها بالذهاب لهذا المعهد... الذي لا تعرف عنه الأم سوى اسمه... وبعض الصفات التي وصفته بها فاطمة.
مر الوقت سريعا... أنهت أم ناصر أداء صلاة العصر... وبدأت ترتب سجادتها... وها هي تلك... فاطمة... إنها تخرج من باب المنزل لمعهدها الجديد... بعد أن ارتدت عباءتها.
استمر الوضع الجديد لحياة فاطمة... وهي تخرج من المنزل للمعهد مع كل صلاة عصر... وتعود قرابة الساعة العاشرة ليلا... ومع بداية هذه المرحلة الجديدة... بدأ دَخْلُ فاطمة يزيد بشكل ملحوظ... وبدأت ملابِسُها تتغير للأحسن... وبدأت الفاكهة واللحم تعرف طريقها للمنزل.
أصبحت فاطمة تضع نقوداً من فئة خمسمئة ريال... في يد أمِّها... وضع الأسرة المادي تغير جذريا... كانت الأم تنظر للنقود... ثم تنظر شاكرة إلى عيني فاطمة... ولكن سرعان ما تصرف فاطمة عينيها من عيني والدتها... لقد تغيرت نفسيتها كثيرا... إنها لم تعد بأخلاقها السابقة... فاطمة أصْبحت أكثر جُرْأة واستهتاراً... وكثرت اتصالاتها عَبْرَ الهاتف... اتصالات تطول وتطول... فاطمة تدّعي أنها اتصالات مع زميلاتها... من أجل المعهد الجديد.
الواقع أن علاقة فاطمة مع جمرة... قد تطورت كثيراً... فهما يلتقيان يوميا... في الوقت نفسه الذي تزعم فاطمة ذهابها إلى المعهد... الحقيقة أن المعهد لم يكن سوى أكذوبة جديدة... لمقابلة جمرة.
استمرت اللقاءات بين فاطمة وجمرة... مدة أطول... أغدق عليها جمرة الكثير من النقود... وأصبح جزءاً من حياتها.
بالطبع كان لتلك اللقاءات أكبر الأثر على دراسة فاطمة... حيث تدهور مستواها بشكل كبير.
الفصل التاسع
1 - "الخطيب باسم"
حنان في غرفتها... جالسة على سجَّادة الصّلاة... لتوِّها فرغت من أداء الصلاة... إنها تُسبّح وتستغفر... ولكن ذهْنَها خارجٌ عن إطار ما تتلفظ به... حتى الصّلاة... إنها كثيراً ما تفقد الخشوع فيها هذه الأيام... وتلوم نفسها على ذلك لوماً شديداً... ولكن لا فائدة.
حنان في بعض الأحيان تشعر بالسعادة... وفي أحيان أخرى تشعر بالقلق الشديد... لقد أصبحت مخطوبة الآن... وخطيبها رجلٌ طيب... كما يبدو... ولكنها لا تعرف عنه إلا القليل:
- " هذه بالفعل مشكلة... كيف يمكن للإنسان... أن يتصور الحياة مع إنسان لا يعرف عنه إلا القليل... أفكاره... اهتماماته... تصوراته عن الأشياء... إنها بالفعل مغامرة... مغامرة كبيرة"
شعرت حنان وهي تتغلغل في أفكارٍ كهذه... بازدياد ضربات قلبها... وبين كل لحظة وأخرى تمر في خيالها صورة بديعة:
- " أوه... صالح"
إنها تعرفه بكل تفاصيله... وبكل جزئيات حياته... ربما كان هو الأنسب لزواجها... لقد عاشا طفولتهما معاً.
شريط الذكريات يَمُرُّ بحنان قسرا... ولكنها تحاول نسيانه... لأنها واثقة من أنه لا فائدة أبداً في تذكر الماضي... كم كانت دهشتها رهيبة... عندما تأكدت من مجيء صالح مع والده تلك الليلة لخطبتها... في البداية لم تتوقع أن مجيئهما كان للخطبة... وبعد ذهابهما... وذهاب زوجها... ألحَّت على والدتها لتعرف السبب... كان العم عبد الله يرغب في إخفاء الموضوع... ولكن طاقته في الكتمان انهارت أمام إلحاح ابنته... وانكشف السرِّ وعرفت حنان... وأحست حينها أن الفأس وقع في الرأس... ليلة واحدة... كانت هي الفاصل... بين حياة وحياة... كم يكون الوقت مهما عند تتابع الأحداث... قالت حنان لوالدها تلومه:
-" لماذا لا يسمح المجتمع... بما شرعة الدين... في شأن الزواج... وفي شأن اختيار الزوج... هل المرأة شيء من السلع... أم أن لها مشاعر وأحاسيس هي في أمس الحاجة لاحترامها... خاصة في الموضوع الأهم... موضوع اختيار الزوج... وبناء الأسرة"
-" والله... صدقت يا ابنتي... ولكن... هذا النصيب... ماذا نفعل في النصيب؟"
- " كلا يا أبي... أنتم جعلتم النصيب شماعة... تعلقون عليا الأخطاء... نستطيع أن نُغيِّر كل هذه الأخطاء... ونستطيع أن نكون بحال أفضل... عندما نتبع تعاليم ديننا الحنيف... المرأة في الإسلام لها وجودها... ولها قيمتها... ولها اختيارها... لأن الإسلام حررها من كل الظلم والهوان... أليس كذلك يا أبي؟"
- " نعم... نعم... الله الموفق!"
بدأت حنان تحدث نفسها:
-" بالطبع... ليس في يد والدي حل... لو تقدم صالح في الخطبة يوما... لكنت الآن من نصيبه... صحيح... أنا لا أكره باسماً... ولكنَّ طيف صالح يُشعرني بأمان أكبر... في هذه الحياة المتناقضة... الصعبة... ولكن لا مجال"
2-"ماذا عنه؟"
مرت الأيام متسارعة... وتتابعت زيارات الشاب باسم لزوجته حنان... وتكسرت كثير من الحواجز النفسيَّة... واستطاعت حنان أن تسبر أغوار هذا الرجل... ولحسن الحظ... تأكد لها أنه شاب طيب... بدرجة كبيرة... ومع التقدم في علاقتها معه... بدأت تتناسى صالحاً... رويداً رويداً... لقد أصبح موقع زوجها باسم... يكاد ينتشر في جميع قلبها... وبعد أشهر قليلة... كان باسم يفاتح عمه عبد الله... في موضوع تحديد موعد الدخلة... كان الموعد الذي اتفق عليه الجميع... هو بداية الصيف المقبل... في الواقع... لقد فاتح باسم حنان في موضوع الزواج من قبل... وقد اتفق معها مبدئياً على هذا الموعد.
بقي عن دخول الصَّيْفيَّة أربعة أشهر... وهو وقت كافٍ لباسم... كي يقوم بأعباء تجهيز الشِّقة... التي ستكون مأوى الأسرة الجديدة... استطاع باسم تجهيز الشقة بأثاث مناسب... ثم تفرَّغ لإعداد حفلة الزواج... مرت الأيام سريعة... ستقام الحفلة في أحد القصور المعدة للأفراح... طُبعت كروت الزواج... وأرسلت لكل من يُسْعِدُه الأمر... وبعض من لا يسعده... ولعل من بينهم الشاب... صالحاً.
3- "فلسفة في فلسفة"
أصبحت اللقاءات بين باسم وحنان أكثر تكرراً... وأصبح الانسجام بينهما يَفُوق الخيال... قال لها ذات يوم:
- "حنان... أنا لا أكاد أصدق نفسي... ولم أكن أتوقع... أنَّ حَظِّي يبلغ كل هذا التوفيق"
- "صدقني... لقد أحببتكَ الآن... من كل قلبي... صدقني... قبل أن أتعرف عليك... لم يكن لديَّ أي تفكير جاد تجاه الرِّجال... كان كل تفكيري منصباً نحو الدراسة... كنت أرى فيها السعادة... أنا الآن أشعر أن تصوراتي تغيرت بشكل كبير... لم أكن أتوقع أن يصل حبُّك في قلبي كل هذا الحد... إنني أقرأ في عينيك صدقاً عميقاً"
- "أرجو أن أكون عند ظنك بي... مع أن لي فكرة نحو الحياة... فأنا أتصور يا حبيبتي... أن الحياة مدرسة حزينة... وستبقى حزينة... حتى يجد الإنسان فيها حبيبه الصادق... الحب وحده كفيل بمَحْوِ جميع الحزن... المُلطِّخ لوجه الحياة"
دار حديث طويل... بين باسم وحنان... وكأنهما يعيشان في عالم قدسي من السكينة... وفي تلك الأثناء تذكرت حنان شيئا... لذا فتحت حقيبتها... وأخرجت علبة صغيرة شفافة... تحوي وردة حمراء... وضعتها على الطاولة أمامها بكل لطف... ولكن... لفت نظرها المصحف الموضوع بعناية في أحد أدراج الحقيبة... رفعته أيضا... ووضعته بجوار العلبة التي تحوي الوردة... كي تبدو صورة الطاولة ساحرة جميلة.
مدت حنان يدها للعلبة... رفعتها بلطف... ثم فتحتها وأخرجت الوردة... وناولتها لباسم... وهي تقول:
-" عليك أن تقبل هديتي... إنها رمز الحب والإخلاص"
تناول باسم الوردة... كان قلبه يدق بحب كبير... أدناها من أنفه... وبدأ يشتمها بنَفََس عميق... أحس وأنه يدخل في عالم آخر... أبعد الوردة عن أنفه... وناولها لحنان... أمسكت حنان بالوردة... أدنتها من أنفها في انسجام كبير... أغمضت عينيها... وبدأت تشتم الرائحة الزكية... في حين انتبه باسم للمصحف الصغير الذي وضعته حنان على الطاولة للتو... مد يده بهدوء... وتناول المصحف... وأدناه من فمه ثم قبّله... سمعت حنان صوت القبلة... تفاجأت... ثم فتحت عينيها في دهشة... وعندما رأت المصحف... ابتسمت في خجل... في حين ضحك باسم... لأنه أدرك ما يجول في خاطرها... حاولت حنان الخروج من حرجها... لذا قالت في شيء من الجدية:
- "باسم... ما رأيك في هذا؟"
ولأنَّ باسماً صريح دائماً... ولا يعرف المراوغة قال:
- "أوه... المصحف... صدقيني أنا مُقصِّر معه... تقصيري ليس له حدود... ولكن... ربما كنتُ محظوظاً بالزواج منك... لقد عرفت عنك الكثير... أنت تحفظين كتاب الله... هذا أكبر مكسب أشعر أنني كسبته من زواجي بك... الرجل في حاجة لامرأة تعينه على الخير"
- "أنت تراوغ يا باسم... أقصد لديك الكثير من الدبلوماسية... ولذا لم تجب بدقة"
- "غريب!... المعروف أن النساء أكثر مراوغة من الرجال"
- "لم أقصد..."
- "بالعكس أنا أحب الصراحة... وأعشقها"
- "«تعشقها»... ماذا تقول يا رجل؟... أعوذ بالله... وتقول هذا الكلام أمامي"
- "اطمئني لن أتزوج بها... يكفيني فقط امرأة صريحة"
- "هل هذا يعني أنّك ستكون صريحاً معي؟"
- "أرجو ذلك"
- "ولكن... كثير من الرِّجال يُفضلون إبقاء بعض أسرارهم طي الكتمان... ولا يُطْلِعُون عليها أحداً"
- "ربما يكون هذا أصلح... ليس كل سرٍ يجب أن تعرفه المرأة عن زوجها"
- "لا لا... هنا لا أوافقك... بل أظن الثقة بينهما إذا وصلت منتهاها... فلن يكون هناك أيما أسرار"
- "ماذا تقصدين؟"
- "لكي تكون الأسرة في غاية السعادة... يجب أن يتمازج الزوجان... يتمازجا في أفكارهما وتطلعاتهما وآلامهما وآمالهما... حتى يكونا... أشبه بشخص واحد"
- "معذرة يا حنان... قد لا أوافق على هذا المبدأ"
- "لماذا؟... كل الناس يرددون هذه الفكرة... عند الحديث عن الحب الصادق... والثقة المتبادلة بين الزوجين... حتى أصبح هذا الكلام يمثل مسلَّمة لدى الكثيرين"
- "صحيح... ولكن... كثير من كلام الناس ظاهره الحق وباطنه يحتاج إلى إعادة نظر... وهذه الفكرة بالذات... أقصد فكرة تمازج الزوجين في شخص واحد... أعتبرها من المشاكل الخطيرة على مستوى التفكير... في تصوري يا حبيبتي... إن تَرْكَ قضايا معينة دون عرضها على مقياس العقل مُنزلقٌ فكري خطير"
- "يبدو يا باسم أنني تورطت مع فيلسوف... ومُفَكّر"
- "لا... أستغفر الله... نحن تلاميذ... عند جنابكم... ولكني دائماً أحبُّ إعادة الأمور إلى أصلها"
- "أنا أستغرب يا باسم... أنك وكيل رقيب فقط... أنت تستحق أن تكون دكتوراً"
- "أنا... لا... لا... يكفيني وكيل رقيب... بل هي كثيرة علي"
- "هل سنبقى نتناقش هكذا بعد الزواج؟"
- "إذا لم يكن لديك مانع"
- "أنا أحب النقاش الحر... أحسُّ أنه دائماً يُوصلُ للحقيقة"
- "وماذا تقصدين بالنقاش الحر"
- "الذي لا يؤثِّرُ على المناقش فيه... سوى سُطوع نُور الحقيقة... ولا يوجد أي مؤثرات جانبية... أو أيُّ أهواء"
- "هذا كلام مليء بالحكمة... إنه كلام فيلسوف"
- "يقولون إن الفلسفة عدوة الحب!!"
- "لم أسمع بهذا من قبل"
- "صدقني يقولون ذلك... والسبب أن الفلسفة عمليات عقلية مجردة... أّما الحب فهو عملية عاطفية محضة... وأنت تعلم التباين بين العقل والعاطفة... أو بالأحرى... الهُوة السَّحيقة بينهما"
- "معذرة حنان... هذا الكلام أيضاً يحتاج إلى إعادة نظر"
- "حتى هذا... ماذا بك يا باسم؟... يبدو أنّك ستوقفني عند كل كلمة"
- "وهل هذا يغضبك؟"
- "يغضبني !... لا وإنما يغضب فلسفتي"
- "بالعكس إنه سيسعد فلسفتك... لأن الفلسفة دائماً تُحبُّ التعارضات"
- "صدقت... وما رأيك إذاً في الحب والعاطفة وعلاقتهما بالفلسفة"
- "الفلسفة هي أم الحب... العقل هو الذي يحب قبل القلب... والعقل يعشق قبل القلب أحياناً"
- "معذرة... الآن لا أوافقك... لأنك سفسطائي"
- "سفسطائي؟"
- "نعم تقلب الحقائق... بيت الشعر هو «الأذن تعشق قبل العين أحياناً»"
- "ما رأيك بترك الفلسفة الآن؟... والتَّحدُث بمشاعر الحب"
- "الحب يا باسم هو الفلسفة... ألم تقل ذلك قبل قليل؟"
- "يبدو أنني وقعت... «إن كيدكن عظيم»"
- "باسم أعرض عن هذا"
- "واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين"
- "أنا سعيدة يا باسم... أُحس أن قلبي لا يتسع سعادتي"
- "أما أنا فمعذَّب... معذب منذ أن عرفتك"
- "أعوذ بالله لماذا؟"
- "لأن الحب عذاب... هـ... هـ... هـ"
- "هذا الكلام يحتاج لإعادة نظر يا فيلسوف باسم... الحب ليس عذابا"
- "ما رأيك أن ننسى كل الكلام عن الفلسفة؟... قاتل الله الفلسفة"
- "وقاتل الله الْحُـ..."
- "مار... الحمار...."
- "أي حمار؟"
- "حمار الحكيم"
-" لماذا؟"
-" ألم تعلمي أن الحمار... ترك صاحبه الحكيم... في الصحراء... ورحل عنه... وبقي الحكيم في الصحراء يتفلسف حتى اكتشف الفلسفة؟"
- "من؟... الحمار؟"
- "لا الحكيم..."
- "إذن رحم الله الحكيم"
- "رحم الله الجميع"
هكذا كان الأنس يغمر قلبي الزوجين المستأنسين ببقائهما مع بعضهما... وهكذا ضحكت لهم الأيام الحاضرة... والتي لا تعلم ما يخبئ لهم المستقبل... في الأيام اللاحقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق