الفصل الخامس
1 ـ "صالح... إلى الحرية"
تسارعت الأيام... ومرت مرور السحاب... ومرت بعدها الشهور... لم يتوقع صالح أن تمر بهذه السرعة... ولكنه حال الزمن... لا يُبقى أبداً على حال... وعندما يصبر الإنسان على الضيق والضنك... فلابد أن تتكفل الأيام بإزالة ذلك الضيق... بدأ صالح بالإعداد للتخرج... لقد جلس تلك الليلة... التي سبقت آخر أيام الكلية... على فراشه مبتسماً... ولا شيء يشغله سوى التفكير في حنان... وبدأ يحدث نفسه:
- " بمجرد وصولي... يجب أن أسأل عنها... المهم ألا تكون قد تزوجت... أو خُطبت... سأسارع في مُفاتحة والدي في الموضوع... وسيخطبها لي... والمال حتما سيتدبر... لدي الآن ما يقارب عشرة آلاف ريال... تلك النقود التي جمعتها من مكافئات الكلية... صحيح... لقد جمعتها لشراء سيارة... ولكن الزواج أهم من السيارة... في البداية سأشتري هدية... وأعطي أمي... كي تقدمها بدورها إلى حنان"
أطفئ النور أثناء تلك الخواطر... وسُمع القول المعهود:
- " «ولا كلمة»"
وفي اليوم التالي... قام صالح بكل الواجبات المفروضة عليه... واقتربت عقارب الساعة من الثانية عشر... وبدا على وجوه جميع الطلاب آثار الفرحة العارمة... لانتهاء العام... وبالأخص طلاب السنة النهائية.
وبدأ كل منهم يودِّع الآخر... وفتح الباب... الجميع إلى الخارج... انطلق صالح خارجاً وكأنه يطير... لقد آن له أن يُطلق ساقيه من القيود... ويطلق بدنه لحياة أرحب.
وفي عصر ذلك اليوم... زار صالح بعض أقاربه... وذهب للسوق من أجل شراء بعض الهدايا... ثم ذهب لمكتب الحجز... وحجز على أقرب رحلة في اليوم التالي... وقت إقلاعها الساعة الثانية عشر ظهراً... إلى مسقط رأسه.
2- الوصول
الجميع في استقبال صالح... تحفهم السعادة من كل مكان... دخل صالح بسعادة إلى المنزل... وابتهجت الأم... وخطت الدموع خطوطاً سعيدة على خديها... وأطلق الأب عياراً نارياً... ابتهاجاً بهذا الحدث.
جلس صالح بحبور... واتكأ على المتكأ في زاوية الغرفة... إنه يفكر في شيء آخر... إنها حنان... وبعد أن جلس الجميع... بدأ صالح يقص لهم القصص الكثيرة... عن أيام الكلية... لا أعادها الله... مر الوقت سعيداً... وسمع أذان المغرب... وقام الجميع للصلاة... وقابل صالح جماعة المسجد... الجميع باركوا له بالتخرج... ابتسم لهم والده في حبور... وأخبرهم أن العشاء الليلة بعد صلاة العشاء سيكون معدّا... بمناسبة تخرج صالح.
مر الوقت سريعا... وانقضت صلاة العشاء... واجتمع الناس في بيت أبي صالح... العشاء أصبح جاهزا الآن.
3-" شيءٌ من الخجل"
في اليوم التالي انفرد صالح بأمه... سكت قليلاً بسبب خجل أصابه... خاصة أنها المرة الأولى التي يفتح فيها موضوعاً حساساً كهذا معها... كانت الأم على مستوى كبير من الذكاء... لقد عرفت إن انفراداً معها بهذه الطريقة... لا يَعْني سوى الحديث في موضوع الزواج.
- " خيراً يا بُني"
- " اطمئني يا أمي... الموضوع خير إن شاء الله"
عندما رأت الأم أنه سكت بعض الوقت... لحرجٍ أصابه... قالت:
- " لماذا يا ولدي لا تفكر في الزواج؟... نعم يا بني... الزواج إكمال لنصف دينك... كما يقال... وها أنت الآن أصبحت موظفاً... يجب أن تبادر يا بني"
- " حقاً... صدق من قال... الأم تستطيع أن تقرأ الكثير مما يدور في خلجات أبنائها"
- " لماذا؟... وهل كنت تريد الحديث معي عن موضوع الزواج؟"
- " تقريباً... لقد كنت أريد السؤال عن فتاة عرفتها منذ الصغر... أحببتها في السابق حب الأطفال... حب اللعب واللهو... ولا أدري... "سبحان الله"... لماذا تذكرتها ذات يوم وأنا في الكلية؟... سألت نفسي عن حالها الآن... وهل تزوجت أم لا... هل هي بخير أم لا قدر الله غير ذلك؟"
ابتسمت الأم... وقالت:
- " من تقصد؟"
- " لعلك تذكرين يا أمي... حنان... بنت جيراننا سابقاً"
- " حنان... أوه يا صالح... إن كان حظك أكبر منك... فحتماً سيُكتب لك الزواج منها"
- " ألم تتزوج إلى الآن يا أمي"
- " أظن أنها لم تتزوج... مع أن الخطاب يقرعون أبوابهم كل حين"
- " كيف علمت؟ "
- " نعم يا بني... لقد انتقلوا من هذا الحي منذ سنوات... منذ أن بنى أبوهم بيتاً جديداً... انقطعنا عنهم... إيه يا دنيا... سنوات عدة... وسبحان الله... بالصدفة قابلت والدتها في مناسبة لأحد معارفنا... وقد كانت أمها ضمن المعازيم"
- " وهل حضرت حنان في تلك المناسبة؟"
- " كلا لم تحضر... ولكني سألت والدتها عنها... فأخبرتني أنها بخير حال... وأنها لم تتزوج إلى الآن... تقول إنها تريد إكمال دراستها"
- " منذ متى قابلتها؟"
- " منذ... قرابة أربعة أشهر"
- " ولكن يا أمي... هل ستوافق على الزواج؟... ألم تقولي إنها تريد إكمال الدراسة؟"
- " إذا كان هناك نصيب... حتما سيحصل"
- " أرجو ذلك"
4- " حدث في السوق"
هناك مهمة أساسية... يجب على صالح أن يقوم بها أولا... البحث عن منزل أبي حنان... لم يطل الوقت... لقد بدأ صالح في السؤال عن المنزل الذي تعيش فيه حنان مع أهلها... وبدأ في إعداد الترتيبات اللازمة للبدء في مشروع الخطوبة... ولكن قبل إكمال تلك الترتيبات... حصل أمر مهم جداً... ذلك أن صالحاً قام مبكراً صباح أحد الأيام... وبعد أن ألقى التحية على والديه... وقبَّل رأس كل منها... سأل أمه:
- " هل تريدين مني إحضار شيء من السوق؟"
قالت الأم:
- " حفظك الله يا ولدي... هناك ورقة صغيرة كتبت فيها متطلبات المنزل... أحضرها من السوق... سيكون أبوك سعيداً بذلك... لأن عملك هذا... سيريحه من المشوار"
- " بكل سرور يا أمي"
دَعَت الأم ربها تلك اللحظة... بقلب صادق... أن ييسر لصالح أمره جميعاً.
وصل صالح للسوق... كان الغادون والرائحون يُمثِّلون أكثر أهل السوق... والقليل هم الجالسون... صالح في أتم سعادة... إذ عادت له ذكرياته في مسقط رأسه... صحيح أن غربته لم تطل... ولكن بالتأكيد... هناك مشاعر خاصة... يشعر بها الإنسان تجاه مسقط رأسه... يعرفها كل من ذاق مرارة الغربة.
صالح يسير ويدقق النظر في كل شيء... لكن لفت نظره صورة أحد المارَّة... لقد رأى تلك الصورة من قبل:
- " ولكن أين يا تُرى... أين رأيت هذا الشيخ الكبير؟"
لم يُلق الشيخ المار لصالح أي اهتمام... ولكن الصُّور أصبحت تُعرض في ذهن صالح بسرعة مذهلة... وأخيراً وصل صالح لما أراده:
- " سبحان الله... إنه... العم عبد الله"
سلَّم صالح عليه بحرارة... استغرب العم عبد الله لهذا السلام... وقال له:
- " اعذرني يا ولدي... لم أعرفك"
- " أنا صالح بن سالم... كنا جيراناً منذ عشر سنوات"
- " أهلاً يا ولدي... سبحان الله... لقد تغيرت كثيراً... اعذرني... كيف حالك... وحال والدك... وأهلك جميعاً"
- " كلهم بخير حال"
- " ما أخبارك؟... أنت"
- " الحمد لله... لقد تخرجت من الكلية الأمنية... منذ أيام قليلة"
- " مبروك... ألف مبروك... والعقبى للزواج"
- " الله ييسر"
لم يكن لهذا اللقاء أي أهمية... لو لم يكن العم عبد الله هذا... هو بعينه أبو حنان... نعم إنه والد حنان... سبحان الله... تم هذا اللقاء على غير موعد... وسيكون حتماً لبنة بناء... في مشوار صالح... للتقدم للزواج... فكر صالح قليلا كانت صورة حنان تدور في ذهنه... ثم قال:
- " يا عم عبد الله"
- " الله ينعم عليك"
- " لقد اشتقت لك كثيراً... كُنتَ من أطيب سكان الحارة... لقد سعدت برؤيتك"
- " أنا سعدت أكثر... يا حبيبي... الله... أيام"
- " لكن يا عم عبد الله... من حقك علينا الزيارة... وأنا أعتزم زيارتك في منزلك... كم أنا مشتاق لسماع قصصك القديمة... وأخبارك عندما كنت شاباً... فعلاً... كبار السن قاموس تجارب... يجب أن يحفظها الجيل"
انْتَشَى الشيخ من هذا الإطراء... وقال:
- " بارك الله فيك يا ولدي... سأكون سعيداً بمجيئك... ويجب أن تتناول وجبة عندنا"
- " لا يا عم عبد الله... أنا فقط سأحضر للزيارة... ولا مانع من شاي وقهوة... فقط... أما العشاء فأنا غير موافق"
- " بل يجب أن تكرمنا بتناول طعامنا"
- " هل ستكون عصر هذا اليوم في المنزل؟"
- " نعم... أنا كما تعلم... متقاعد... ولا أخرج من المنزل إلا قليلاً"
- " إذاً سأحضر اليوم... بعد صلاة العصر... وكما قلت لك... فقط قهوة وشاي"
- " حياك الله في أي وقت"
سأل صالح عن موقع منزل العم عبد الله... وبعد أن عرفه... ذهب مستأذنا.
5-" الطريق إلى حنان"
مر الوقت سريعا... وبعد صلاة العصر بقليل... ركب صالح سيارة والده وانطلق... كان ساعتها يترنم بأي شيء يقع على لسانه... ويبدو فرحاً غاية الفرح... ولما أوقف السيارة أمام منزل العم عبد الله... أحس أن قلبه يتراقص... لا يعلم هل يتراقص طرباً... أم خوفاً... أم قلقاً؟.
نزل صالح بهدوء... ثم تقدم قليلاً... وقف بجوار الباب... ثم ضَغَط الجرس... كان الجرس عبارة عن جهاز "انترفون" ويستطيع من بالداخل أن يرد من خلاله على من بالخارج...لم يتوقع صالح أنَّ الذي سيرد هو امرأة... وإلا لأعدَّ حنجرته لتكون قادرة على إبداء صوت أكثر عذوبة... توقع أن العم عبد الله هو من سيرد... لكن الصوت من الداخل بدا عذبا نديا:
- " مَن بالخارج؟"
تلكأ صالح... وقال:
- "... أنا"
- " أنت من؟"
- " صالح"
- " من تريد؟"
كاد أن يقول :
- " أريد حنان"
ولكنه تعقل قليلاً... كم منّى نفسه سماع هذا الصوت... أيقن أنه صوت محبوبته... الله ما أجمل صوتها!... قالت المرأة في حدة:
- " أقول من تريد؟"
- " الوالد موجود؟"
- " أنت؟... تريد منزل من؟"
- " العم عبد الله"
- " الباب الثاني... هذا منزل مُستأجر"
أصيب صالح بخيبة أمل... واتجه ذليلاً إلى الباب الثاني... وقرع الجرس... أجابت في الحال فتاة... كانت أكثر أدباً:
- " من؟"
- " العم عبد الله موجود؟"
- " من أنت؟"
- " صالح"
- " أهلاً بك تفضل... هو بانتظارك في المجلس"
فُتح الباب بالقفل الكهربائي... ودخل صالح... الله... لقد تذكر هذا الصوت... إنه صوتها... صوت حنان... هل يا ترى أحست تجاهه بنفس الإحساس؟.
كان العم عبد الله في الانتظار... وبدخول صالح قام العم عبد الله مستقبلاً بأكثر الترحيب... جلسا وتبادلا الأخبار والقصص... وشربا القهوة والشاي... أحس صالح بقدرٍ كبير من السكينة تحل عليه... وأحس بمشاعر جيّاشة نحو تلك التي بالداخل.
ولكن... ماذا يا تُرى عن موقفها تجاهه؟... هل تراها تذكَّرته؟... وتذكَّرت أيام الطفولة... وأيام "واحد اثنين"... وهل تُكنُّ له قليلاً مما يكن لها من مشاعر؟.
في الحقيقة أن حنان كأي فتاة محافظة من بنات جنسها... تدّخر كل مشاعرها من الحب والحنان... لتلك الليلة... التي تدخل فيها على زوجها... وعند ذلك ستكون كالنهر المتدفق... لذا فإنها تجاهلت موضوع صالح تجاهلاً تاماً... وعندما حدثها والدها منذ ساعات:
- " إن ضيفاً عزيزاً اسمه صالح سيأتي لزيارتنا... وهو جارٌ لنا منذ سنوات... أيام طفولته... والآن ما شاء الله... أصبح شاباً مكتملاً... ووفياً كذلك... لذا سيكرمنا بهذه الزيارة"
ابتسمت حنان بهدوء... وحاولت ألّا تفكر في الموضوع.
حنان تؤمن بيقين... أن من الجهل والحمق... أن تُعلِّق فتاةٌ حبها بأي من هب ودب... ومن السخافة أيضاً... أن يطير قلبها شوقاً مع كل من غدا أو راح... إن الحب هو أثمن شيء في الوجود... ويجب ألا يكون ألعوبة في طرقات المارة... ولكنّ طيف صالح لاح لها من جديد... لذا حدّثت نفسها:
- " وماذا لو كان صالح جاراً من قبل... وصديقاً أيضاً في زمن الطفولة... لا مانع أن أتمنى له التوفيق والسعادة... ولكن يجب ألاّ أتعدى ذلك إلى آمال أو طموحات"
كم كانت حنان تلوم بعض صديقاتها في المدرسة... عندما يَمْتهنَّ مبدأ الحب... ويمتهنَّ أنفسهن بعلاقات غرام سخيفة... مع بني جلدتهن... ممن يجيدون الأكل لحماً والرَّمي عظماً.
الغريب أن حنان... وهي مع نفسها تناقش هذه الأفكار... لا تدري لماذا تذكرت كلمتي «واحد» «اثنان» ... وتذكرت أيام اللهو واللعب... وتذكرت صالحاً المسكين الطيّب... غاية الطيبة... الذي كان يتبعها في كل مكان... ويردد كل ما تقول بكل سذاجة؟... ابتسمت ساعتها مع نفسها... وأغمضت عينيها.
في الحقيقة أن حنان منذ ضغطت الزر لفتح الباب... أحسَّت بشعور غريب... أحست بما يشبه المقولة:
- "«إن القلوب على أشباهها تقع»"
من يدري قد يجمع الله بينهما.
الأغرب من ذلك... أن حنان وجدت من نفسها إخلاصاً كبيراً عند إعدادها للقهوة والشاي... كانت تزعم أمام نفسها أنه بسبب تبييض وجه والدها أمام الضيف... ولكن يبدو أن هناك سبباً آخر... مختفياً بداخل قلبها.
انشرح قلب الأب تجاه صالح... أكثر بكثير من أي وقت مضى... أحس أنه كابنه تماماً... ولأن العم عبد الله لم ينجب سوى حنان... أحسَّ أن صالحاً في منزلة أخٍ لحنان.
6ـ " وليمة"
مر الوقت بهيجا... ودارت فيه أقداح الأنس والبهجة... وقبل المغرب بقليل... استأذن صالح للخروج... لم يكن أبو حنان قد شبع من ذلك الأدب الجم... وذلك السمت النادر... المتوفر في شخصية صالح الأصيلة... لذا أقسم عليه بالبقاء حتى تناول العشاء... وحين اعتذر صالح بِعَدَم علم والده بتأخره... اقترح العم عبد الله أن يذهب صالح ويأتي بأبيه وجميع أسرته... ليتم لَمُّ الشمل من جديد.
أحس صالح أنَّها فرصة ذهبية... لتوثيق الروابط مع هذه الأسرة... وكذلك لتتعرف والدته على حنان أكثر... ليتسنى لها وصفها له فيما بعد... وتفاءل بأنَّ هذه البداية توحي بكل خير... لذا وافق على هذا الاقتراح.
وفعلاً اجتمعت... العائلتان بعد فراق طويل... وحل الأنس قلوب الجميع.
كان ذلك الاجتماع كفيلاً برسم انطباعات حسنة في ذهن كل من أم صالح وكذلك أم حنان... وحنان أيضاً... النسوة الثلاث أحسسن أنهن أكثر قرباً... وحدَّثت أم صالح نفسها كثيراً... ثم نظرت تجاه أم حنان وقالت:
- " لقد كبر الأولاد يا أم حنان... أتذكرين حين كان صالح وحنان يلعبان سوياً في طفولتهما"
أحست حنان بشيء من الخجل... وتراقص قلبها قليلاً... ثم قامت.
وبعد فترة قصيرة من تناول العشاء وشرب الشاي... قام أبو صالح مستأذناً... يبدو أنه سَهِر أكثر من اللازم... وقام جميع أفراد أسرته... وانطلقوا عائدين إلى منزلهم.
7- "زوجة الحلم"
عادت أسرة آل أبو صالح إلى منزلهم... وكان هناك أسئلة كثيرة تدور في ذهن صالح... وكان يريد طرحها على أمه... إنه يريد معرفة إجاباتها بكل لهفة.
طلب صالح من أمه أن تجلس بجواره... بعد أن دخلا منفردين إلى غرفته... وطرح عليها الأسئلة التالية:
- " أمي... هل تأكدت من كون حنان لم تتزوج... أو تُخطب؟"
- " لماذا يا بني تنفرد بي هكذا... وكأننا عصابة تخطط لعملية سطو؟"
- " لم أقصد... ولكن هذه أمور دقيقة"
- " لا عليك يا ولدي... فقط أردت أن أداعبك"
- " قولي لي يا أمي... هل هي مخطوبة أم لا؟"
ابتسمت الأم ثم ربتت على عاتق ولدها وقالت:
- " اطمئن... الأمور جميعاً على ما يرام... ويبدو أيضاً أن أسرة أبي حنان يريدون القرب منَّا... هذا ما أحسست من بعض القسمات على ملامح أم حنان... ومن بعض تصرفات حنان "
- " قولي لي يا أمي... كيف أخبار حنان؟... هل هي جميلة؟... إني أذكرها في طفولتها... لقد كانت جميلة"
- " ليست جميلة يا ولدي"
- " ماذا؟"
- "إنما هي ملكة جمال... اطمئن... ولكن... كنت أتوقع ألّا تسأل هذا السؤال قبل أن تسأل سؤالاً أهم منه"
- " سؤال أهم... وما هو؟"
- " نعم يا بني... يُخطئ الرّجال عندما يهتمون بجمال الوجه والبدن... أوْلى بهم لو تأمَّلوا قليلاً... أن يفكروا أول ما يفكرون... في جمال الرّوح... وجمال الخُلُق... وجمال النفس... إن جمال البدن سيُدخل الأُنس على عينيك... لسنوات قد لا تطول... لأن الشباب والنضارة... لن يقدر لها البقاء في الغالب... أكثر من عشرين سنة... بعد الزواج... وأما جمال النفس والخلق فسيُدخل الأُنس على قلبك ومنزلك... وعلى أولادك... وعلى حياتك كلها... وسيبقى يزيد ويزيد... حتى نهاية العمر... إن الفتاة... جميلة النفس... ستبقى مبتسمة دائماً... فرحة دائماً... صادقة العينين دائماً... أما قبيحة النفس... فحتى لو كان وجهها جميلاً... فسيبقى ثغرها مكشراً أشبه بثغر ذئب... وعينياها ناريَّتين... وكلامها أشبه بكلام تنِّين لا يجيد تلفظ الصوت إلا مع النار... إن صحَّ أن التنين يُخرج ناراً مع فمه... أيهما أجمل يا بُني... ثغر جميل غضبان... لا يجيد إلا التلفظ بالسوء... أم ثغر أقل جمالاً... ولكنه بسّام دائماً... عذب الكلمات دائماً... صادق القول في كل حين؟"
- " نعم أمي"
- " وأيهما أجمل... عينان جميلتان غضباوتان... تنصبُّ دائماً على المساوئ... وتُغضي عن المحاسن... أم عينان أقل جمالاً... ولكن ينبع من بين جفنيها الحب والحنان... تُغْضِي دائماً عن أيما سوء... وتذكر المحاسن جميعاً... يجب أن تكون فطناً لهذا يا بني... أنا أكبر منك... وعاشرت النِّساء طوال عمري... لا قيمة أبداً لجمال الوجه... إذا ما قورن بجمال النفس... ومسكينات هن النسوة... يسعين جهدهن لتجميل الأبدان... ظناً منهن أنهن بذلك يُدركن سر الجمال... ومساكين هم الرّجال... يسعون دائماً وراء جميلات الوجوه... ظناً منهم أن السعادة تحاز لهم بحيازتهم لتلك الجميلات... فإذا اجتمع الزوج مع امرأة ذات وجه جميل... ولم تؤت جمالاً في النفس... أدرك أنه خادع نفسه وغرّها... ويتحول ساعتها ذلك الجمال إلى أشْنع قُبح... وإليك يا بُني هذا المثل"
- " قولي أمي"
- " هل تريد أن تجلس مع نَمِرٍ مفترس... في غرفة واحدة... وتُؤْنِسُه ويؤنسك؟... أجب"
- " كلا يا أمي... النمر حيوان لا يؤمَن"
- " لماذا؟"
- " لأنه مفترس"
- " نعم مفترس... مع أنه جميل غاية الجمال... ما رأيك في جماله"
- " إنه حقاً جميل"
- " هكذا المرأة الجميلة... إن لم تكن على خلق... فلن يستمتع زوجها ذات يوم... بأن يجالسها أو يؤاكلها... ولن يشفع لها جمالها ساعة إذن"
- " أنت عظيمة يا أمي... وعالمة"
- " أنا يا بني لست عالمة... ولكني مُجربة"
- " ليت كل البنات يعلمن هذا... فيهتممن بجمال الباطن قبل الظاهر"
- " كثير منهن يا ولدي أشبه بمن فقد بصره... إنهن لا ينظرن للحياة إلا عن طريق أعين الإعلام... سواء المرئي كالتلفاز أو المقروء كالصحف... وهذا الإعلام... يوجد فيه الكثير من الأشياء... إنها تصور الأمور على غير حقيقتها"
- " كيف يا أمي؟"
- " الإعلام لا يصوِّر من الجمال إلا جمال الوجه... بما يعلوه من مساحيق... وجمال الزِّي بما يعلوه من احمرار واصفرار وألوان فاقعة... تسرُّ بعض الناظرين وتسوء البعض الآخر... ولم يكلف الإعلام نفسه ولو ذات يوم... إبراز معنى صادق للجمال... لذا فإن كثيراً من الفتيات هن بالفعل مسكينات... يجهلن الحق ويعرفن الباطل... ويحسبن أنه الحق"
- " أمي... ما رأيك؟... هذا الكلام يصلح كمحاضرة تقدمينها في مسجد... ونحن الآن لسنا في مسجد... نحن نناقش موضوعاً آخر"
- " أعلم يا بني... أنا أطلت عليك بهذا الكلام... الذي تعتبره غير مفيد"
- " كلا... ولكنك أطلت"
- " اطمئن... يا صالح حنان كما تريد... جميلة في ظاهرها جمال القمر... وجميلة في باطنها جمال الصَّدفة... التي تحوي اللؤلؤ"
8 ـ "الخطوبة"
الأب وصالح جالسان... والساعة تشير إلى الثامنة صباحاً... والقهوة تأتي محمولة بين يدي أم صالح... صالح ينظر إلى أمه نظرات مساءلة... تعني:
- " هل أخبرت والدي... بما عَزَمْتُ عليه من الزواج؟"
وقبل أن تجيب عيني الأم... قال الأب:
- " لقد أحسنت الاختيار يا صالح... بيت دين وأدب... أرجو من الله أن يكتب لكما السعادة"
- " ماذا تقصد يا أبي"
- " ماذا أقصد؟... لقد أخبرتني والدتك برغبتك في الزواج من بنت عبد الله"
شعر صالح بالخجل قليلاً... ثم قال:
- " الزواج نصف الدين"
- " ولكن يا ولدي... يجب أن تصبر قليلاً حتى تجمع مبلغا من المال... الزواج ليس بالأمر السهل"
- " كم يكفي يا أبي من المال؟"
- " الخطبة وحدها تكلفتها عشرة آلاف ريال... وأنا كما تعلم... لا أستطيع مساعدتك بمثل هذا المبلغ... خاصة في هذه الأيام... بعد أن بدأت في إعمار المزرعة... التي ليس وراءها إلا الفقر... وأنت للتو تخرجت... والدَّيْن!... الدين لا أحد اليوم يُديِّن أحداً... أولاد الحرام خرّبوا على أولاد الحلال... يأتي الرجل يستدين من الرجل ثم ينساه... فأصبح صاحب المال يقسم الأيمان المغلظة على نفسه... ألا يُدَيـِّن أحداً... حتى ولو كان والده... عليك أن تصبر يا ولدي حتى تجمع بعض النقود... من رواتبك... والله يُيسر"
أجابت الأم بما كان يعتلج في صدر صالح:
- " يا أبا صالح... الزواج لا مانع من تأخره... ولكن الخطبة ضرورية... خاصة وأن البنت يتقدم لها الخطاب كل وقت... وقد تُوافقُ على أحدهم... الله يعينك دبِّر عشرة آلاف لصالح"
- " من أين يا حسرة؟... ثم البنات ما أكثر منهن في هذه الأيام... إذا ذهبت واحدة... غيرها ألف"
أجاب صالح بعد انفعاله لهذا الكلام الأخير بقوله:
- " لا يا أبي... أنا سأتولى أمر المال... لدي عشرة آلاف"
-" لديك أنت... معقول؟"
- " لقد ادخرتها من سنوات الكلية... ترى ابنك يعجبك"
- " ممتاز جدا يا صالح... ما دام الأمر هكذا... فما رأيك؟... خير البر عاجله... نذهب لأبي البنت غدا"
- " غداً يا والدي "
- " نعم... سنخطب البنت... ونعطي والدها خمسة آلاف... مقدماً من المهر... وتنظر للبنت وتنظر هي لك... وتعرفها عن كثب وهي كذلك تعرفك... فإن اجتمعت القلوب... ورضيت هي بك وأنت رضيت بها... فنشتري هديَّة بالآلاف الخمسة الباقية... وتذهب بها إليهم الأسبوع المقبل"
- " ولماذا لا نذهب لهم اليوم"
- " البنت لن تطير... وأنا اليوم مشغول"
9- " سراب الخطوبة"
في اليوم التالي... بقي صالح أمام المرآة فترة أطول... ونزل للسوق لشراء ملابس جديدة... وبعد صلاة المغرب مباشرة... كان صالح بجوار والده... وكانت السيارة التي تقلّهما تنطلق.
لم تكن انطلاقتهما تلك بالانطلاقة العادية... ذلك من وجهة نظر صالح... لأنها هي الخُطوة الأولى في بناء حياته الجديدة... مع أمله الأول في الحياة.
وفي تلك الأثناء... لم يدُر ببال صالح أن يُصاب بخيبة أمل مع خطوته الأولى تلك... في طريق الاستقرار... ولكن... يبدو أن خيبة الأمل قابلته من أول الطريق... فبمجرد وصولهم لمنزل عبد الله... شاهدا سيَّارات كثيرة... واقفة أمام باب المنزل... يبدوا أن ثمة ضيوفاً لدى العم عبد الله... ومن المتعذر الحديث في أمور كهذه مع وجود ضوضاء الضيوف في المنزل... لذا قال الأب:
- " يا صالح... الأفضل أن نعود... ونأتي إليهم غداً"
- " يا أبي... وما المشكلة؟... نطلب من العم عبد الله النزول إلينا... ونُحَدِّثُه في الأمر... ولو خارج المنزل"
- " لا يا صالح... يجب ألَّا تؤخذ الأمور بكل هذه البساطة "
- " إذن نعود إليهم بعد العِشاء"
- " ولماذا العجلة يا ولدي... قد يتأخر الضيوف عندهم... إلى ما بعد الحادية عشرة... وفي كل تأخيرة خيرة"
- " لا يا أبي... أرجوك... نعود بعد العشاء... وإن وجدنا الضيوف على حالهم عُدنا للمنزل... وأتيناهم غداً"
فكر الأب قليلاً وقال:
- " لا مشكلة... مع أنني لا أرى مُبرراً لهذه العجلة"
أصيب صالح بخيبة أمل أكبر... عندما حضر هو ووالده للمرة الثانية بعد العشاء... لقد زاد عدد الضيوف بطريقة أكثر من ذي قبل... قال أبو صالح:
- " ألم أقل لك يا صالح... في كل تأخيرة خيرة"
- " كُنّا نريد فقط إكمال الموضوع"
- " أنا لا ألومُك يا ولدي... مررنا بمثل هذه المواقف... والحب أعمى"
أطرق صالح برأسه خجلاً... وانشغل بخجله ذاك... عن متابعة مِقْود السيارة... مما جعل السيارة تضطرب قليلاً.
- " يا ساتر"
انتبه صالح... وأعاد السيارة لوضعها الطبيعي... وضحك الأب ثم أنَّبَه قليلاً:
- " كنت "بِتْوَدِّينا" في ستين داهية"
- "المطب يا أبي... يوجد حفرة في الإسفلت"
- " الحفرة في قلبك... انتبه يا صالح"
10- "المجلس لا يتسع لفضولي"
في اليوم التالي... وبعد صلاة المغرب... كان صالح ووالده يتجهان بالخطوات ذاتها... التي ساراها الليلة الماضية... كانت دعوات صالح متصلة... بأن لا يكون هناك أيما ضيوف «ثُقلاء» عند العم عبد الله... وإلا أصبحت قصته الغرامية مأساةً تستحق التسجيل والنَّعي.
وعندما شارفا على منزل العم عبد الله... بدا وأن حظهما كان سعيداً... لقد كانت ساحة المنزل الذي يقصدانه خاليةً من أيما سيارات تشي بوجود ضيوف... حدث صالح نفسه:
- " هل أهل الدار موجودون؟... أم أنهم قد أصبحوا الليلة ضيوفاً... قاتل الله العزائم... ومن اخترعها"
ثم حدت والده قائلا:
- " يا أبي ليتنا اتصلنا بهم... وأخبرناهم بحضورنا الليلة"
- " لا داعي يا ولدي"
- " قد لا يكونون موجودين"
- " لا مشكلة... نعُود إليهم غداً"
- " ليست مشكلةً بالنسبة لك... أما بالنسبة لي"
- " لا عليك يا ولدي... إن شاء الله سنجدهم"
بدا وأن الحظ كان أسعد... عندما طُرق الباب... وأجابت حنان... وأخبرتهم أن والدها موجود... ثم فتحت الباب بالمفتاح الكهربائي.
كان العم عبد الله في استقبال الضَيْفَين... وكان مزيجٌ من السعادة والخوف تجوبان قلب صالح... جلس الجميع على أرائك منظَّمة في المجلس... وأخذوا أطراف الحديث من هنا وهناك... وقام العم عبد الله بعد دقائق لإحضار القهوة... وما تَيَسَّر من التمر... وفي أثناء غيابه ذاك... نظر صالح لوالده وكأنه يستحثِّه على فتح الموضوع... بكل سرعة:
- " يا بني... هذه الأمور تحتاج إلى تَرَيُّث... والبنت لن تطير"
دخل العم عبد الله أثناء ذلك وهو يبتسم... وقام صالح ليصب القهوة بدلاً عنه... ولكن العم عبد الله رفض بشدَّة... وأبى إلا أن يقوم هو بعملية الصب.
وعندما أكمل الجميع أقداح القهوة... كانت الفرصة مواتية تماماً لأبي صالح... كي يبدأ بعرض الهدف من هذه الزيارة... وتنفس صالح الصُّعداء... لإحساسه بقرب عرض الموضوع... وقبل أن يلفظ أبو صالح أول كلمة قُرع الجَرَس... استأذن ساعتها العم عبد الله لفتح الباب... وأصيب صالح بخيبة أمل جديدة... ونظر بِعَيْن لومٍ لوالده... وأيقن أن ضيوفاً ما سيحضرون... وسيُقفل الموضوع لأجلٍ غير مسمى.
بعد لحظات... سَمع صالح ووالده الترحيبات المبتهجة... تَخْرُجُ من حُنْجُرة العم عبد الله... وكانت تلك الترحيبات بمثابة السخرية من صالح... هكذا أحس... أحس أيضاً أنه يريد أن يصُبَّ آلاف الشتائم على ذلك الزائر الفضولي... مرت لحظات أخرى... ودخل شاب أكثر أناقة... حيَّا الجميع... وابتسم لهم ابتسامة صادقة... لم يستطع صالح أبدا هضم هذا الشاب... ولا هضم ابتسامته... وعندما أحس صالح أن ذاك الشاب على عجلة من أمره... ولا يُريد البقاء في ذاك المجلس فترة أطول... أحسَّ بقليل من الطُّمأنينة... مع أنه أصبح يخشى من حضور أيِّما فضولي آخر... قبل فَتْحِ موضوعِ الِخطْبة.
ابتسم الشاب للجميع وقال:
- " بعد إذنكم يا جماعة"
أجاب العم عبد الله:
- " خذ راحتك يا ولدي... البيت بيتك"
قال صالح:
- " في أمان الله... فرصة سعيدة"
قالها وكأنَّ جبلاً انزاح عن صدره.
الغريب في الأمر... أن ذاك الشاب لم ينتقل عبر الباب المفضي للخارج... وإنما انتقل عبر الباب المفضي للداخل... وبالتحديد... للقسم العائلي في المنزل... مما زاد الحيرة لدى صالح... يبدوا أنَّ هذا الشاب قريب لهم.
نظر صالح إلى والده... آمراً إيَّاهُ بالمسارعة في الحديث... قبل حلول أيِّما عارض قد يُعكر الصَّفْو... ولم يجد الأب بُدّاً من البدء في الموضوع... هرباً من عيني ولده... اللتين أصبحتا تتطايران شرراً:
- " يا أخ عبد الله... العلم سلامتك"
- " سلمت"
- " نحن جيران من قديم... وبيننا عيش وملح... كما يقال... وأولادنا تربوا مع بعض... وأنا وأنت كالأخوين تماماً... كالسمن والعسل"
- " لاشك"
- " لذا نحن نطلب يد بنتك حنان... لابني صالح"
أحسَّ صالح بما يشبه النشوة... وبقي في صمت ينتظر الحكم النهائي:
- " حتماً سيوافقون... وأيضاً حنان ستوافق... والزواج للبنت ستر... وماذا تريد الفتاة من إكمال الدراسة "
هذا ما حدَّث به صالح نفسه... وهو ينتظر الجواب ليخرج من فم العم عبد الله.
ولكن للأسف... لم يكن وَجْهُ عبد الله مستبشراً لسماعه خبر الخطبة... أحْرى بمثله أن يفرح لخطبة ابنته... ثم يترك القرار النهائي لها... فعلاً لقد قطَّب وجهه... ووضع كفَّه على جبينه... وسكت لحظة... ثم قال في رعشة:
- " والله يا أبا صالح... لا أدري ما أقول"
- " خيراً إن شاء الله"
قالها أبو صالح... أما صالح فقد أحس ببرودة شديدة تعم جميع بدنه... قال في نفسه:
- " هل هذا معناه الرَّفض... هل معناه لا... هل هي أماني كاذبة تلك التي منَّيتُ بها نفسي"
أردف العم عبد الله:
- " لن نجد والله خيراً منكم... لكن... الزواج كما يقال قسمة ونصيب"
- " ماذا تقصد؟"
- " سبحان الله العظيم!... هذا الشاب الذي دخل لتوه... قريب لنا... وليست القرابة قوية جداً... وهو محترم... ولا أفضِّله أبداً على صالح... لقد جاءنا قبل أمس هو ووالده... وخطبا حنان... ووافقتُ أنا... لأني أريد عفاف ابنتي... ولم أكن ساعتها أتوقع مُوافقَة حنان... لأنها تريد إكمال الدراسة... كما كانت تقول دائما... وكنت أؤيدها على ذلك... وفعلاً عندما سألتها عن رأيها بعد ذهاب الخاطب ووالده... رفضت بشدة"
أثناء ذلك... نظر العم عبد الله يمنه ويسرة... ثم تكلم بصوت منخفض قائلاً:
- " ولكن والدتها أقنعتها... أو بمعنى أصح أجبرتها على الموافقة... بطريقة ما... ووافقت في النهاية... طاعة لوالدتها... لأنها فتاة طيبة... ولا تعصِ لأمها طلباً... أبداً... لقد كانت والدتها حريصة على هذا الزواج... لأن الخاطب قريب لها... هو ابن أختها... وحقيقةً... هذا الشاب متدين وذو خُلق... وهو يعمل في مكافحة المخدرات... برتبة... وكيل رقيب... المهم... عندما علم الخاطب ووالده بالموافقة... طلبوا أن يكون العقد ليلة البارحة... وفعلاً عقد عليها ليلة البارحة... وأظنه قد جاء الليلة... للسلام على زوجته... وربما لإعطائها بعض الهدايا... أتوقع ذلك... نصيب... الزَّواج قسمة ونصيب... سبحان الله"
أبو حنان يثرثر بهذا الكلام... ليخفي حرجه الذي برز على كل ملامحه... أما صالح... فقد كان متماسكاً قدر المستطاع في الظاهر... مع أنه قد قارب الانهيار التَّام مع نفسه في الداخل... «السرابُ» هو ما كان يَتْبَعه... منذ فكر في الزواج بِصَديقة الطفولة... قاطع أفكار صالح تلك... قول العم عبد الله... بدافع التخفيف من حِدَّة التوتر الذي أصاب المجلس جراء ذلك الخَبَر التعيس:
- " تصدقون... البارحة حنان تبكي... فتاة تبكي في ليلة خطبتها!... وعندما سألتها... قالت:
- " أريد إكمال الدراسة"
قلت لها:
-" وهل هناك عاقل يبكي على الدراسة؟... سترتاحين يا ابنتي من المدرسة... ومشاكلها... هـ... هـ..."
11- " عينان تقدحان بالشرر"
أظلمت الدنيا في عين صالح... عند سماعة لهذا الخبر... الذي لم يكن أبداً بحسبانه... بدأ كل شيء أمامه يدور... ثم انقدحت في ذهنه خاطرة غريبة... أعاد ذاكرته للخلف قليلا... تذكر ذلك الرد الذي ردت به حنان عليه عبر السماعة... قبل أيام... عندما جاء لزيارة والدها... وتذكر حديث أمه عنها... وابتساماتها عندما كان اسمه يُذكر في المجلس... قال في نفسه:
- " إنها لا تزال تحبني... نعم... وهي لا تريد الزواج من هذا الشاب الوقح... إنها تتعذر بالدراسة... يجب أن يطلقها... يجب أن يطلقها "
ثم قال بصوت حازم... وعيناه تتقدان بالشرر:
- " هيا يا أبي"
كان الأب أشبه حالاً بابنه... في إصابَتِهِ بخيبة الأمل... لذا قال:
- " مع السلامة يا أخ عبد الله... حسبنا الله ونعم الوكيل"
- " ارتاحوا عندنا... أرجوكم... كل شيء نصيب...لا داعي للغضب"
- " نستأذنكم"
- " المعذرة... اعذروني... اعذرني يا بني يا صالح... صدقني... إنك تماماً مثل ابني... يرزقك الله خيراً منها... إن شاء الله... أنا سأبْحث لك عن بنت الحلال"
- " شكراً يا عم عبد الله... هيا يا والدي"
هكذا فاجأت الحقيقة جميع أماني صالح... بعائق غير قابل للزوال... وهكذا أُقفل باب المستقبل الواعد... الذي منَّى به نفسه من قبل... من يدري؟... قد يكون خسر كثيراً... أو قد يكون كسب كثيراً... أو ربما تُكسِّر الأحداث القادمة... جميع العوائق التي وضعت من قبل... ويكون لصالح حينها موعد جديد... مع حنان... وربما... مع حنان جديدة.
الفصل السادس
1- "ناصر... الموت"
كانت الساعة قد شارفت الثامنة والنصف ليلاً... عندما استقل ناصر سيارته متجهاً لمكان ما... وكان وقت صلاة العشاء قد دخل بالفعل... لذا طرقت أذنا ناصر أصوات مكبرات الصوت... عندما ارتفعت بأصوات الأئمة وهم يكبرون للصلاة...
-" الله أكبر"
نظر ناصر إلى إحدى المنارات... كان صوت الإمام من القوة بحَيْث ينفذ عبر مسامع ناصر... وكان قلب ناصر من الصّلابة والقسوة بحيث لا تُؤثر فيه تلك الآيات... سمع ناصر قوله تعالى:
- "ادفع بالتي هي أحسن... فإذا الذي بينك وبينه عداوة... كأنَّه وليٌّ حميم"
رمش ناصر بعينيه... ثم أمسك بشاربه... إنه لا يدري لماذا تذكر الموت؟... هز رأسه بغضب... ثم حدث نفسه:
- " ناصر شجاع... لاشيء يُخيفه"
عادت صورة الموت لذهنه...أحس أن شيئا من الخوف يتسور قلبه... أغمض عينيه... وعاودته أفكاره... وحدث نفسه:
- " الموت... كل عاقل يخيفه الموت... أوه... الموت يُشْعر الإنسان أن هناك حياة أخرى... حتماً سيكون هناك حياة أخرى... وإلا... لماذا ينتقل الناس من هذه الحياة... بكل هذه البساطة... تماماً كما يدخلون إليها بكل تلك البساطة؟... لكن... كلا... كلا... الموت شيء سهل... إنه مريح للإنسان"
هذه الخاطرة ليست جديدة على ذهن ناصر... ذكرى الموت تتعاظم لديه في بعض الأحايين... حتى يكاد يُجنُّ... صحيح إنه لا يعرف التراجع أو التذبذب... وصحيح أن ثقته في نفسه تجعله لا يأبه بأيّما عائق يقف في طريقه... وأن كل شيء يصبح حقيرا أمام نظرته الصلبة... لكن شيئا ما لم يستطع ناصر الاستهانة به... أو احتقاره... إنه الموت... لذا فهو يتجاهله... ويتناساه... وكلما بدا له في أيِّما موقف... فهو يتشاغل بأقرب شاغل.
ناصر لا يدري لماذا ذكَّرهُ صوت الإمام بالموت... مع أن الآيات التي تُليت لم يُذكر فيها أي خبرٍ عن الموت... والآن سيتجاهل ناصر الموت... مدّ ناصر يده لمفتاح المسجل... ورفع صوت المطرب لأعلى درجة... وبدأ يتمايل... وبعدها تمَلَّكَهُ الطّربُ وتناسى الأمر... وانطلقت السيارة بكل سرعة.
2- "حادث رهيب"
الإضاءة بداخل سيارة ناصر تزيد مرة وتنقص أخرى... بسبب أنوار المصابيح المعلقة في الشارع... وانطلاق السيارة من تحتها.
أثناء ذلك... عَرَضَ موقف هام جداً... فالسيارات في الطريق الذي يستقله ناصر توقفت أمامه فجأة... لذا اضطر للوقوف... من الواضح أن هناك حادثاً مرورياً... ومن المعلوم أن فضول الناس لا يسمح لهم تفويت مثل هذه الفرص... لبحث أبعاد الحادث... نزل ناصر مع أولئك الفضوليين ليرى ما يرون.
ارتجفت نفس ناصر بشدة... عندما رأى ناراً تضطرم... لقد بدا للناظر أن النار تضطرم في سيارة "وَنيت"... كثير ممن حظر للتّمتع بالمشاهدة فرَّ هارباً وذعره يتعاظم... وقليل منهم تقدموا لتقصِّي الخبر... كان من ضمن المتقدمين ناصر... وعند وصولهم للسيارة... كانت النار تضطرم بشكل مرعب... يبدو أن السيارة المشتعلة صُدمت على الجانب الذي يوجد فيه خزان البنزين... ويبدو أن قوة الصَّدمة جعلت ذلك الخزان الممتلئ يشتعل... الأمر المفزع أن بداخل السيارة المشتعلة بشراً يحْتَرقون.
تقدم ناصر أكثر وأكثر... كاد قلبه القاسي يذوب... إنه الموت... وتلك بالداخل... إنها أمٌّ تحمل على صدرها طفلاً صغيراً... لم يجاوز سنواته الخمس... وبجوارها زوجها متصلب أمام المقود... يبدو أنه ميت... أمَّا هي فلا زالت حيّة... إنها تصرخ بقوة وترفع ولدها تارة وتخفضه أخرى... يبدو أن الصدمة جعلت الأبواب تُقْفل تماماً... ولا يمكن أبداً فتحها.
سقف السيارة محطم للأسفل... ولا يمكنهم الخروج... ولا أحد من المارّة يستطيع فعل شيء... حاولت الأم الخروج من خلال مكان الزجاج الأمامي المحطم... ولكن وزنها لم يساعدها على الخروج... والنار لا تُشفق على أحد... مر الوقت كئيبا... بدأت المرأة تتجه نحو المتفرجين... وتصرخ فيهم بذعر... ولكن الجميع أغمضوا أعينهم... وبدأوا يتراجعون للخلف.
وفي موقفٍ بطولي من أحد الحاضرين ... تقدم شاب صلب العزيمة... دعته المرأة... وصرخت:
- " أرجوك... تناول الطفل"
اقترب الشاب من النار أكثر وأكثر... كادت النار تحول بينه وبين الطفل... ولكن الأم أخرجت الطفل من خلال تلك الفتحة الضيقة... في الزجاج الأمامي... مد الشاب ذراعيه... وحَمَل الطفل... وتراجع للوراء... ووضع الطفل... ثم تقدم ثانية نحو النار... وعندما مدّ يده للمرأة... يريد مساعدتها... ازدادت النار اضطراماً... وحالت بين الرجل المنقذ... وبين المرأة... وسُمع الصراخ... وهرب الرجل بعيداً... وانقطع صراخ المرأة... وأصْبَحت النار سيدة الموقف... وأحاطت بالسيارة من جميع الجهات... لتحيل كل شيء إلى رماد.
بكى كثيرٌ من الحضور... وسُمع صوت سيارات الإطفاء قادمة من بعيد... عاد الشاب... صاحب الموقف البطولي... متجها نحو سيارته... التي لم تكن سوى سيارة ناصر... وأدار مفتاح التشغيل... واعتلى صوت المطرب... الذي كان يُغني في المسجل آنفا... وارتفعت الألحان مجدداً... ليقوم ناصر فَزِعاً بإخمادها... وإطْفاء المسجل.
وفي تلك الأثناء... بدرت بادرة غريبة... لقد تمالك الذعر قلب ناصر... وقال وهو ينطلق بسيارته:
- " لا إله إلا الله... الله المستعان"
هل هذه يا ترى بِعثةٌ غير متوقعة؟... لقلبٍ دُفن في مقبرة الظلال... منذ سنين؟.
كان ناصر متجهاً بسيارته بكل هدوء... كل شيء يلفت نظره إلى حقيقة واحدة... حقيقة رهيبة... الحقيقة الأكثر زجراً... في عالم الموجودات... إنها حقيقة الموت... ناصر لا يريد تذكر الموت... إنه عند تذكره يشعر بتقزمه وتلاشيه... ويشعر أنه حقير غاية الحقارة... ويشعر أيضاً أنه يسير بنفسه إلى هاوية سحيقة.
مر وقت صامت... وبدون شعور... أو بشعورٍ غير ظاهر... أوْقَفَ ناصر سيارته... بجوار أحد المساجد... ودلف مع الباب... لم يكن في باله أي قرارٍ عمَّا سيفعله... ولكنه حتماً يريد البحث عن حقيقة ما... حقيقة كبيرة... لم يجدها في هذه الحياة... بجميع معطياتها... وقد يَجدها في المسجد... لا يدري كيف أوقف سيارته؟... أو كيف نزل؟... ولكنه فعلاً قام بهذا العمل.
دخل ناصر برجله اليسرى... أحس برهْبة ورغْبة... تتقاذفان قلبه... هناك سكينه مذهلة... يراها عند المحراب... أدرك أن تجمُّع الناس في المساجد خمس مرات كل يوم... أمر مستساغ جداً... ماداموا يُحسِّون بما يحس به الآن... نور عظيم... وطمأنينة تعم أرجاء المسجد... وأرض طاهرة.
لثوانٍ معدودات... نسي ناصر تأريخه بالكامل... أحس أن قلبه يُفتح من جديد... كورقة جديدة... لم يكتب عليها قط... أيَّما كلمة.
هناك رجل في إحدى زوايا المسجد... يبدوا أنه متأخر عن الجماعة... إنه يقيم الصلاة ويكبر... لم يجد ناصر من نفسه أي ممانعة من التقدم خطوات... والدخول مع ذاك المصلي في صلاته... الآيات التي قرأها إمامه هذا قصيرة لكنها مؤثرة جداً:
- " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون... على الأرائك ينظرون... هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون".
تتابعت الركعات الأربع... وناصر أشبه بصوفيَّ نائم... وعندما انتهت الصلاة... خرج من المسجد... وانطلق بسيارته من جديد.
مرت دقائق... بعدها وقفت سيارة ناصر لدى إحدى العمارات... ذات الشقق الصغيرة... أو كما يسمونها... شقق عزاب.
3 - "شلة الليل"
"أبو قبس" هو كنية محمد سعد... "أبو شرارة" كنية جبران... "جمرة" كنية وائل.
الشقة الصغيرة تجمع "شلة الليل"... كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم... وشلة الليل هم أبو قبس وأبو شرارة وجمرة... إنهم من أخطر شلل الحي وأكثرها إجراما... ومع ذلك... فلهم مهارتهم الخاصة في التخلص من أي متابعات للشرطة... الجدير بالذكر أن جمرة لا يشاركهم في كثير من عملياتهم... وكثيرا ما يلزم الحياد... ذلك أنه ليس من مستواهم... ودائما يقول:
- " أنا شابٌ ثري... متحضر... لا يجمعني بكم إلا مصلحة الكيف... المخدرات"
والواقع أن لجمرة... الكثير من الأعمال المشبوهة مع الفتيات.
ناصر ينتمي لهذه الشلة... ولكنه يشاركهم في عملياتهم من "بعيد لبعيد"... والسبب في ذلك... هو احتقاره لأعمالهم... وزعمه أنه ينظر للأفق البعيد... لا بجوار قدميه.
يستطيع ناصر إدارة هذه الشلة... في الأمور التي يحتاجها منهم... الكل من أفراد الشلة ينظر لناصر نظرة إعجاب... خاصة عندما يبدأ بسرد القصص الخرافية التي يختلقها... ليـبرز شجاعته ومكره... عدا جمرة فهو غالباً يفتح فمه في "دلاخة" ولا يأبه له.
أدير المفتاح في الباب... ودخل ناصر... دخول ناصر هذه المرّة للشقة يختلف تماماً عن دخوله في أيّما وقت سبق... آثار القلق والكدر تبدو واضحة على محياه... وسماته باهتة حزينة... وعندما جلس قبالة أصحابه على أحد "المتاكئ" الموضوعة على سجادة قديمة... كان واضعاً مرفقيه على ركبتيه وكفيه تحت ذقنه.
قال أبو شرارة:
- " أخيراً انْصَدْت يا صياد"
نظر إليه ناصر باحتقار وقال:
- " انكتم لا أقوم... أدوسك"
- " أعوذ بالله منك... لماذا أنت غضبان... اعذرني لم أقصد"
- " يبدو أننا نسير في الطريق الخطأ... ويبدو أن حساباتنا لم تُحسب بطريقة صحيحة... وقد نندم ذات يوم على كل ما نفعله"
- قال أبو قبس:
- " ماذا تقصد يا ناصر... يبدو أنك تمزح"
- " قد يكون الإنسان يسير في طريق خاطئ... وهو لا يدري"
قال جمرة من هناك:
- " أرجوك لا تعكر المزاج علينا... ثم أنت آخر من يتكلم عن الصواب والخطأ"
- " لقد صليت قبل قليل في المسجد... نعم صليت... صدقوني... أحسست أني أدخل حياة رحبة واسعة... كلها أمان وطمأنينة"
قال أبو شرارة:
- " صلاة!... مستحيل!... إبليس يصلي وأنت لا تصلي"
لم يلق ناصر له بالاً... وقال وهو ينظر إلى السقف في تجاهل كامل لمن حوله:
- " وما يدريكم؟... قد أترككم وأُسْلِمُ من جديد... وأترك كل الشرور وكل الجرائم... أصلي... وأدعو الله... وأكون مهذباً... قد!... وقد أبقى معكم... وأكون فاجراً مثلكم... بل قد أكون أشد وألعن"
قال أبو شرارة:
- " اطمئن لن تكون مؤمناً... النار تشتعل بين عينيك... وحتماً أنت من أهلها"
- " النار... إيه... المرأة المسكينة من أهل النار... لقد احترقت فيها... وأنا أنظر... كانت تصرخ... ولا أحد يحاول إنقاذها"
قال جمرة مستغرباً... يخاطب أبو قبس:
- " يبدو أنه تناول جرعة أكبر من المخدر"
- " بل قد يكون صادقاً في كل ما يقول... قد يتوب... وعندها يُبلغ الشرطة عنا... ونذهب في ستين داهية"
قام أبو شرارة متجهاً نحوه... وربَّت على ظهره وقال:
- " قم ونم ساعة... وستكون بعدها بخير... وستشفى من كل هذا الهذيان"
لكن أبا قبس أشار بعينه لأبي شرارة... ثم ذهب جهة المطبخ... وأحضر كوباً من الليمون وناوله لناصر... تردد ناصر في شربه في البداية... لكنه بعد إلحاح قليل... تناوله... وقذف بكل العصير داخل جوفه... وبعد دقائق... سقط على السرير أشبه بالميت... ضحك أبو شرارة وقال:
- " فعلاً... خبيث أنت يا أبا قبس"
- " تلميذك... كلها حبة مسحوقة... عملت فيه كل هذا... وغداً سترى... ستذهب كل الملائكة التي توهمه بالتوبة... وستحضر كل شياطين الدنيا... لتحل في رأسه من جديد... هـ ... هـ ... هـ"
- " ماذا وضعت في الكوب بالضبط؟"
- " سر المهنة... مسحوق سري... حبة منوم وحبة مخدر... مسحوق يُطيح الجمل"
- " والله خلطة... رائعة"
- " نعم... ويمكن استخدامها لأي أحد... تريدون"
- " فعلاً ... شيطان رجيم"
قال جمرة من هناك:
- " ما رأيكم يا جماعة... أن نسير على خطوات الشيطان... الشيطان يلهمنا أشياء عظيمة؟!..."
قال أبو قبس:
- " إذا أردت أن تسير على خطواته... فسر وحدك... أما أنا... فسوف أمضي على الطريق الذي تمليه عليّ نفسي... ونفسي فقط... ماذا عنك... أنت يا أبا شرارة؟"
- " أنا سأسير على الطريق المستقيم... وسأعبد الله وحده لا شريك له... هـ... هـ... هـ..."
قام أبو شرارة متجهاً إلى الغرفة الخاصة به... وفيها بالطبع جميع أغراضه ولوازمه الهامة... جميع حاجياته موضوعة هناك في دولاب خاص... وبعد أن تفقد الدولاب جيداً... عاد غاضباً إلى "أبو قبس"... قال مستفهماً:
- " من أين أخذت حبة المخدر... التي ناولتها لناصر؟"
- " لماذا هذا السؤال؟"
- " جاوب... من أين سرقت الحبة"
قال أبو قيس في عدم اكتراث:
- " أخذتها من حبوبي الخاصة"
تقدم ساعتها أبو شرارة لأبي قبس... وأمسك بتلابيبه... وقال:
- " أحسن شيء تقدمه لنفسك... أن ترجِّع الحبة التي سرقتها من درجي"
- " اسحب يدك ترى أكسرها"
- " بدون تطويل كلام... ترى اليد السارقة تنقطع"
وفي شيء من الانكسار... اخرج أبو قبس خمسين ريالاً وقال:
- " هذه قيمة الحبة... بلاش وجع راس"
لكن أبا شرارة هزه من تلابيبه مرة أخرى وقال:
- " أريد الحبة هذه الليلة... يجب أن آخذ جُرعتي... لا أملك غير الحبة التي سرقتها... وإن لم تحضرها الآن ستكون نهايتك"
- " تريدها... سأحضرها لك من بَطن ناصر"
- " من بطن ناصر؟... من... ناصر... من أيِّ مكان... المهم أن تحضرها"
- " غداً سأحضر لك بدل الحبّة حبتين"
- " أقول لك يجب أن أتناولها الآن... أتفهم؟"
- " الأمر لله... عليك اللعنة... ما أخبثك... وأبخلك؟"
أدخل أبو قبس يده في جيبه... وأخرج حبة... وناولها لـ" أبو شرارة"... تفحصها أبو شرارة وقال ضاحكاً :
- " هذه نفس الحبة التي وضعتها في الدرج... ألم تُعطها لناصر"
- " كلا... أعطيته حبة من عندي"
- " ولكنك منذ ثلاثة أيام تقسم أنك لا تملك أيّ حبة"
- " نعم... صحيح"
- " كيف حصل هذا؟"
- " صراحة... أنا لم أضع له في الكوب حبة مخدر... وإنما حبة منوم فقط... كنت أريد أن أكسب الحبة... ولكنك أخبث من ثعلب"
- " وأنت أخبث من كلب"
- " لِمِّ لسانك... ترى أقصّه"
- " وأنت في المرة الثانية... لِمَّ يَدَكْ... ولا تمدها لأمْلاك غيرك"
- " أوه... إلى متى ستستمر الأزمة في وصول الحبوب... بهذه الطريقة... تصدقون أنا أحس أن ناصر ذكي... لو تاب... وامتنع عن تناول الحبوب... ذكي جداً"
- " أنت مسكين يا أبا قبس... معلوماتك قديمة... ناصر بعد شرائه للسيارة أصبح من أكبر المهربين... والمتعاطين أيضاً"
4- "الله أكبر"
مرَّت ساعات الليل بسرعة... الجميع نائمون... وعندما أذن المؤذن لصلاة الفجر... كان ناصر جالساً في فراشه... وأحاسيس كثيرة تجول في خاطره... انْتَهت تلك الأحاسيس بقيامه من الفراش... وذهابه للوضوء... ثم خروجه للصلاة في المسجد... كان كل شيء في المسجد جديداً على ناصر... حتى الصلاة نفسها... أحسَّ أنها جديدة... القرار جديد... وكل شيء جديد... كان يحدث نفسه وهو ينظر إلى صفوف المصلين التائبة المنيبة:
- "حكم المنية في البرية جـار ما هذه الدنيا بدار قـرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا حتى يرى خبرا من الأخبار
لماذا يصلي هؤلاء؟... لماذا يتركون فرشهم الوثيرة ؟... لماذا يؤدون الصلاة كل يوم... خمس مرات؟... ألا تُحدِّثهم أنفسهم باللهو والعبث؟... ألا تُحدثهم بمعاندة كل الوجود؟... هل هم السائرون على الصواب أم أنا... والشِّلة؟"
لاشك أن أموراً كثيرة تحتاج لإعادة النظر... ومن يدري؟... قد يصبح ناصر ملاكاً طاهراً... وعندها تجني الأم المسكينة... ثمرةً زَرَعَتْها... وحين زرعتها كانت البذرة بذرة تفاح... ولكنها مع السنوات... أثمرت أول طلعها حنظلة... وقد تعود لحقيقتها في الثَّمَرة الثانية وتُنتج التفاح.
مرّ اليوم الأول... ناصر جالس في الشَّقة... أو في المسجد... لا يرغب في محادثة أحد... حتى الغداء امتنع من تناوله... ولذا سأله أبو شرارة.
- " يبدو أنك صائم... من المقبولين... ولكن فعلاً أمر محيِّر... رجل لم يصم في رمضان... كيف يصوم في ربيع؟!"
لم يشأ ناصر الرَّد عليه... كان باهتاً جداً... صورة المرأة وهي تصرخ تتمثل أمامه... لم يَتَعودْ طيلة حياته أن يرحم أحداً... حتى أمه... ولكن لا يدري لماذا الآن أحس بالرحمة؟.
والولد الصغير الذي كتب له الحياة على يدي ناصر... لا يعرف ناصر أين هو الآن... يبدو أن الإسعاف نقله للمستشفى... وبالطبع لدور الأيتام... أوه... كم يكون ناصر ذا فضل عليه... هل يا ترى سيُقدِّر الطفل ذلك المجهود... الذي بذله له ناصر... وسيقدم له الشكر عليه ذات يوم... إن قُدَّر له أن يعيش ويكبر.
لم يشأ ناصر الذهاب لأمه وأخته... كان يريد اتخاذ القرار النهائي في حياته المقبلة... هل سيقلب الورقة السابقة إلى ورقة بيضاء ناصعة... يكتب فيها كل تصرفاته بماءٍ طاهر... أم سيبقى يكتب في ورقة حياته الأولى... وبنفس المياه القذرة... وسينقش الأحداث المقبلة... بنفس خنجره المسمومة؟.
5- "صراع"
في ظهيرة اليوم التالي... أقبل رجل متلطِّم بغترته... وقابل ناصراً عند باب الشقة... كان ناصر ساعتها قادماً من صلاة الظهر... صُدم الرجل أيُّما صدمة... عندما رأى ناصراً وهو يخرج من المسجد... حدَّث نفسه:
-" ناصر لا يمكن أن يصلي... بالتأكيد... دخوله للمسجد إنما هو لاستعمال دورات المياه في المسجد... أو لهدف دنيء... الله أعلم به... أما الصلاة فلا وألف لا"
وبعد أن تبادل الاثنان التحية... قال الرجل مستفسراً:
- " لم تكن تصلي... أليس كذلك؟"
- " بل كنت أصلي... "ونصف"... ما الغريب؟"
- "لا أبداً... ولكن... لم أتوقع أنك تقتل القتيل وتسير في جنازته"
- " لا تتعدَّ حدود الأدب... أرجوك"
- " آسف... لم أقصد... في الحقيقة... أنا أعرف كثيراً من المروِّجين والمهربين يصلون... الأمر طبيعي جداً... الدنيا لها عملها وللآخرة عملها... وهذه فكرة حسنة... اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل..."
قاطعه ناصر:
- " بَلاش هَذْرَمَة.... هات المختصر... ووفر فلسفتك لنفسك"
- " المختصر؟... إذن تريد المختصر... على كلٍ... كمية الحبوب التي سُلِّمتْ لك قبل ثلاثة أيام... لم تصل للموزع الجديد... وأنا جئت أطمئن عليها... لماذا لم تسلمها حتى الآن؟"
- " أوه... "
تذكر ناصر الآن... تذكر ماضيه الأسود... الذي لازال يطارده بكل قوة... الكمية جميعها مخبأة في سيارته... في تلك الزاوية الملحّمة... تحت الشنطة الخلفية... لقد دَفع لشرائها عشرة آلاف ريال... بالدين... ومن المقرر أن يَدْفع له الموزع الجديد اثنا عشر ألف ريال... وعندها يُسلم للبائع الأول عشرة آلاف وألفا ريال هي المكسب الخاص به ... قال له الرجل:
- " يجب أن تُسرع في تسليم الكميّة... الموزع أمامه زبائن كثُر... يسألونه كل حين عن وصول طلباتهم... وأنت سيد العارفين... إنه ملتزم... ملتزم معهم بمواعيد... والجدية في الالتزام شيء مهم... خاصة في هذه المواضيع... أنا جئت هنا لأذكرك فقط... إياك أن تتأخر أكثر"
لم يجبه ناصر إلا بكلمة:
- " حسناً"
بدأت صور الماضي تتتابع في ذهن ناصر... حنان ارتسمت بسرعة... ثم أمه وأخته... والحبوب... والمخدرات... لم يستطع عقله تحمل أكثر من هذا... هز رأسه بقوة... وانطلق جهة الشقة... لكن صورة المرأة المحروقة ظهرت فجأة... لتغطي كل شيء أمامه... وصل للباب... اشتم الهواء بملء رئتيه... ثم أدار المفتاح ليدخل.
مر الوقت سريعا... وعندما خرج ناصر لصلاة العصر... قابله رجل آخر... ملطم بغترته... إنه الرجل الذي باعه كمية الحبوب... نظر إليه بخبث وقال:
- " تأخرت في التسديد يا شاطر"
- " ابتسم ناصر وقال... في كل تأخيرة خيرة"
- " بل في كل تأخيرة شر كبير... الزبائن يَتَضَوَّرون هناك... ويبْحثُون عن حبة "الشبح" كما يبحث الإفريقي الجائع عن حبة القمح... وأنت هنا تقول... في كل تأخيرة خيرة... ماذا لو تشنَّج أحدهم بسبب عدم تناوله الجرعة... ماذا لو كُشف الأمر ثم بُلغ عنا... خليك صاحي يا مهرب... المهرب يجب أن يحترم مهنته... ويحترم مواعيده"
- " أنا الآن تعبان... لا أستطيع إكمال العملية"
- " تعبان... قل لنا بوضوح من الأول... ولكن... الأمر بسيط... عندي خبر بكل شيء... عيوننا في كل مكان... أنا أعرف أن نشاطك هذه الأيام قل... لذلك سأقدم لك عرضاً"
- " تفضل..."
- " خذ لك خمس مئة ريال... مقابل توصيلك للحمولة هنا... وأنا سآخذ الكمية منك... وسأسلِّمها للموزع الجديد... وعندما يرتاح بالك أكثر... يمكنك الاتصال بي لتنسيق حملة جديدة... مع أني كنت أتمنى لك مكسباً أكبر... فلو أنك أوصلت الكمية للموزع... لكان مكسبك ألفا ريال... بدلا من خمسمئة ريال"
هز ناصر رأسه... ثم سار الرجلان... كل نحو سيارته... ركب ناصر سيارته... وركب الرجل سيارته... وسارا مسافة أطول... وفي مكان خالٍ... نزلا... فتح ناصر شنطة سيارته الخلفية... وبدأ يعالج أشياء هناك... لم يطل الوقت... لقد أخرج كرتوناً ملفوفاً بعناية... وسار نحو صاحبه.
تسلم الرجل كمية المخدر... وتسلم ناصر خمسمئة ريال... ثم عادا كل نحو سيارته... وعندما عزم الرجل الملطم على الركوب... عاد متجهاً نحو ناصر... وأدخل يده في جيبه... وابتسم وقال:
- " هذه هدية بسيطة"
كانت الهدية عبارة عن حبتين من المخدر ذاته... الذي قام ناصر بنقله في سيارته مسبقاً... لم يشأ ناصر رفض ذلك العرض... إنه يخاف أن يتهمه الرجل بتغيير مواقفه... واتجاهه نحو الدين.
وفي مجتمع المهربين... يُصوَّر الدين بأبشع صورة... ويصبح جريمة في حد ذاته... جريمة تستحق اللوم والعتاب... وقد تصل للمقاطعة... وربما الإعدام.
واصَلَ ناصر طريقه للمسجد والحبتان في جيبه... مر الوقت سريعا... وبعد أداء الصلاة... عاد للشقة ثانية... ولكن شيئا غريبا حدث... فناصر لم يجد لذَّة الخشوع في الصلاة... كما كان يجدها سابقا.
6- "الهاوية"
في المساء... وبالضبط مع غروب الشمس... أحسَّ ناصر بقشعريرة في بدنه... حاول أن يتمالك نفسه أكثر... قام من مكانه... إنه عازم على الذّهاب للمسجد... ولكنه يسير بتثاقل... استطاع أن يصل بالكره... وفعلاً صلى المغرب في المسجد... لقد صلى صلاة هي أسوأ حالاً بكثير مما قبلها.
بقي في المسجد بعد الصلاة قليلا... الدنيا كلها تدور بين عينيه... الرَّعْشة تزداد تمالكاً لأطرافه... يبدو أن جسمه الآن أصبح بحاجة ماسّة للمخدر... كيف تكون التوبة... لإنسان مدمن؟... إن الشعرة الدقيقة التي تربطه بحياة الإدمان... تتحول إلى سلسلة متينة... الآلام تتمالكه... أحس ناصر فجأة أنه يريد أن يبكي... لكنه لم يستطع... إنه يشعر بحاجته للمخدر... أشبه بحاجته للهواء.
بدأ ناصر يدخل في معركة حاسمة... معركة مع نفسه ووجدانه... نظر لزوايا المسجد التي بدأ يألفها... أحس أنه يودّعها بكل حزن... ثم قام... وخرج من المسجد.
مر الوقت سريعا... وقبل أذان العشاء بقليل... ذهب إلى الشقة... وهناك... لقِيَ الثلاثي المدمن... "أبو شرارة" و "أبو قبس" وجمرة.
كانوا يتضاحكون ويترنمون بأحلى الأغاني لديهم... جلس على فراشه... وبقي جالساً لا يُحدِّث أحداً... قام إليه أبو قبس وربَّت على كتفه وقال:
- " لماذا أنت قلق... اضحك للدنيا تضحك لك"
- " افعل الخير ودعني في انفراد... لا أريد الخروج من سعادتي... ومن طمأنينتي"
- " ابق كما أنت... سعيداً... ومن قال لك اخرج... ابق سعيداً للأبد... الواقع أننا كلنا سعداء... أنت الذي خرجت من السعادة"
- " أنتم؟... أنتم تائهون... أنتم أشقياء... وأنا الآن أعود للشقاء من جديد... عشت يومين وأنا في أتم هناء... ولكن شيئاً يسحبني بقوة لشقائي"
بدأ ناصر ساعتها يرتجف بقوة... لذا قال أبو قبس:
- " أنت في حاجة إلى حبة واحدة... ستعود لوضعك الطبيعي"
- " وضعي الطبيعي!... أنا أعرف وضعي الطبيعي... الإنسان الطبيعي هو الذي يطمئن قلبه بذكر الله... لا بالمخدرات... نحن شاذون... يجب أن نُصلح أنفسنا... أو نموت"
- " نموت!... أعوذ بالله... كل شيء يمكن أن أفكر فيه إلا الموت"
- " اطمئن... ستموت غصباً عنك"
قال أبو شرارة:
- " يا ناصر... يبدو أنك ستتحول إلى إنسان معقد... تُحرّم كل شيء... هـ... هـ... وعندها ستكون إرهابيا... هـ... هـ... هـ... الله يكفينا شر الإرهاب"
قال جمرة:
-" نعم يجب ألا تكون إرهابيا... وإنما... عليك أن تكون مواطناً صالحاً مثلنا... هـ... هـ..."
أجاب ناصر:
- "اسمع... أنت وإياه... أنا لا أحب أن أكون معقدا... ولا أحب أن أحلل وأحرم... ولا أحب أن أقلد أحدا... ولا أفكر يوماً من الأيام أن أكون كذلك... شخص واحد... فقط... أود أن أكون مثله"
قال أبو شرارة:
- " أنا... قد أكون أنا ذلك الرجل... أليس كذلك؟"
- " خسئت... أنت لا تستحق أن تكون مثلي... فكيف أطمح في أن أكون مثلك"
- " إذن مثل من تريد أن تكون... يا فيلسوف زمانك؟"
- " محمد... رسول الله... نبي الرحمة"
عمَّت الرهبة الجميع... عند ذكر هذا الاسم... ثم قال أبو شرارة:
- " صدقني... المتدينون يوجد فيهم خير كثير"
هنا... بدأ الرُّعاش يستولي على جسد ناصر... وبدأ الصداع الأليم يدك رأسه... طلب ساعتها من الجميع... ومن جمرة خاصة المغادرة... وبقي وَحده على فراشه... يصارع ألف شبح... كل شبح منهم يبدو له بوجه أقبح من سابقه... ومع ازدياد حدَّة الصداع... بدأت نفسه تضعف... وبدأت أفكارٌ غريبة... تتقاذفه من هنا وهناك... وتراوده بتناول حبة واحدة... واحدة فقط... إنها كفيلة... بمحو كل هذه الآلام.
- " أوه... لا يوجد أحد يساعدني في محنتي هذه... أو يبتسم لي بصدق... هل الحل يا ترى... في أن أذهب للمستشفى؟... لا... لا... إنها الفضيحة... ونهاية الأمل"
مر وقت عصيب... بعده قام ناصر تحت تأثير الصداع... وأحضر كوب ماء... وكسر قطعة صغيرة من حبة المخدر... وعندما أراد قًذْفها في فمه... تذكر المسجد... تذكر الطمأنينة... والسعادة... تذكر الموت... والمرأة المحترقة... والطفل اليتيم... قرر إلقاء الحبوب بعيداً... ولكن الصُّداع يزدحم في جمجمته... قرّر أخيراً إلقاء الكِسْرة التي كسرها من المخدر... تحت قدمه... وسحقها... ولكنه دون شعور ألقاها في جوفه... وشرب الماء.
استمر ناصر جالسا دون حراك... مرت دقائق... ألقى بالحبة كاملة في جوفه... أحسَّ بالنَّشوة... استمتع قليلاً باللحظات التي تمالك عقله فيها تأثير المخدر... قام يرقص طرباً... خرج من الشقة... واستقل سيارته وانطلق... انطلق يجوب الشوارع كعادته السابقة... لا أحد يَشُكُّ عندما يراه... أنه هو ذاته... ناصر... المجرم... ابن أم ناصر... الذي فاض قلبه بحب الشر.
وعند الفجر... كان ناصر يوقف سيارته بجوار الشقة... وقبل فتح باب الشقة سمع صوت المؤذن.
- " الله أكبر"
ضحك ساخراً من هذا الصوت... وولج للمنزل... وألقى بنفسه في فراشه... دون أي مقدمات.
استمر نائماً حتى العصر... أيقظه أبو قبس للغداء... تناول الأكل في نهم... كان يضحك و«يُفَرْفِشْ» مع الجميع... تناسى كل شيء... وبعد الغداء... خرج ثانية بسيارته... وجاب كثيراً من الشوارع الأخرى... التي لم يجبها ليلة البارحة...
وفي أثناء ذلك... ألقى في جوفه بالحبة اليتيمة... من المخدر... واستمتع بليلته التالية... كما كان يحلو له.
لقد ضحك ناصر من نفسه كثيراً... حين أوهمها بالتوبة... وعادت حليمة لعادتها القديمة... بل لعادات أسوأ نساء الحي!.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق