الفصل العاشر
1 - "صالح يهدد"
استغرق التفكير في حنان كلَّ ذاكرة صالح... ما هذا الحظ العاثر؟... يبدو أن المصائب إذا بدأت تتوالى... إنها حتما مشكلة بدون حل... نعم بدون حل... وكيف يكون الحل... عندما تكون المشكلة متعلقة بامرأة أحبها ثم تزوَّجت برجل آخر... هل يطلقها من زوجها... أم ماذا؟.
أُقفلت جميع الأبواب... وأصبحت نفْسيَّة صالح أكثر سوءاً... ومِزَاجُه أكثر حدَّة... وبسمته الصادقة تحولت إلى كدر عميق... حتى كلامه... أصبح قريباً من الثرثرة والسخرية من كل شيء.
وذات مساء... تحدَّث صالح مع بعض زملائه... الذين اجتمعوا في أحد المطاعم... تلبية لدعوة أحدهم لوجبة عشاء... بمناسبة ترقيته.
لقد تكلَّموا عن مواضيع كثيرة... وتحدثوا عن الزَّواج... ولكن صالحاً صامت... وعندما سأله النَّقيب عبد الرحمن... عن رأيه في الموضوع قال:
- " أنا سأعيش حياة العزوبية... العزوبية أرحم"
- "لماذا؟... أذكر أنك وجدت بنت الحلال"
- "بنت الحلال طارت مع ابن الحرام"
- "إذن ابحث عن بنت حلال أخرى"
- "لن أتزوج أبداً من غيرها... هي لي وأنا لها"
- "ولكنَّك تقول إنها تزوَّجت"
- "خُطِبَتْ فقط"
- "هل أنت تتحدث بجد... أم أنك تمزح يا صالح؟"
- "أنا جاد... نعم جاد... سوف ترون... سأتزوَّجها"
- "بماذا تفكر؟... يا حبيبي... حرام... نعم حرام... مادامت قد خطبت... فلا يجوز خِطْبَتُك بعد خطبة أخِيْك المسلم"
- "هو الذي خطب بعدي"
- "غريب كنت أتوقعك أعقل من هذا... ولكن يبدو أن الحب أعمى"
- "أعمى... أعور... ستُدعون إلى زواجي منها"
- "من تكون؟... هل هي بنت العم عبد الله... أتقصدها... يا صالح؟"
- "نعم... وسترون"
- "وكيف ستتخلص من الخطيب؟... قد تكون واسطته أكبر منك"
- "سأصنع قصة حب جديدة... سأضحي بكل شيء... ولو اضطر الأمر... لقمت بتصفيتِه"
ـ "تماماً كما يتم في الأفلام... أو في قصص الحب... هـ...هـ...هـ"
- " أنا لا أقصد التصفية البدنية... ولكن تصفية نفسية"
- "لم نسمع بتصفية نفسية من قبل"
- "تريد الصراحة... أنا لا أتمنى موته فقط... وإنما أتمنى قتله... بعد أن رأيته تلك الليلة... وهو يدخل على خطيبتي... وأنا في المجلس... مكتوف الأيدي... يالها من صدمة لا تنسى!"
- "أعوذ بالله... لا تقل هذا الكلام"
قال صالح وهو يحك رأسه:
- "لم أقصد ... ولكن الحب أعمى"
- "إياك أن تكون أعمى القلب يا صالح... وكن صورة لاسمك"
2-"لماذا يا صالح"
صالح يُنفِّس عن نفسه ضغوطا متزاحمة... ويقول كلمات غريبة... دُون وعي كامل بمدلولها... إنه يريد التسلية... والتَّرويح عن نفسه... ويريد السيطرة على واقعه الحزين بالثورة على ذلك الواقع... ويريد الكلام بأي شيء... أياً كان ذلك الشيء... وربما لم تتوغَّل أفكاره في معاني كلماته... فداخله مليء بالخير والحب... ولكن غليان عواطفه شيء لم يَعد محتملا... لذا أخذ أسلوب التفريغ... صالح يُريد أن يُفرِّغ عن نفسه ويروِّح عن همومه... حتى ولو بالسَّبُّ والشَّتم... وتمني الموت... مع أنها أشياء دخيلة على لسانه وسمته... ولكن حنان... حنان "فُصُّ" ملح وذاب... أملٌ قريب وابتعد... أصبحَتْ وهماً... وسراباً... وحياته بعدها وهمٌ وسرابٌ.
استأذن صالح من الجميع... وقام منصرفا... وبعد أن خرج... بدأ الجميع ينظرون إلى بعضهم... لقد سمعوا كلام صالح بكل استغراب... هل يعقل؟... صالح يتمنى الموت لباسم... ويقول هذا الكلام... وبهذه الجرأة؟... هل هو جاد بالفعل فيما يقول؟... هل يتمنى موته أو قتله؟... قال أحدهم:
- "لقد فقد بعض أخلاقه... ذهبت طيبته وتلاشت... لاشيء يدوم إلا وجه الله"
وقال آخر:
- "الله يكفينا شره... قد يجرؤ على الانتقام... اتق شر الحليم إذا غضب"
قام أحدهم وتبع صالح بخطوات سريعة... حتى أدركه في الخارج... استوقفه... وقال له بهدوء:
- " أنت يا صالح تمر بأزمة... استعن على الخروج منها بذكر الله والصلاة... إياك أن تجعل الدنيا أكبر همك... الدنيا زائلة"
1- " هل ماتت صديقتها في حادث"
فاطمة... الفتاة المسكينة... إنها لا تزال تسير في الطريق الخاطئ... مع جمرة... وذات يوم... حدث حادثٌ ما... كان له أثر كبير على حياتها الجديدة... ويتعلق الحادث بقصة قديمة... ذكرتها لوالدتها... في أول يوم خرجت فيه من المنزل مع جمرة... وتأخرت حتى منتصف الليل... حيث زعمت أن زميلتها نورة قد توفيت في حادث مروري... وأن تأخرها كان بسبب ذهابها للعزاء.
الحقيقة أن تلك الدعوى لم تكن سوى أكذوبة مُرَّة... غطت بها فاطمة... قصة تأخرها.
لقد مرت الأيام بطريقتها الاعتيادية... وذات صباح... وعندما ذهبت فاطمة لمدرستها... ودخلت مع بوابة الفناء... وجدت زميلاتها يبكين هناك... في إحدى الزوايا... وكل منهن منطوية على نفسها... فُجعت فاطمة... ومالت نحو إحدى الفتيات... وسألتها:
-" خيراً... أعوذ بالله من الشيطان... علام البكاء؟"
نظرت زميلتها بعين حزينة... ثم قالت:
-" أنت لا تعلمين... عن زميلتنا نورة"
-" نورة؟... ماذا بها؟... قولي أرجوك"
-" لقد توفيت مساء أمس... مسكينة... يرحمها الله"
-"ماذا تقولين؟... يا ويلي"
-" نعم توفيت... يرحمها الله... لقد وضعت سلك الخلاط الكهربائي... في محوَّل الكهرباء... بطريقة خاطئة... أدى ذلك إلى حُدوث ماسٍ كهربائي غير متوقع... وسقطت نورة... مسكينة... سقطت ميِّتة"
جميع الفتيات في المدرسة تناقلن الخبر المفجع... لكن وقعه على فاطمة كان أشد... لقد أصيبت بأزمة كبيرة... جراء الخبر... وكان السبب في تأثر فاطمة... بهذا الشكل الرهيب... هو القصة التي اختلقتها سابقاً... منذ شهرين.
أحست فاطمة بعد معرفتها وفاة نورة... أنها تريد أن تموت هي أيضاً... أو تختفي من الوجود... طأطأت رأسها... وشعرت بحسرةٍ وألم... والفتيات حولها لا يدرين سرِّا لكل هذا التأثر.
لم يطل الوقت... ولكن هاجس الموت بدأ يتمالك وجدان فاطمة... بدأت تراه في كل صوب... الموت والحساب... والجزاء الأوفى... إنها معانٍ رهيبة... أغمضت فاطمة عينيها... ولم تعد تشعر بنفسها... لكن شَعَرَ بها من حولها... لقد سقطت على الأرض... وبدأت تبكي... تسارعت الفتيات من حولها... وأحضرن الماء... وغَسلن وجهها... ثم حُملت للإدارة... ومن ثَمَّ نُقلت عن طريق سائق المدرسة إلى المنزل... ولم تُكمل يومها الدراسي.
2- "ماذا بعد؟"
دخلت فاطمة للمنزل... تحمل أحزانها الثقيلة... كان عقلها أشبه بقِدْرٍ يغلي... ولكنه يغلي بأفكار متناقضة... عليها أن تتخذ قرارها النهائي... تجاه حياتها الجديدة... التي أصبحت تُدرِّ عليها دخْلاً كبيراً... ومع وصولها للمنزل... استقبلتْها أمها في ذُعْرٍ شديد:
- "ما بك يا فاطمة؟... خيراً إن شاء الله... ما الأمر؟"
- "اطمئني... صداعٌ شديد... أحتاج إلى راحة قليلة في غرفتي... أرجو ألاَّ يزعجني أحد"
- "أحد؟... لا يوجد أحد هنا... سأبقى عندك حتى تهدئي"
- "لا يا أمي... أريد أن أخلو مع نفسي"
- "ماذا بك يا بنتي؟... أنا أمك"
- "أرجوك يا أمي... أريد أن أنام... أشعر بنعاس شديد"
- "يبدو أنّها حيلة من حيلك... للخلاص من المدرسة... تريدين النوم... كم تحبين النوم يا فاطمة... لا عليك نامي"
- "في الحقيقة نعم يا أمي... أوه... أريد أن أنام... وعندما رأت المعلمة أنني نائمة في الفصل... كادت تعاقبني... ولكني زعَمْتُ أني مريضة... وزعمت أني أريد الذَّهاب للمنزل"
- "إن كيدكن عظيم"
- "والآن يا أمي... أريد أن أنام"
- "كما تريدين"
وعلى سريرها... كانت فاطمة تعيد النظر في حسابات كثيرة... حسبتها مع نفسها مسبقا... المال... الدراسة... الشرف... جمرة... العفاف... ثم اليوم... دخل في قاموسها... الموت... والحساب... الجنة... النار... كل هذه المفردات... عليها أن تَحسم الأمر تجاهها.
أغمضت فاطمة عينيها... ودخلت في نوبة من البكاء...
بقي حال فاطمة كذلك... حتى رُفع الأذان لصلاة الظهر... أحست فاطمة أنها تفيق من نومة طويلة... قامت مسرعة... واتجهت لدورة المياه... لم يطل الوقت... ها هي فاطمة... إنها هناك... واقفة في محراب الصلاة... تعترف بذنبها بين يدي ربها... وتسأله المغفرة.
بدأت فاطمة... تتناسى علاقتها بجمرة... بعد حادث موت صديقتها نورة... ولحسن الحظ... فإن جمرة لم يعد يُلقي لها بالاً... ربما لأنه الآن مشغول بغيرها... أو لأنه مشغول بالمخدرات... أو ربما تم القبض عليه.
كل هذه الظروف شجعت فاطمة للعودة بصدق إلى الله... ثم إلى أمها ومدرستها... وبدأت تجاهد في نسيان تلك التجربة القاسية.
لم يكن من السهل نسيان تجربة كتلك... لقد كانت الضغوط النفسية تكاد تلهب وجدانها... لكنها اعتصمت بربها... وبالحفاظ على الصلاة... وهي تسكب الدموع الكثيرة في محراب التوبة.
3-"سر التوبة"
تابعت فاطمة السير في حياتها الهادئة... ما أجمل الحياة في كنف الإيمان... إنها ساعات أنس واستقرار... مر شهران على تلك الحال... فاطمة مجتهدة في دراستها... لم يعد ثم وقت طويل عن امتحانات نصف السنة... ومواد الصف الثالث الثانوي تحتاج للمزيد من الاجتهاد... وفاطمة عازمة على تعويض كل ما فات.
وذات يوم... وعندما كانت فاطمة في غرفة الجلوس... تقرأ القرآن... وتستعين به على شحذ همتها... خرجت أمها من المطبخ... لمحت ابنتها بعين راضية... وكانت سعيدة تشعر بالفخر لما كانت عليه فاطمة... لكنها اقتربت بهدوء... وفجأة... بدأت تطالعها بعين مندهشة... ثم قالت في قلق:
- "فاطمة ماذا بك؟؟"
- "ماذا يا أمي؟"
اقتربت الأم من فاطمة أكثر... بدأت تتفحص عينيها... ثم وضعت يدها على بطنها... ثم عادت تنظر لها من جديد... وهي تقول:
- " ماذا فعلتِ يا بنت؟"
- " ماذا يا أمي؟"
- " لماذا بطنك منتفخ هكذا؟!... ماذا بك؟!... إياك أن تكوني؟!... أعوذ بالله من الشيطان الجيم!... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!"
بدأت الأم تصفق بيديها... في حين سقط المصحف من يد فاطمة... وطأطأت رأسها في ذهول... ثم نظرت لبطنها.
صاحت الأم باكية:
- " لماذا... لماذا يا فاطمة... لماذا... لماذا... لماذا... آه... يا ويلي"
بدأت الأم تضرب على رأسها... وازداد بكاؤها... نظرت فاطمة لأمها في خوف شديد ثم قالت:
- " قولي لي... ماذا حصل؟"
نظرت الأم إليها نظرات لوم قاتلة... ثم قالت:
- "ماذا فعلت يا فاطمة؟... هل أنت حامل؟"
أغمضت العجوز عينيها بأسى بالغ... واستمرت تردد في حزن:
- " لا حول ولا قو إلا بالله... لا حول ولا قوة إلا بالله"
فاطمة ساكنة سكون الموت... إنها تسترجع شريط حياتها بسرعة... لم يطل الوقت... لقد شهقت شهقة قوية... بعدها قامت... وانطلقت لغرفتها... وألقت بنفسها على الأرض الصلبة... وبدأت تدقُّ الأرض برأسها بكل قوتها... لقد حلت الكارثة التي لم تكن في الحسبان.
بقيت فاطمة على هذا الحال... حتى تبللت الأرض من دموعها... كانت تفكر مع نفسها:
- "يا رب... ألم أتب؟... ألم أرجع إليك؟... لماذا؟... لماذا حملت؟... ويلي... سأكون أمَّاً... وسيكون جمرة هو والد ابني... وسأقوم بتربية طفل صغير... ما كل هذا؟... أي فضيحة ستنتشر أمام الخلق... سيكون اسمي معلوكاً في أفواه الناس... كلٌ سيعرف قصتي المخزية... وناصر سيعرف... وجمرة أيضا سيعرف... قبحك الله يا جمرة... وقبحك الله يا ناصر... وأنتِ... أنتِ أيضاً يا فاطمة... لماذا وقعت في الأشراك اللعينة... ألم يكن لك عقل تدركين به ما حولك؟"
الأم هناك... إنها ساكنة في مكانها... لا أحد يدري ما آلت إليه حالتها الصحية... ولا أحد يدري هل ماتت... أم لازال قلبها ينبض بالهموم الثقيلة... سيكون الموت أرحم لها بكثير من هذه الفصول الشنيعة... التي تلعبها أدوار الحياة... بقي الصمت يعم جوانب المنزل.
ومر الوقت الثقيل على فاطمة... بدأ الرشد يعود لها شيئا فشيئا... لا حيلة في كل ما حصل... قامت من مكانها وهي أشبه بشبح مخيف... وعندما خرجت من غرفتها... رمقت أمها هناك... كانت الأم في حال أشد رعباً... أشبه بحال الميت... ذُعرت فاطمة لمنظر أمها... سارت فزعة نحوها... أمسكت يدها بكل قلق... بدأت تراقب صدرها... إنها لا تزال حية... ولكنها فاقدة للوعي... تناست فاطمة مشكلتها جزئياً... مع هذه المشكلة الأكبر... اتصلت بالإسعاف... حضر الإسعاف ونقلت الأم للمستشفى.
هناك... في قسم الطوارئ... أجريت عليها الفحوصات... إن حالتها تستلزم العناية الفائقة... لذا بقيت في المستشفى.
عادت فاطمة للمنزل... ستنام هذه الليلة وحيدة... كم هي جانية في حق تلك الأم الصابرة العظيمة... مر الوقت كئيبا على الفتاة... كانت في وحدتها... تعد أوراق الحزن والألم.
وفي اليوم التالي... ذهبت فاطمة للمستشفى... أمها لا زالت في العناية... وهي لم تذهب لمدرستها اليوم... لم يعد لها حاجة في المدرسة... المهم أن تتحسن حال أمها... استمر الحال فترة أطول... بقيت الأم في العناية ثلاثة أيام... فاطمة تزورها يوميا... وفي اليوم الرابع... قال الطبيب لفاطمة:
- "لقد بدأت صحتها تتحسن... وروحها الهاربة عادت إلى بدنها المتهالك... من المهم أن ترتاح في آخر أيام حياتها"
-" إذاً ستخرج قريبا... هل هي بالفعل بخير؟"
-" الواقع... أنها أصيبت بجلطة... لا أدري ما أقول... عليكم الصبر... وقد يحدث لها شلل نصفي... أرجو الله لها العون"
أغمضت فاطمة عينيها... حدثت نفسها:
- " لك الله يا أمي... هل أصبح لزاما عليك من اللحظة... أن تعيشي بنصف بدن... طيلة ما بقي من حياتك؟"
بكت فاطمة بكاءً مُرَّاً... كانت تبكي وتزيد من بكائها... وكانت تأمل في أن يؤثر البكاء على الجنين... الذي يسكن بطنها... ويتغذى من دمها... ويوماً قريبا سيخرج للدنيا... ليُعلِنَ أن أمه لم تكن شريفة.
أهذا هو الجزاء الذي سيمنحها إياه الجنين؟... الذي تعبت من أجله أشهراً مريرة... قالت تحدث نفسها:
- " ولكنني أنا الجانية أيضاً... أنا التي سأقذفه للحياة... وأتركه للسخريات العابثة تطارده... حتى اللانهاية... وحتى بعد الموت... وهو وإن سبب لي فضيحة ذات يوم... فليس باختياره... أما أنا... فكل فضائحي باختياري... وأيضاً فضيحته... إنها باختياري... لماذا يا فاطمة لماذا كل هذا؟... ولكنها زلة... زلة غير مغتفرة"
وبعد عشرة أيام... عادت الأم ذات البدن المشلول لمنزلها... عادت ومعها الحسرة العميقة تعصر قلبها الطيب... وعربة ذات عجلتين.
وكانت فاطمة ذات البطن المنتفخ قليلا... تحمل الجنين ذا الثلاثة أشهر... بين جنبيها... وتدفع عربة والدتها للداخل... لم تتكلم الأم بكلمة... منذ أن اكتشفت فاجعتها في فاطمة... وماذا عساها تقول؟!.
ولكنها كانت تفكر بجدية:
-" المصاريف... مصاريف الحياة... لن أستطيع بعد اليوم أن أعمل أو أغسل أو أكنس... سأبقى طريحة الفراش... أو مقعدة في العربة المتحركة بالعجلات المتشائمة"
أغمضت العجوز عينيها... وحلقت بها أفكارها بعيدا:
- " وماذا تراني سأفعل... من أجل غدي وغد ابنتي... التي حتماً ستلد عما قريب... وتأتي لنا بالحفيد؟... لعن الله الشيطان... الدنيا حينها لن تسعنا... بالطبع لن تسعنا من الحزن... لا من الفرحة... والجميع سيلقون عليّ نظرات اللوم والعتاب... لقد ضيعتِ الأمانة يا أم ناصر... وحتماً سنُطرد من هذه الشقة... لنعيش متسولين في العراء... لأننا لسنا شرفاء... وربما يفكر بعض أقارب زوجي المرحوم... أو أقاربي مساعدتنا... ربما... ولكن... إيه... عقبات كثيرة ستقف أمام تلك المساعدات... وكيف يساعد عاقلٌ أسرةً... أحد أبناءها صاحب مخدرات... والبنت أعوذ بالله... لن يفكر أحد إلا في شتمنا... والبراءة منا... بل والبراءة ممن سيعترف بقرابته منا... الحمد لله على كل حال... "اللهم عجل بالموت... اللهم عجل بالموت... وبالراحة من هذه الحياة""
هذه الكلمات الأخيرة... هي الكلمات التي قالتها الأم... وسمعتها فاطمة... لقد كانت فاطمة في تلك الأثناء... تحملها من العربة... لتُقعدها على سريرها... ولم تكلّف فاطمة نفسها التعليق على هذا الدعاء... كانت في نفسها تريد أن تقول:
- "الدعاء على النفس حرام"
ولكنها... ردت على نفسها بصمت:
- " نعم حرام... الآن أصبحت تعرفين الحلال والحرام... يا فاطمة"
وربما لو ردت أمها لقالت:
- " حرام... حرام... يا أم الحرام"
الفصل الثاني عشر
1 - "الوزن الزائد"
باسم يبتسم مع نفسه ابتسامة الرِّضا... كل شيء على ما يُرام... الشقة جاهزة... والسيارة جاهزة... والزواج غداً... نعم غداً... فهو ثاني أيام الإجازة الصيفية... وهذا هو اليوم الذي تَحَدَّد فيه زواجه بحنان... ما أطول الساعات!... لقد تمنى أن يُغمض عينيه ويفيق... ويجد حنان بجواره... لقد أحبَّها من كل قلبه... عقرب الساعة يتباطأ... ودقات قلبه تتسارع... انقضى الليل... وجاء الصباح.
مرت الساعات أشبه بحلم... وتمت حفلة الزواج الرائعة... وبعد صلاة العشاء... وقرابة الساعة الحادية عشرة مساء... دخل باسم على حنان.
هذا هو الطريق... الذي سنه الله لتكون العلاقة... بين الرجل والمرأة... إنها سنة الزواج... وسنة السكن.
مرت أيام العسل الأولى حلوة سلسة... حنان تُجيد الطبخ إجادة كبيرة... لقد تخرجت من المرحلة الثانوية... ولم تكمل الدراسة الجامعية... تركت الدراسة وتفرغت للمنزل... وأعبائه.
من المقرر لدى الأسرة الصغيرة... تناول أطباق الحلا اللذيذة... التي تعدها حنان... وشرب القهوة والشاي... بعد صلاة العصر... مر شهر واحد... كان شهرا رائعا... ولكن... هناك مشكلة... لقد ازداد وَزْنُ باسم خلال الشهر قرابة الخمسة كيلوجرام:
-" هذا وضع غير طبيعي... يا حنان... يجب أن أقلل من هذه الوجبات "
-" لا يا حبيبي... بل يجب أن تقوم ببرنامج رياضي... هذا هو الحل الأمثل... وهناك فكرة أخرى... لماذا لا نصوم؟... الصوم فيه أجر وأيضا صحة... وتخفيف للوزن... نصوم يومي الاثنين والخميس"
-"صدقت يا حنان... ولكن... الصيام شاق نوعا ما... خاصة ونحن لا زلنا في شهر العسل"
-" انتهي الشهر يا باسم"
-" ألم أقل لك؟... سيستمر شهر العسل عاما كاملا..."
عزم باسم على تخفيف ذلك الوزن الزائد... كان اقتراح حنان اقتراحا مناسبا... ولكن... سيتم تحديد وقت آخر للصوم... ولعل أنسب وقت اختير هو يوم الخميس فقط... من الأشهر القادمة.
مرت ثلاثة أشهر على الزواج... قالت حنان لباسم... وهما خارجان من أحد المطاعم العائلية... بعد تناول وجبة عشاء شهية:
- " غداً يا باسم... سنبدأ بالصيام"
- " أوه... لازلت تذكرين... الأمر لله... غداً نصوم"
ومع غروب شمس اليوم المقبل... كان باسم سعيدا لإكمال صيامه... قال وهو ينظر للسفرة قبل الإفطار:
- " جزاك الله خيرا يا حنان... انقضى هذا اليوم دون تعب... وأنا الآن... أحس بالرشاقة تجري في دمي "
ولكن حنان أعدَّت من الأطعمة ما لم يكن باستطاعة باسم الوقوف أمامها مكتوف الأيدي... وبمجرد سماع الأذان... بدأ باسم وحنان في عبِّ كميات الطعام... بطريقة غير منتظمة.
وبعد عشر دقائق أقام المؤذن للصلاة... حاول باسم النهوض ولكنه أصبح مُثَبَّتاً على الأرض... لقد أكل أكثر من طاقته بكثير... طلب المساعدة من حنان... ولكنها هي أيضاً تحتاج لمن يعينها على الوقوف... تَمَثَّل باسم ساعتها بـ :
- "«طلبتك يا عبد المعين تعيين... إذا بك يا عبد المعين تعان»"
قام باسم بتثاقل... ثم توضأ وانطلق للمسجد.
2-" جلسة الشاي"
وبعد صلاة المغرب عاد باسم للمنزل... وجد حنان قد أعدّت الشاي... جلس الزوجان جلسةً هادئة... قال باسم:
- "تصدقين يا حنان... أنا لا أمانع... في الجلوس على حالي هذا... لمدة عام كامل... بشرط أن تبقي أمامي... لقد أحببتك من سويداء قلبي... كما لم أحب أيما امرأة قبلك ولن أحب... أي امرأة بعدك"
أرادت حنان أن تقول له الكلمات ذاتها... ولكن لا تدري لماذا ارتسمت في ذهنها صورة صالح... صديق الصبا... هزت رأسها باضطراب... حاولت تناسيه... ورسم صورة باسم مكان صورة صالح في ذاكرتها... ثم قالت:
- "وأنا أحببتك بكل كياني... لن يدخل أحد قلبي بعد أن سكنت فيه"
- "الحياة جميلة عندما تكون ركيزتها الحب"
- "باسم... ما هو الحب في نظرك؟... أجبني بصراحة"
- "الحب هو الهيام... هو أن يَرقُص القلب طرباً لذكر المحبوب أو لقائه... وأنتِ ما هو الحب لديكِ؟"
- "الحب لديَّ أشمل بكثير مما تقول... الحب هو رجاء الخير للمحبوب... رجاءُ السعادة لَه... رجاء الطمأنينة"
- "أوه... هذا فعلاً تعريف أدق ولكن"
- "ولكن ماذا؟"
- "تعريفك هذا سيخرج من دائرته كثير من حب القرن العشرين"
- "تقصد الحب المستورد... الذي يشاهده البعض في تلك الأفلام... الأجنبية... أو العربية... أنا لا أسميه حباً... لأنه حب المصالح وحبُّ الذَّات... فالرجل يحب المرأة لا لِذاتها... وإنما لذاته هو... ليتمتع هو بهذا الحب... لا لتسْعَدَ به هي... وقد يضحِّي بها... وبِحُبِّها... عندما تظهر مصلحته في أي شيء آخر"
- "كنت أحبك... هياماً بك يا حنان... وأمَّا الآن فقد غيرت رأي في حبي لك"
- "ماذا؟..."
- "صدقيني لقد أصبحت أحبك لذاتك... أحب لك الخير والسعادة... لذا سأعمل على راحتك"
- "راحتي !... ومن قال لك أن السعادة في الراحة؟"
- "أرجوك يا حنان... كفى فلسفة... كفى..."
- "لا يا باسم... صدقني... أنا أقصد فعلاً ما أقول"
- "قولي إذن"
- "سعادة المرء في تعبه من أجل تحقيق سعادة الآخرين"
- "الله... الله... الله..."
وعندها صفق باسم بيده... وابتسم... وقال:
- "فعلاً إفلاطونة زمانك"
- "قل لي يا باسم... ألا تفكر في نزهة... تقوم بها عائلتنا الموقَّرة؟"
- "والله فكرة ممتازة"
قررت الأسرة القيام برحلة قصيرة... مدتها هي مدة الإجازة الأسبوعية... الخميس والجمعة... وكان اتجاهُهم البحر... كما خططوا... يوجد هناك فنادق ممتازة... ولم يلبث أن تحولت الخطة إلى واقع... وانطلقت الأسرة الصغيرة في الرحلة السعيدة.
الفصل الثالث عشر
1 - "مقبرة السر الرهيب"
أسرة خالد بن صالح... من أكثر الأسر رُقياً في الحي... وهي من الأسر القليلة التي تملك فِلَّة... أكثر أصحاب الحي يبنون عمائر استثمارية... إذ يسكنون في أحد أدوارها ويؤجرون الأدوار الأخرى... حسب المخطط الذي خططوا به عماراتهم.
ولكن خالداً قرر بعد مداولة بينه وبين عائلته... أن يكون مسكنهم مستقلاً تمام الاستقلال... على نظام فلة... لأن الإيجار كما قال:
- " تعبه أكثر من مصلحته"
من الأمور الأساسية لدى أسر تعيش بهذه الطريقة... وجود سائق وخادمة... خاصَّة وأن ربّة المنزل تعمل مُدرسة... وجميع الأولاد في المدارس... وبقدر ما تكون زوجة خالد... طيبة أقصى درجات الطيبة مع خالد... إلا أنها حادة المزاج مع الآخرين... ولا تجد أحداً تفرغ فيه حمأة غضبها سوى «رسمان».
رسمان هذه هي الشغالة... التي تعمل لدى أسرة خالد... وهي من جنسية أندونوسية... لم تعد الشغَّالة تحمل اسم «رسمان» نظراً لصعوبة النطق به عند ربة المنزل... مما جعلها تختصر اسمها إلى «أسماء».
المشكلة الأخرى أن أسماء الشغالة... حادة المزاج أيضاً... ولا ترضخ للمناورات الكلامية التي تهددها بها ربة المنزل... وكثيراً ما تترك العمل وتغلق على نفسها باب غرفتها.
ربة البيت تشعر أنها مظلومة مع هذه «الأسماء»... وأسماء أيضاً تشعر أنها مظلومة مع هذه الـ «ماما»!.
وكثيراً ما هددت ربة المنزل... بتسفير أسماء... لكن حاجَتهم الماسة لها جعلهم يتراجعون عن رأيهم في التسفير... خاصة وأن استقدام شغالة جديدة أمر متعِب ومكلِّف.
وذات يوم... وحينما كان الأطفال يلعبون الكرة في المطبخ... اصطدمت الكرة ببعض الأطباق... التي كانت رسمان تغسلها... لسوء الطالع... كانت الأطباق زجاجية... ولسوء الطالع أيضاً... كُسِر أحد الأطباق... ولأن أسماء حاولت تلافي وقوع شظايا الزجاج... على الأرض... أمسكت الطبق المنكسر بقوة... مما جعل يدها تتعرض لجرح غائر... نوعاً ما... بدأ الألم يسري في يدها... وبدون شعور... انطلقت نحو الطفل الذي ألقى بالكرة... واسمه مشعل... وأشبعته ضرباً.
كان الوقت أثناء وقوع المشكلة... قرابة الساعة السادسة مساءً.
انطلق الطفل إلى أمه باكياً... غَضِبَتْ الأم أيَّما غضب من أسماء... وانطلقت نحوها وهي تحمل سلك المسجل... لعلها تريد تأديبها به... أو تريد تهديدها... أو ربما خنقها.
كان انفعال أسماء لا يضاهى... لذا انطلقت نحو الباب الخارجي... وفتحته وولت هاربة.
حاولت ربة المنزل... أن تلحق بها... ولكن دون جدوى... لم يكن خالد ساعتها موجوداً... وإلا لأمكنه معرفة مكانها... أو ملاحقتها... ولكنه كان في الخارج.
هكذا دائماً هنَّ النسوة... يتأثرن بانفعالاتهن ويتسرعن في اتخاذ القرار... دون تروٍ وتفكير.
أسماء أصبحت في الخارج... لم يكن أمامها مسلك تسلكه... إلا الرصيف... الذي أذلّته برجلها ليوصلها لهدفها المنشود... وأي هدف منشود يا ترى... لدى امرأة غريبة... تتربَّص بها دوائر صاحبة المنزل... في كل زاوية؟.
سارت أسماء بسرعة الأندونوسيات المعهودة... لم يلق لها أحدٌ بالاً... خرجت من الحي... وعندما أصبحت تمشي فوْقَ الجسر... الممتد فوق وادي رملان... وهو جسر خرساني... تسير السيارات فوقه... وتسير السيول عند نزول الأمطار تحته... راودتها فكرة الاختفاء تحت الجسر:
- "وإلى متى سأظل أسير... وأسير"
رجعت رسمان قليلاً حتى خرجت من حدود الجسر... ووجدت فتحة يمكنها الدخول معها... والنزول إلى الوادي.
2-"صالح والملعب"
الظلام يزداد ويزداد... وأسماء تسير عبر الوادي... والوحشة والخوف هما صاحباها في هذه الليلة... لا شك في ذلك.
كانت أسماء تسمع أصوات بشرٍ في المقابل... اتجهت نحو الصوت... ظناً منها أنها أصوات مواطنين في مساكنهم... وأنها ستجد قدراً أكبر من الأمان بقربهم... سارت بقلق وحذر... وعندما وصلت إلى مصدر الصوت... لم تكن الأصوات سوى أصوات لعيبة الكرة... في ملعب أسفل ذاك الوادي.
أصيبت أسماء بخيبة أمل... ورجعت أدراجها قليلاً... لتختار زاوية في أحد الممرات الضيقة... كي تجلس فيها... أشبه بكائن منبوذ... مع أن جرحها أثناء ذلك كان ينزف.
ذاك الملعب كان من الملاعب المشهورة على مستوى الحي... ويرتاده في الغالب الرياضيون... ويرتاده أيضاً بعض الفارغين... ممن يحبون قضاء أوقاتهم في مشاهدة المباريات.
الأمر غير المعقول... أن صالحاً كان أحد أولئك المتفرجين... مع أنه من قبل... قد عُرف بجدِّيته في الحفاظ على وقته... كان وجوده أمراً ملفتاً للنظر... خاصة وأنه لم يَعُد صالحاً فحسب... وإنما الملازم صالح... أكثر من دُهش لوجود صالح في هذا المكان... أحد أصدقائه... واسم هذا الصديق وائل بن شاطب... وهو يعمل ضابطاً لدى أجهزة المباحث... دهش وائل أيما دهشة... لمشاهدة صالح في موقع كهذا.
وهناك أمر آخر... يدعو للغرابة... ذلك أن أحد اللاعبين المؤثرين في إدارة اللعب... شاب يدعى باسم... وهو بعينه زوج حنان... ولعل تلك المرة هي المرة الثانية... التي يحضر فيها للعب... لقد انقطع باسم عن حضوره للعب مع فريقه منذ زواجه... وعندما أحس بزيادة في وزنه قرر بتشجيع من حنان... العودة للرياضة... مع أنه لم يعد بحماسه السابق... لكنه قرر الحضور ليومين في الأسبوع... وهذا يكفي في رأيه... لتخفيف الوزن... ولتحريك العضلات.
أما صالح... فهو من مرتادي هذه الأماكن وغيرها منذ فترة... كي يروِّح عن نفسه... خاصة بعد الأزمة النفسية التي ألمَّت به... إثر زواج حنان.
الغريب في الأمر... أن صالحاً كان يلاحظ باسماً باهتمام... وأيضاً بحُرقة بالغة... مع أنه في البداية لم يعرفه جيداً.
ولكنه تذكره الآن... وتأكد أنه هو... بشحمه ولحمه... سارق حنان منه... وبعد أن تأكد صالح من شخصية باسم... بدأ الاضطراب على ملامحه... ولم تؤد المباراة هدفها الذي أتى صالح ليحققه... في تهدئة أعصابه وإراحة باله... وإنما زادته أشجاناً على أشجانه... وزادت الطين بله.
وائل بن شاطب... الضابط في المباحث... كان يراقب صالحاً بدقة... لعله بهدف الفضول... أو بهدف سرد القصة الغريبة... في تغير صالح... من حياة الجدِّية... إلى الفراغ... وتتبع المباريات... دون طائل.
ولعله أيضاً يريد وضع إضافات هامة في تلك القصة... لم تحصل على أرض الواقع... وذلك لخلاف شخصي قديم... بينه وبين صالح.
وأثناء متابعة وائل لتصرفات صالح... لفت نظره ذلك التأثر الذي يصيب صالحاً... كلما أمسك باسم بالكرة... ولفت نظره أكثر... أن صالحاً تغيب قليلاً عن ذلك المدرج المتواضع... ولم يطل غيابه... حيث عاد ثانية وهو بِنَفْسيِّةٍ أكثرَ تَوَتُّراً.
وهناك... كان وائل بن شاطب... موظف المباحث يحلل كل شيء.
انصرف صالح قبل نهاية المباراة بقليل... وسلك ذات الممر الذي تقبع فيه أسماء... وكان وائل... رجل المباحث... يتابع خطوات صالح ببصره... وبعد اختفاء صالح في الممر... تابعه وائل بذهنه... ليتسنى له اختلاق قصة مناسبة لدخوله مع ذاك الممر... وفعلاً عزم على أن يؤكد لمن سيعرض عليهم تلك القصة المُختلقة... أن صالحاً سحب بكت السجائر من جيبه... وتناول واحدة منه وأشعلها:
-" أوه... لقد تغير صالح... تغير كثيراًً... وربما كانت المخدرات هي الطريق الذي سيسلكه صالح... بعد حُبه المجنون"
3-"الحدث"
عند نهاية المباراة... تفرق الجميع... لقد اقترب حينها وقت أذان المغرب... رسمان... في موقعها خائفة... ولا تدري كيف ستقضي ليلتها القادمة... ولكن صورة سيدة المنزل تتراءى لها في كل صوب... ولا حيلة إلا البقاء هنا.
وفي تلك الأثناء... دخل إلى الممر رجل... أو ربما شاب... ويبدو عليه التوتر... لم يلحظ الشاب أبداً وجود أسماء... أو «رسمان»... وعندما استقر مختبئا في مكانٍ مُنْـزوٍ... وضع اللثام على وجهه بإحكام... وأخرج خنجراً حادة... ومكث في موقعه يترقب... ويتربص الدوائر برجل ما.
شخص واحد من الممكن أن يعبر خلال ذلك الممر... ومن الممكن أيضا أن يُقتل... إنه الشخص صاحب السيارة الواقفة بجوار الجسر.
وسبب وقوف السيارة هناك... هو أن صاحبها من سكان الحي المجاور... وطريقه للملعب يستلزم مروره عبر ذلك الممر... أما بقية اللاعبين... فهم من سكان القرية المجاورة للملعب... وليسوا من سكان الحي... وطريقهم من القرية إلى الملعب... لا يمر أبداً مع ذلك الممر... والمتفرجون كذلك... لا يحتاجون المرور عبر الممر.
وبعد دقائق... سمعت أسماء صوت أقدام رجل آخر يدخل الممر... وسمعت أيضاً حركات التجهز النهائي من الرجل الحامل للخنجر... والمختبئ بحذر... وأثناء لحظات خاطفة قفز الرجل الملثم نحو الرجل العابر... وأغمد الخنجر في بطنه بسرعة... ولأن ذلك الرجل المطعون كان أكثر لياقة من حامل السكين... استطاع المراوغة... وحاول الهرب... ولكن الطعنة أثرت فيه... فلم يتمكن من الانطلاق... لذا قرر أن يدافع عن روحِه إلى آخر لحظة.
وبدأ النزال بين الرجلين... أحدهم أعزل... والآخر يحمل خنجراً... أمسك الرجل المصاب بيد الرجل صاحب السكين... استطاع أن يلويها خلف ظهره... ولكن السكين التفّت بسرعة... وجَرَحتْ يد صاحبها جرحاً يبدو أنه عميق بدرجة كبيرة... أصبحت تلك اليد أشبه بيد شلاء... حاول صاحب الخنجر المقاومة... ولكن أصبحت سيطرة الرجل «المطعون» سيطرة لا تقاوم... وعندما حاول ذلك المطعون سحب الخنجر من يد صاحبها... بدأ يشعر بدوار شديد.
لقد كانت الطعنة التي تلقاها طعنة بالغة في العمق والخطورة... ولم يكن استبساله ذاك سوى استبسال المحتضر... بدأت الدنيا تتلاشى من عينيه... وأطلق يدي قاتله... وأسلم نفسه ليرتاح من عناء الحياة ببطء... وعندما أحسَّ صاحب الخنجر أن يديه أطلقت... أمسك الخنجر بيده السليمة... وغرسها في قلب ذلك المسكين... ثم حاول إخفاء السكين... فكر في أن يرميها بعيداً... ولكنه خشي أن يُكتشف أمره... وضعها في جيبه... كان دمه ينزف بغزارة... لفَّ غترته على جرحه مجددا... وولّى هارباً.
كل هذا يحصل... وأسماء جالسة في مكانها... ترصد كل حركة... ولا تستطيع إحداث أي حركة... لقد نُقِشَتْ صورة القاتل في ذاكرتها... وكذلك صورة المقتول... ماذا تفعل؟... هل تمكث في مكانها؟... إنها ستكون المتَّهمة الأولى والأخيرة... في الجريمة التي لا ناقة لها فيها ولا جمل.
ولَّت أسماء هاربة دونما جُرم... وبدأت يدها المجروحة بكسرة الزجاج... تنزف بشدة... بسبب انفعالها مع الأحداث المذهلة... قررت أن تذهب للمستشفى لإيقاف النزيف... لكن يجب أن تكون ذكية... ستذهب لمستشفى بعيد عن هنا... أولاً للعلاج... وثانياً للفرار بعيداً عن هذا المكان الموبُوء بالجرائم... وثالثا لتتصل على خالد... كي يأخذها وتعود للمنزل... وللماما... فهي أرحم على كل حال من هذا التوتر.
الفصل الرابع عشر
1 - "الفاجعة رقم1"
حنان في المنزل... إنها أكثر سعادة من ذي قبل... لقد أصبحت تُحب باسماً من كل قلبها... وتفكر كثيراً في المستقبل... وفي الأولاد... حتماً سيرزقهم الله أولاداً... وهم بالتأكيد سيشبهون والدهم في الهدوء والرفق بكل ما حولهم.
فكرت في صنع بعض أصناف الكيك:
- " باسم... بعد أن أصبح من مرتادي الملعب... يعود منهكا... وهو يحتاج إلى سعرات حرارية... ولكنّ الكيك يساهم في زيادة الوزن... لا... لا... باسم لا يريد أن يزيد وزنه... لذا سأكتفي بالقهوة وقليل من التمر والبسكويت"
صَلَّت حنان صلاة المغرب... وقامت بإعداد القهوة... وجلست تنتظر... ليس من عادة باسم التأخر... قالت في نفسها:
-"هكذا الرجال... إذا انتهى شهر العسل... يبدأ أحدهم يلعب بذيله... ولكني سأعرف كيف أقص ذيلك يا باسم... لا... لا... باسم رجل طيب... لا يمكن أبداً أن يفكر بخبث... من المؤكد أنه سيحضر الآن"
بقيت حنان تنتظر... مرت ساعة كاملة... كانت على أمل كبير في عودة باسم مبكراً... وبعد ساعة... بدأت بعض الهواجس الحَسَنَة تراودها عنه... كانت تقول:
- " لعلَّه... لعله مع أصحابه... أو تعطلت به السيارة... أو ربما عزم على إحضار العشاء معه هذه الليلة... لأنه متعب من المباراة... ويطمح في عشاء فاخر... ولكنّ عشائي أنا أيضاً فاخر... سأطبخ له كبسة لحم"
بعد نصف ساعة أخرى... بدأت هواجس سيئة للغاية تراودها عنه:
-" هل أصابه مكروه... أو حدث له أذى؟..."
لم تتمالك حنان نفسها مع هذه الهواجس... قامت للتِّلفون... واتصلت بوالدها... أخبرته بتأخر باسم ... قال لها:
-" اطمئني... سأتصل بأهله... ربما ذهب لزيارتهم"
اتصل والد حنان بوالد باسم ... ولكن أم باسم ردت... قال لها:
- "أبو باسم موجود؟..."
- "خرج"
- "منذ متى؟"
- "منذ قليل... لن يتأخر... ماذا أقول له"
في تلك الأثناء دخل أبو باسم... لذا قالت أم باسم:
- "انتظر هذا هو أبو باسم... لقد حضر..."
تناول أبو باسم السماعة:
- "أهلاً"
- "أبا باسم... كيف حالكم"
- "الحمد لله... كيف أخباركم يا أبا حنان؟... منذ فترة لم نسمع صوتك "
- "الحمد لله... هناك موضوع بسيط أرجو ألا يُقْلِقَك"
- "تفضل"
- "باسم تأخر عن الحضور للمنزل... تأخر كثيراً عن الموعد المحدد لحضوره... وقد قلقت عليه حنان"
- "منذ متى خرج؟..."
- "بعد صلاة العصر خرج للملعب... وحتى الآن لم يرجع"
- "أي ملعب؟... سأذهب للملعب حالاً... للبحث عنه"
- "اتصل بحنان... ستخبرك عن مكان الملعب... أرجو ألا تقْلق... هو إن شاء الله بخير ولكن... من باب الحيطة قد تكون السيارة تعطلت به"
- "أرجو أن يكون الأمر خيراً"
اتصل أبو باسم بحنان... أخبرته عن اسم الملعب الذي يذهب إليه باسم... واستقل سيارته دون أن يخبر أم باسم... وذهب جهة الملعب... لقد ارتاح ضميره قليلاً عندما رأى السيارة واقفة بجوار الجسر... قال في نفسه:
-" لابُدَّ أنه مع أصحابه هنا أو هناك"
أوقف أبو باسم سيارته بجوار سيارة باسم... نزل... واتجه نحو سيارة باسم... نظر من خلال الزجاج في نافذة الراكب... لاحظ أن ملابس باسم موجودة في السيارة... الثوب... الشماغ.
- " هذا دليل على أنه خلع ملابسه... ووضعها في السيارة... وارتدى الزي الرياضي... وانطلق للملعب... هل من الممكن ألاَّ يكون قد رجع من الملعب حتى الآن... أمر يدعو للريبة"
بدأ القلق يساور أبا باسم... عاد لسيارته... وأخذ منها كشافاً ببطارية... وانطلق به مُتجهاً للملعب... إنه يعرف موقع الملعب بشكل جيد... لذا سار باتجاه الممر الذي يفضي للملعب... وَلَجَ إلى الممر... بدأ قلبه يتراقص خوفاً... رفع الكشَّاف قليلاً ليرى نهاية الممر... ويتأكد من سيره في الطريق الصحيح.
- " ولكن... ما هذا الذي هناك؟... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"
كم تعاظم ذعر والد باسم... عندما رأى شيئا... أشبه بجثة مسجاة على الأرض!... بدأت الدنيا تدور... ولكنه تمالك نفسه قليلاً... وسار باتجاه الجثة:
- " نعم... يا الله أُلْطُف... هذا هو... إنه باسم... باسم... يا باسم... يا ولدي"
باسم لم يجب... إنه مُسجَّى في منظر مُذهل... يالَ الفاجعة التي تستحق الصراخ... إلى الأبد.
انكبَّ والد باسم في مشهد مذهل... كان الحزن يتمالكه بشدة... وضع وجهه على صدر ابنه... كان يتحسس أطرافه الباردة... إنها أشبه بجلمود صخر... بدأ يستمع في هدوء... لنبضات قلب ابنه... لم يكن ثَمَّ نبضات... شهق أبو باسم شهقة طويلة... رفع رأسه بهدوء... كان يقول:
- " هل مت يا بني؟... بكل هذه البساطة... آه على شبابك... آه"
تأكدت الحقيقة الرهيبة... لوالد باسم... أغمض عينيه... وبدأ في نحيب طويل... استمر الصمت لدقائق... وسرعان ما هبَّ الأب واقفا... نظر يمنة ويسرة... انحنى جهة باسم... أدخل يده تحت رأس ابنه... حاول جاهداً حمله... وبكل مشقة استطاع رفعه... إنه ثقيل جداً... لم يستطع الوالد السير... لقد خارت كل قواه... جراء تلك الصدمة الرهيبة... سقط أرضاً هو وابنه الميت... كانت الفرصة سانحة له كي يبكى بدموع ساخنة... استمر المشهد صامتا لدقائق... بعدها قام أبو باسم... ومَسحَ جميع دموعه... وانطلق عائداً جهة الطريق... وحين وصل للشارع... نظر يمنة ويسرة... إنه يريد من أحد المارين الوقوف... بدأ يرفع يده لأصحاب السيارات المارة... وقف أحدهم.
- "أين تريد؟"
- "هنا مصاب نريد نقله للمستشفى"
- "عشرة ريال... أين هو؟"
- "في الوادي"
- "الوادي ؟... يبدو أنك مجنون"
انطلق صاحب السيارة مولياً...
ومن هناك... رأى أبو باسم سيارة شرطة قادمة من بعيد... وقف في منتصف الطريق... لكي يجبرهم على الوقوف... توقفت سيارة الشرطة... كان بداخلها اثنان من العسكر... فتح السائق زجاج نافذته... كان منذهلاً من فعل هذا الشيخ... كاد يؤنبه... ولكن أبا باسم قال:
- "أرجوك يا عسكري... هناك جنازة... إنه ابني... مقتول... مقتول... مقتول"
انفجر الأب ساعتها بالبكاء... وخر على ركبتيه ونَحِيُبُه يقطع القلوب... نزل الشرطيان مهتمين... وسألا عن مكان القتيل... أشار أبو باسم للوادي... وفعلاً أخذ رَجُلا الشرطة الكشافَ... وانطلقا جهة الوادي... وعَبرا الممر... وهناك... وجدا الجثَّة... وبسرعة حملاها وأقبلا.
كان أبو باسم منهاراً... قد جلس بحسرة على أرض الرصيف... وقد اكتسى وجهه بحزن كبير... توقف صاحب سيارة مارة... فزع عندما رأى الشيخ في هذه الحال... ما كان منه إلا أن نزل نحوه... ثم حمله وهو أشبه بالفاقد للوعي... واتجه به للمستشفى.
وصلت السيارة التي تحمل أبا باسم للمستشفى... وحُمل لغرفة الإفاقة... وبعد لحظات... وصلت سيارة الشرطة... وبداخلها باسم القتيل... أنزل في نقَّالة... وكشف الطبيب عليه... وبهدوء الأطباء القاتل... قال الطبيب وهو يلف سماعته حول عنقه:
- "هذا الشاب قد توفى... بطعنة سكين... منذ ساعتين تقريباً... الوضع سيء للغاية... مسكين... فقد شبابه".
خبر الموت بدأ ينتشر انتشار النار في الهشيم... وسرعان ما بُلِّغ أبو حنان والأقارب والجيران والأصحاب... مِيتةٌ بشعةٌ لرجل طيب... كثير هم المجرمون... الأولى بهذه الميتة من باسم... لكنها مشيئة الله... فمن يا ترى يكون مرتكب هذه الجريمة؟... لاشك أنه رجل مجرم... لا يوجد في قلبه ذرة من رحمة... أو من لين... من هو يا ترى القاتل؟... هل من المحتمل... ولو احتمالاً لا يجاور الواحد في المئة... أن يكون هو أيضا رجلاً طيباً... لكن... المجرمون أولى بالقيام بهذه الجريمة... لا أحد يدري.
قال الطبيب في حزم:
-" القاتل لن ينجو من العدالة... ولعل أيام المستقبل... تكون كفيلة بإماطة اللثام عن أحداث مذهلة... تكشف من هو المجرم"
قال أحد الممرضين:
-"ولكن... هل من الممكن أن ينكشف السر... ويكون المجرم رجلا لا يُتنبأ بكونه مجرما... وتنكسر القاعدة... ويتحول الحمَل الوديع إلى ذئب غادر... أم أن الحمَل هو الحمَل... والذئب هو الذئب"
أبو باسم هناك... جالس في السرير... لقد تناول شيئا من المهدئات... وحالته الصحيَّة تستقر شيئا فشيئا... إلاَّ أن حزنه يتزايد... مع مرور اللحظات... كان في حالته تلك يفكر... إنه يفكر في شخص آخر... قال يحدث نفسه:
-"حتما ستصاب بفاجعة أشد من فاجعتي أنا"
قام أبو باسم من السرير... واتجه للطبيب... وطلب منه الخروج... كي يهدئ من روع المسكينة... أم باسم... وينقل لها هذا الخبر المؤلم... بطريقة تبعدها عن الصدمة... خاصة وأنها مصابة بالضغط والسكر.
في تلك الأثناء... حضر أبو حنان للمستشفى... لم يكد يستوعب الخبر الذي قيل له بادئ الأمر... ولكنه جلس على كرسي قريب... وطأطأ رأسه في أسى بالغ... ومن هناك جاء أبو باسم... قام أبو حنان مهتما... تقدم نحوه وهو يرتجف من الحزن... احتضنه في إيمان... كان يقول:
- " شهيدٌ... إن شاء الله"
- "أبو حنان"
- "نعم تفضل... قل أي شيء... تريد أن أخدمك به"
- "سأذهب لمنزلي... كي أهوِّن من وقوع الفاجعة على أمه... وأنت... اذهب لحنان... الله... الله... الله المستعان"
- "سأذهب... الله يرزقك الصبر يا أبا باسم... الحياة هكذا والصبر أجره عظيم... وبقدر الإيمان تكون المصيبة... وبقدر المصيبة يكون الصبر... وبقدر الصبر يكون الأجر... الله يرحمك يا باسم... الكل يذكرك بالخير".
2 - "الصَّدْمَة رقم 1"
حنان في منزلها... تتناهش الهواجسُ فؤادَها الغض... ويجلدُ حُبَّها الوليدَ خوفٌ عميق... ماذا يا ترى خطَّ القدرُ؟... وماذا كُتب على ذلك الشاب الذي أحبَّته... وبَنَتْ له في قلبها قصراً من الأمل؟... هل يمكن أن يكون السراب هو حقيقة ذلك الأمل... وهل يمكن أن يتلاشى حُبُّها فجأة... كما تتلاشى الأمواج العاتية فجأة؟.
رَنَّ جرس الباب... وهُرِعت حنان مسرعة... كانت الفرحة تحيط قلبها... لعله زوجها... أو هو بالتأكيد زوجها... باسم.
فتحت حنان الباب... لكن... لم يشرق الباب عن وجه زوجها... لقد بدا لها وجه شاحب بئيس... ينذر بالشؤم... إنه وجه أبيها... الذي خط البُكاء على وجنتيه لَوْحَةً قاتمةً.
وعندما رآها انفجر بالبكاء... البكاء الذي ليس له تعبير سوى التعبير عن المصائب.
بعد أن رأت حنان هذا المشهد... انهارت مباشرة... كل شيء في الحياة لا يستحق أن ينهار الإنسان من أجله... سوى حياة الأحبَّة... التي تتحول إلى الموت... وإلى الفناء والتراب.
حنان كانت تهْتَز ببكائِها... ثم تتجه لأبيها لتَهُزُّه قائلة:
- "لماذا تبكي؟"
صمت الأب... أشبه بمن فقد لسانه... وبعد تفكير قصير... رأى أن عليه أن يكون أكثر ثباتاً... بالتأكيد... إنه هو الرجل... كيف ينهار أمام ابنته... لقد جاء ليُخفف صَدْمَتها... لا يليق أبدا أن يزيد من الأزمة... ولكن قلبه لم يطاوعه... خاصة عندما رأى وجه حنان... تذكر مستقبلها وهي أرملة... أوه... إنها لم تتمتع بالزواج بعد... حتى تصبح أرملة... ولكنه تمالك نفسه... وقال لها بِسُرعة وبداهة:
- "لقد ماتت جدة باسم... نعم... لقد ماتت رحمها الله"
خف المصاب فجأة على حنان... جفت كل دموعها... وطلبت من والدها الواقف على الباب... أن يدخل... ثم قالت:
- "رحمها الله كانت مؤمنة صابرة"
- "نعم رحمها الله"
كان أبو حنان ذكياً في تخفيف الصدمة... وإعطاء الجرعة الأولى... ولكن كيف تكون الجُرْعة الثانية... إنها مهمة صَعْبة... عليه أن يتَولَّى القيام بها... انفجر الأب ثانية بالبكاء... ربَّتَتْ حنان على ظهره وقالت:
- "أنت طيب القلب يا والدي... إنها عجوز وكلنا سنموت... ثم إنك كنت أكثر صبراً من قبل... عند سماع أخبار الموت"
- "يا بنتي... لقد مات معها أبو باسم"
- "ماذا... عمي مات... كيف؟"
وانفجرت حنان باكية... وهي تقول:
- " كيف مات عمي؟"
- "مات... نعم مات... وماتت عمَّتك أم باسم أيضاً"
تمالك البُكاء كل أوصال حنان... فكر والدها... في إلقاء الفاجعة عليها... أو تركها حتى تهدأ... هل يخبرها بأنهم جميعا أحياء... وهو الذي أماتهم جميعاً... مع أنهم لم يموتوا... لكن حنان قد تموت... إن هي علمت أنهم أحياء... وأن باسماً هو الميت... وكيف مات؟... مات مقتولاً... بطعنة غادر.
- " أوه... ما ألعن الغدر؟"
قال أبو حنان في صبر:
- "يا ابنتي... يجب أن نذهب لمنزل العزاء... هيا تجهزي"
خلال دقائق... تجهزت حنان... وانطلق بها والدها للمستشفى... وعندما أوقف سيارته بجوار باب المستشفى... قال لها:
-"ادخلي..."
كان الأب حكيماً في تصرفه هذا... لقد عرف ما ستؤول له صحتها عند معرفة الفاجعة... لكنها عندما رأت مباني المستشفى قالت:
- " لماذا نحن هنا؟"
- "نريد أن نُسلي أهل العزاء... بناتهم... إنهن هنا... أريدك أن تلقي عليهن آيات العزاء... وتصبريهن... الله المستعان"
- "موقف صعب... لا أستطيع مقابلتهن في موقف الفاجعة... أريد أن تبرد حرارة المصيبة... ثم أحضر لتعزيتهن... ثم أين هو باسم... يجب أن أقف معه في محنته... هل هو هنا في المستشفى"
تلعثم الأب قليلا... ثم قال:
- "نعم... نعم يا ابنتي... إنه هنا"
وانفجر الأب ساعتها بالبكاء... ثم أمسك بيد ابنته... ودخلا للداخل... وعندما أصبحا في غرفة الطوارئ... قال أبوها في كمد شديد:
- "اسمعي يا حنان... لم تمت العجوز... ولا أبو باسم... ولا أم باسم... لكن أنت مؤمنة صابرة... وجزاء الصابرين الجنة... نعم... الجنة يا حنان... أحسن الله عزاءك في باسم ... لقد مات باسم... مات... تصبري ولا تجزعي"
نظرت حنان لوالدها بدهشة... هل هو جاد فيما يقول؟... لقد أحست أنه يمزح فيما يقوله... أو أنه يكذب.
-" كلا... باسم لم يمت...كلا"
أو ربما أحست أنها تستمع لنُكْتَة سخيفة... تستحق الضحك... وبالفعل... كادت تضحك... ولكنها دخلت في دوَّامة غريبة... ثم في إغماءة.
واجتمع حولها الأطباء... وقاموا من أجلها بالإسعافات الأولية... لم تدم هيمنة الإغماء على حنان... لقد أفاقت بعد قليل من الوقت... نظرت فيما حولها بحزن... ثم انكفأت في السرير الأبيض... وأشبعت نفسها ببكاء مُرٍ.
مَرَّ يوم حزين... وفي صباح اليوم التالي... هاهي حنان... إنها تخرج مع والدها إلى البيت.
وصلت لمنزلها... كل شيء قاتم... ولا يستحق البسمة... واستمر العزاء... ينشر الحزن على كل من عرف باسم... والناس يتوافدون... جميعهم يثني ويترحم على شابٍ لم يُعرف عنه السوء أبداً... وبعد ثلاثة أيام... انطوت صفحة بيضاء... لرجل طيب... وبقيت صفحة المجرم القاتل... تبحث عمن يفتحها... ليَفْتضِح صاحبها... وينال جزاءه.
3-" المتهم الأول"
يلقي بملفٍ أخضر... ومجموعة من الأوراق على المكتب... ثم يخلع قبعته من فوق رأسه... ويجلس بهدوء على الكرسي... ثم ينظر للكاتب أمامه ويقول:
-" المباحث الجنائية... والشرطة... لقد سخّروا كل جهودهم لفك لغز القضية... تصور... شاب قُتل... وليس له أي عدو... ولا أي خصم... من قتله؟... لا أثر ولا خبر"
-"نعم سيدي... ولكن سيكون الله مع العدالة... وَبَشِّر القاتل بالقتل... ولو بعد حين"
-"إذن سيكون أمامنا الكثيرُ من المهام... القضية قضيتنا... والمشكلة الأكبر... أن حنان زوجة المرحوم... لا تُلقي التُّهمة على أحد... مسكينة... وكيف لها أن تعرف المجرم؟... ولتوها تزوجت... وكذلك أبو باسم... إنه لا يتَّهم أحداً"
-" الجميع صدموا... من يفعل مثل هذه الفعلة... برجل مثل باسم"
قام الضابط... وسار بهدوء وهو ينظر للأرض... ثم وقف أمام النافذة... ورفع بصره وهو يحك خده بشرود... ثم قال:
- " هل دققت النظر في صالح... عندما حضر للعزاء؟... لقد كان أكثر توتراً... ثم إنه غاب عن الأنظار... غاب كلياً"
- " بم تفكر إذن؟"
- " لا... لا... لاشيء"
الفصل الخامس عشر
1 - "ناصر إلى أمه"
ناصر ينفث الدخان من شفتيه... ثم من منخريه... ثم يأخذ نفساً عميقاً من طرف سيجارته... ثم يسند ظهره بهدوء على المقعد الخشبي... في القهوة الشعبية... ويعيد إلقاء نظراته على الغادي والرائح... ثم يمسك طرف شاربه... ليدخل في حسابات دقيقة مع نفسه.
إنه محور مؤثر في مجريات الحياة من حوله... وهو لا يرضى أبدا أن يعيش على الهامش... وكلما نزع السيجارة من بين شفتيه... يتذكر بسخرية... تلك الحادثة الطارئة التي مرَّت عليه... وأدخلته في دائرة محاسبة النفس... والعودة إلى الطريق القويم:
- " التوبة... إنها السرابٌ... أو الوهم"
الحدث الأهم في حياة ناصر الآن... هو ذلك الخبر الذي سمعه عن تدهور صحة والدته... لقد مرت فترة طويلة لم يزر فيها المنزل... أكثر من ثمانية أشهر... إنه وقت طويل... ولكن العمل أهم... والمصالح التي ينتظرها الناس:
- " الترويج مسؤولية أمام الزبائن... إنها مسؤولية ثقيلة... والوفاء معهم في مثل هذه الأمور مهم للغاية... بل هو من أهم أخلاق المهنة"
مهنة ناصر الآن هي ترويج المخدرات... إنه مخلص في عملة ويحظى بنجاح يخوله المواصلة... أما الدراسة... فقد تركها كلياً... الدراسة ليست مجاله... إنه يخطط لمستقبل أكبر.
2- " ناصر إلى الداخل"
استقل ناصر سيارته... وانطلق متجهاً نحو المنزل... سيارته الآن هي ذاتها سيارته التي سرق نُقُودَ شِرَائها من خزانة والدته... وقفت السيارة أمام الباب... ونزل ناصر... طرق الباب.
فاطمة في الداخل... إنها مشغولة بهمومها الكبيرة... لقد أصبحت في الشهر السادس من الحمل... وهي تعد الساعات والدقائق من أجل النهاية... لقد تركت الدراسة بالكلية... وبقيت في المنزل... كي تقوم بشؤون والدتها المريضة... وعندما سمعت طرق الباب قامت لتفتح... كانت تظن البائع في التموينات المجاورة... قد جاء ببعض الحاجيات... التي طلبتها منه عبر الهاتف منذ قليل:
-"من؟"
-" افتحي... أنا ناصر"
تصلبت فاطمة في مكانها... لم تستطع أن تتحرك... ولم ترد بكلمة... انتظر ناصر فترة من الزمن... ثم صرخ:
-" افتحي الباب"
لم تجبه فاطمة... فكر قليلا... ثم أخرج حافظة نقوده... قلب في أدراجها... ثم أخرج المفتاح... لقد نسي أنه يملك مفتاحا لباب المنزل... فتح القفل.
وعندما دخل... بدأ يطالع ما حوله... كانت فاطمة منـزوية قليلا بجوار الباب... نظرت إليه برعب... أصابها شبه صدمة... ألقى السلام في تكبر ملموسْ... فاطمة لم ترد السلام... نكست رأسها في استسلام... إنها منذ فترة طويلة وهي تنتظر اليوم الكئيب... الذي ستقابل فيه ناصر... وهي تحمل جنين الإثم في بطنها... لم يعد الآن بطنها ليُخفي ما بداخله... فكيف يخفى على ناصر... صاحب الملاحظة السريعة.
دخل ناصر... وتبعته فاطمة بهوان... ألقى إليها نظرة طويلة... ثم سألها:
- "أين أُمي؟"
- "بالداخل"
- "هل أنت مريضة؟"
- "لا.."
نظر إليها نصف نظرة... وعيناه تقدحان شرراً... ثم قال:
- "لماذا بطنك هكذا؟"
- ...
- "قولي... ماذا حصل؟... هل تزوجت بغير علمي؟"
- ...
- "قولي..."
أطرقت فاطمة بعينها للأرض... ثم ولت هاربة بكل سرعة... لكنّ ناصراً لَحِق بها... أمسكها من ثوبها... وجرها نحوه... وهو يقول:
- "إياك أن تقولي... أنّك...؟..."
في تلك الأثناء... لقَّنها لَطْمة قوية... وأرْدَفَها بِركلات... وارتفع صُراخ فاطمة... ومن هناك... أقبلت الأم... وهي تُحرك عجلات عربَتَها... كانت تنادي:
- "يا ناصر... يا ناصر"
التفت ناصر نحو والدته... كانت عيناه تثوران شررا... استغلت فاطمة الفرصة... أفلتت... وانطلقت هاربة... نظرت هنا وهناك... كان تبحث عن مكان تلوذ به... لم يكن أمامها سوى باب دورة المياه... ولَجَتْ مع الباب إلى الداخل... وأقفَلت على نفسها هناك.
في تلك الأثناء... أقبل ناصر على والدته وهو يُرغي ويزبد... أمال ظهره عليها وهي جالسة في عربتها... ثم هزها من تلابيبها بعنف... وقال بغيظ:
- "ماذا فعلت فتاتك المأفونة؟... ماذا فعلت؟... قولي يا عجوز النحس والفضائح"
أمسكت الأم بيديه الغليظتين... أبعدتهما عن ذراعيها... كانت مشاعر الأسى تلهب كيانها وهي تمسك يدي ابنها... الذي ربته سنين طفولته... وحرمت نفسها كل شيء من أجلة... يداه اللتان كانتا صغيرتين ضعيفتين... أصبحتا تهزانها الآن... بكل عنف... زفرت الأم زفرة طويلة... وأخرجت دموعاً حارة... تعبر بها عما في قلبها المجروح... لكن ناصراً فاجأها بقوله.
- "هذه تربيتك... نعم يا جاهلة... لقد أهملتِ ابنتك... حتى حملت العار للأسرة... لماذا تركتيها تفعل هذا؟... ألا تَخْجَلين يا عجوز؟... يا عجوز... ألا تخجلين مِن فعل ابنتك... أمْ تُراك راضية بما فعلت؟... لن أغفر لكم أبداً... سترون ما أصنع"
جفَّفَتْ الأم دمعها بقفا يدها... ونظرت إلى ولدها نظراتٍ ذات معاني كبيرة... ثم قالت:
- "يا وقح... يا سافل... يا حقير... تُثَرثر بالكلام هكذا... ولم تسأل نفسك يوماً... عن أمك... أو أختك... أنت سبب كل شقائي وشقاء أختك... يا سارق... تركتنا في فقرنا... وفي وَحْدَتِنا... وذهبت... سرقت ما جمعناه لأجرة المنزل... وذهبت... قاسينا كل أصناف الفقر... شارفْتُ أنا على الموت... ولم تسأل عنِّي... وأتيت الآن... أتيت لماذا؟... وما دَخْلُكَ أنت بهذه الأسرة؟... وما دخلك بالمنزل؟... أنت لستَ ولدي... ولا أعرفك... ولدي مات... يا ليتك مت من قبل... يا عاق أمك... لو كنت تملك ذرة من رجولة... لما تركت أمك وأختك... بعد أن توفي أبوك... تركتهم وكأن أمرهم يَعْني الجيران... أكثر مما يعنيك... وماذا تفعل فتاة في سن فاطمة؟... تُفطِرُ على الفقر... وتتعشى عليه... وأخوها يلعب في كل ملعب... ويرتع في كل مرتع... ماذا تفعل؟... ثم... هل تدري لماذا فعلت أختك كل هذا؟... لقد أخبرتني بالقصة... دون أن أطلب منها ذلك"
فتحت الأم... حقيبتها البنية المتهالكة... بيدها اليمنى... التي بالكاد تتحرك معها... تم أخرجت ورقة صغيرة... وأكملت:
- "انظر يا وقح... هذه الورقة... إنها سبب كلِّ المشاكل... ورقة مشئومة... أتدري من أحضرها؟... إنه أنْت... أنت يا سافل... لقد سقَطت منك وأنت في منزلنا الطّاهر... نعم... دَخَلتِ الرذيلة عن طريقك أنت... هذه الورقة هي سبب كل المصائب... قرأتها فاطمة... وهي جاهلة بكل شيء... لم تكن تعلم أن في الحياة سوءاً أو إثماً... تعلمت الإثم على يديك... أنت بِنَفْسك من فَتَح لها أبواب الإثم جميعاً... ثم تأتي الآن... لتلومني... وتتطاول بيدك عليَّ...أنت تافه... حقير... أنت صفر... لا تصلح لشيء... مثلك يجب أن يحترق... ويتلاشى من الحياة... يا بائع أهله... اخرج من بيتي... اخرج... هيَّا... لا تُرني وجهك أبداً بَعْد اليَوم"
كانت أسنان ناصر تَحْتَك في بعضها من الغضب... أحس أنه يتضاءل أمام تلك الكلمات... أحسَّ أنه يتلاشى... أراد أن يرد اعتبار نفسه... ازدادت ضربات قلبه... واحمر وجهه... بعدها قال:
- "اسمعي جيداً... لن أترك هذه الفتاة... التي تُدْعى ابنتك... وتُدعى أختي... لن أتركها تحمل عارنا للأبد... وَسَتَرين ما سأفعل"
نظرت الأم لقسمات وجه ابنها الغاضب... لم يكن بيدها حيلة... نظرت للسماء... وقالت:
- "يا رب انصرني على ولدي... يا رب أرحْني منه... ومن حياته... يا رب خذه أخذ عزيز مقتدر"
اتجه ناصر إلى باب الحمام... بدأ يدق عليه بكل عنف وبكل قوة... كان يصرخ ويقول:
- "اخرجي... افتحي... أقسم أنَّي لن أتحرك من هنا... إلا بعد أن أشرب من دمك"
3-" صراع مع السكين"
سمعت الأم كل ما قاله ناصر... جالت أفكارها في كل مكان... بدأ قلقها يتزايد على حياة فاطمة... رأت باب دورة المياه يهتز ويهتز... أمام ركلات ناصر... خطرت لها خاطرة غريبة... اتجهت بِعَرَبتها نحو المطبخ... نظرت هنا وهناك... ثم مدت يدها بارتعاش... وفتحت أحد أدراج الخزانة... وأخذت سكيناً حادة... نظرت إلى سكينها بحزن بالغ... ثم نظرت في قدميها... حاولت أن تقف على قدميها... حاولت بكل قوة... ولكنها لم تستطع... بدأت تدير عربتها... لقد كانت عازمة على قتل ناصر... القضاء عليه بأي وسيلة... إنه عمل غير صالح... مثله لا يستحق أن يشم الهواء... أو يشرب الماء... مرَّت في مخيلتها صور كثيرة... لها ولابنها ناصر... كانت تدفع العربة وتستعيد تلك الصور... عندما كان رضيعاً... ثم طفلاً... ثم شاباً... تذكرت تفاصيل كثيرة... قد اندثرت من ذاكرتها... تذكرت بسمتها له... وملاعبتها إياه... تذكرت تضحيتها من أجله بكل شيء... تذكرت حُبّها وحنانها الذي مَنَحَتْه له... تذكرت سهرها في الليالي الطويلة من أجله.
أوقفت الأم دفع عجلات عربتها... نظرت للسكين بحزن:
-" هل ستُزهق هذه الشفرة... روح ذلك الطفل... الذي ارتسمت صورته البريئة... وهو يمصُّ ثَدْيي ويبكي... وارتسمت صورتي وأنا أجزع لبكائه... وهل يُعقل أن ذلك الطفل البريء... هو عينه هذا الشاب المجرم"
رجعت الأم بعربتها للوراء... وأعادت السكين إلى مكانها... ودفعت العجلات ثانية... كي تخرج من المطبخ... سارت العجلات قليلا... وعند باب المطبخ... ألقت بصرها هناك... رأت ناصر... وهو يحاول كسر باب دورة المياه... بكل قوة... سمعت فاطمة وهي في الداخل تصرخ وتصرخ... وتستجير بأمها... ثم سمعت ناصر وهو يرد عليها:
- " لن أذهب... حتى أشرب من دمك"
عادت الأم ثانية للمطبخ... وحملت السكين نفسها... واتجهت تُدير كفرات عربتها من جديد... كانت متجهة نحو ناصر... لقد أخذت القرار النهائي:
-" الموت... القتل... سينتهي المسلسل الرهيب... بالقتل... وسيموت ناصر... لأنه يجب أن يموت... يجب أن يموت... هذا ليس ناصراً... الطفل الوديع... هذا مخلوق آخر... هذا ليس ولدي... هذا إبليس... ويجب أن يموت إبليس... حتى ولو كان في جسم ناصر... أو شكله"
4-" الخيارات المتعددة"
من داخل دورة المياه... كانت فاطمة تدير عينيها بذعر وقلق... وتنظر للباب الذي بدأ يهتز... ثم تنظر لبطنها المثقل بالإثم... ثم تغمض عينيها بخشوع:
- " لابد أنَّ ناصراً سيقتلني... حتماً سأموت اليوم"
نظرت يمنة ويسرة... ضربات قلبها تزداد... بحثت هنا وهناك... فاطمة تبحث عن شيء ما... وأخيرا رأته... السلك الذي يَصل سخَّان الماء بالكهرباء... إنه متصل بالكهرباء... ومُتَّجه للسخان... وكان السلك بطول مترين... ذهن فاطمة ذهب للبعيد... هذا السلك كافٍ جداً لإتمام العملية... مدت فاطمة يدها بتوتر... نزعت السلك من الجدار... ثم رفعت يدها ونزعته بقوة من السَّخان.
نظرت حولها... هناك سلة فارغة... توضع فيها الملابس... تقدمت فاطمة نحو السلة... صعدت عليها بهدوء... ورفعت بصرها للسماء... كانت تنظر في هيبة وخشوع... وبدأت تربط السلك في نافذة الحمام المُقاربة للسقف.
وفي الجهة الأخرى... كانت الأم متصلبة بجوار باب المطبخ... إنها تفكر في الطريقة التي تتغلب بها على بطء عجلات العربة... لتنقض على ناصر.
وهناك أيضاً... الشاب المنفعل... ناصر... إنه واقف عند باب دورة المياه... يفكر في الوسيلة التي سيصل بها لأخته... هاجسه الوحيد... يدور حول عملية قتالها.
فاطمة أخذت القرار النهائي... لقد بدأت تدير الحبل حول رقبتها... إنها تفكر في القتل... قتل نفسها.
مرت لحظات... السلك مربوط حول رقبتها ربطا متقناً... وهي الآن واقفة فوق سلة الملابس... لم يعد بينها وبين الموت إلا أن تدفع السلة يمنة أو يسرة... وعندها ستسقط السلة... وستتلاشى الحياة من أمام عينيها... وستنتهي معاناتها الطويلة.
صور مذهلة تتحرك لقطاتها في هذا البيت الكئيب... وتتربع في أعلى درجات الفظاعة... ولكنها الحقيقة... الموت... الكل يتربص الموت بأقرب الناس إليه... حتى فاطمة... إنها تتربص الموت بنفسها... كلهم يريد أن يكون قاتلاً... ما هذه الفاجعة التي حلت على هذا المنزل؟.
- " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"
باب دورة المياه أوشك على الفتح... والأم هناك... عزمت على التقدم بعربتها... وهي تخفي سكِّينها... وفاطمة أوشكت على دفع السلة... من يا ترى سيموت أولاً؟... ومن سيموت ثانياً؟... ومن سيموت ثالثاً؟.
مر وقت فظيع... ركلات ناصر على الباب تزداد... وتزداد... إنها تكاد تحيط بكل شيء في رأس فاطمة... وفي رأس الأم المتهالكة تحت وطأة همومها.
فاطمة واقفة فوق السلة... ورقبتها محاطة بالسلك... لحظات فقط تنتظرها... لتخرج من المعاناة... وكلما أرادت دفع السلة بإحدى قدميها بعيداً... توقفت لتستنشق آخر شهقة من الهواء... قررَّت في النهاية إلقاء السلة بعيداً... ولكن... ودون سابق نذير... تذكرت النار... تذكرت عقوبة السقوط في الحرام... جدّدت توبتها للمرة الأخيرة... وقالت:
- " أشهد أن لا إله إلا الله... آخر كلمة من الدنيا... لا إله إلا الله"
وبدأت في تحريك السلة... شيئا فشيئا... لكنها تذكرت عقوبة قاتل نفسه... يا لها من عقوبة... لقد نسيتها... نسيتها تماماً... في خضم وعيد ناصر... وركلاته المتتابعة... لم تخطر لها أبداً على بال... فما بالها الآن تنقدح في ذهنها؟!:
-"{ولا تقتلوا أنفسكم}"
تردَّدت فاطمة قليلاً... قررت أن تبقى هكذا... لم تعد تجرؤ على دفع السلة... أو على الإقدام على الموت... ستبقى هكذا حتى يدخل ناصر... ويقتلها شر قتلة... القتل أهون بكثير من الخلود في النار.
- " قبحك الله يا ناصر... يا أبا المشاكل... أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد ألا إله إلا الله... أشهد ألا إله... إلا الله"
بقيت فاطمة في تسليم كامل تردد هذه الكلمة... وبدأ الباب يتزعزع... وبدأت مُفَصِّلاته في الانخلاع من مكانها... عَزَمت فاطمة على النزول... بدأت في فكِّ السلك... ستقابل ناصر... ستتعارك معه... وربما ستقتله... أو يقتلها... لا يهم... ارتفعت رجلها قليلاً وهي تعالج السلك... أرهبتها ضربات ناصر... المياه في الحمام مجتمعة تحت السلة.
وفجأة... تنزلق السلة... دون سابق نذير... ودون أي مقدمات... بدأ توازن فاطمة يختل... وجدت نفسها تهوي للأسفل... ورقبتها ورأسها يُشدان لأعلى... لم يطل الوقت... لقد فُتح الباب... وصَرَخَتْ فاطمة... كان رأسها مشنوقاً وجسدها مُدلى... وشهيقها يرتفع وينخفض... لترتفع معه روحها... الآن... فاطمة ستموت.
فاطمة لم تقتل نفسها... وناصر لم يقتلها... وفي تلك الأثناء دخل ناصر فَزعاً لسماع الصراخ... ألقى بصره إليها... إنها هنا... هنا... جُثَّة ميِّتة... مُعلقة في السلك... صرخ لرؤيتها... وخرج هارباً.
أقبلت الأم من هناك... كانت تدفع عربتها بسرعة... كي ترى ما يحصل في دورة المياه... ألقت بصرها في قلق... وهناك... رأت ما لم يكن بحسبانها... المنظر المفجع... الذي لم تكن تصدق أن تراه لحبيبتها... فاطمة... الصمت وحده من يتحدَّث هنا... والكل صامتون... والجسم المشنوق يلقي عبارات قاسية من الحرمان... والشعور بالظلم... عينان جاحظتان مفتوحتان... ولسان أصفر... يخرج من طرف الفم... ورأس مائل... للأمام... وشعر حريري... مسدول.
5-"أم ناصر إلى أين"
الموت الرهيب هنا يفرض رهبته... لقد ماتت فاطمة... في دورة المياه... مشنوقة... لم تستطع الأم أن تُصدق هذا... أو تتخيله... فغرت فمها... وتصلبت على المنظر المذهل... وجمدت في مكانها... مكثت قليلاً... ثم سُمِعَتْ وهي تبتلع بعض ريقها... عجوز نالت منها المصائب كل منال... وأذابتها حسرة وكمداً.
أغمضت المسكينة عينيها وهي تتمنى الموت... ولكنها لم تزل حيَّة... حاولت تحريك يديها... لم تستطع... لقد أصبحت كجلمود صخر... وهي جالسة في عربتها.
رأى أحد الجيران خروج ناصر مذهولاً من المنزل... دعاه في حيرة... ولكن ناصراً لم يجبه... وفضولاً أقبل الرَّجل نَحْوَ منزل أم ناصر... إنه نفس الرجل الذي حملها في الأيام السابقة للمستشفى... وعندما وجد الباب مفتوحاً... استأذن... ودعا بأعلى صوته:
- " أم ناصر... أم ناصر"
ولكن... لا مجيب... سأل نفسه:
- " ماذا حصل يا ترى؟... أم ناصر ... أم ناصر"
دعاه فضوله... كي يتقصَّى الحقيقة... لم يكن أبداً يحدِّث نفسه بِمَا في داخل المنزل... كم كانت دهشته عندما رأى أم ناصر... المرأة العجوز... وهي أشبه بتمثال من لحمٍ ودم... تمثال قد تسمرت عيناه وتصلب بدنه... فلا حراك ولا روح.
- " أم ناصر... أم ناصر"
لا مجيب... اقترب منها أكثر... كي يكشف ما أَلَمَّ بها ... ولكن:
- " ماذا هناك؟"
أعْيَا المشهد المُذهل عينيه... وأوقف قدميه... مَشهَدُ فتاةٍ مشنوقة متدلية... في دورة مياه... مشهدٌ بشع أقصى البشاعة... فتاة في مقتبل عمرها... وزهرة شبابها... وأتم نضارتها وجمالها... تتدلى ميتة... وينسدل شعرها الفاحم... على وجهها... الموت رهيبٌ... والنظر إليه وهو جاثم على جسم إنسان... أرهب وأرهب... فكيف به إن جثم على بدن فتاة تُرسم عليها أروعُ قَسَمَاتِ البراءة واللطف... وبتلك الصورة المفجعة... تَصَلَّب الرَّجل أمام المشهد... كأنه مصلٍ خاشعٌ... في محراب الصلاة... وسُرعان ما عَادَ لَهُ رُشده... وعادت له حالته الطبيعية... وبدأ يفكر بعمق... لماذا هذه الفتاة متدلية بهذه الطريقة... ولماذا أمها هكذا... انقدح في ذهنه شَرَرُ الخوف:
- " ماذا؟... قد أتهم بهذه الجريمة الفظيعة... أعوذ بالله... هل أبلغ الشرطة... أم أهرب... وأتجاهل الوضع... أم أتصل بالإسعاف... يبدو أن هناك احتمالاً ما... بأن الأم لازالت حيّة"
بعد سجال مع نفسه... قرر الرجل أن يهرب... حملته قدماه... وذهب لمنزله:
- "ومَالي وَوجَع الرأس"
مرت لحظات على ذلك الجار... كان القلق يهز أوصاله... ولكن ضميره بدأ يؤنِّبه... بمجرد وصوله المنزل... قرر الاتصال بالشرطة والإسعاف... مهما دفع مقابل ذلك من ثمن... ثم إنه قد دخل المنزل... الذي حصلت بداخله الفاجعة... وقد يكون هناك من رآه وهو يدخل لمنزلهم... ومعنى تجاهله للوضع أنه مشارك في الجريمة... ليتَّصل وليفعل الله ما يشاء:
- "ألو... الشرطة... أحد المنازل المجاورة... رأيت رجلاً يخرج منه بصورة مُريبة... المنزل لامرأة وبنتها... وباب المنزل لم يزل مفتوحاً... أخشى أن يكون هناك أمر مريب"
- "رجل خَرج من منزل؟... وما دَخْلك أنت... أرجوك بلاش بلاغات غير موثقة"
- "أقول لك الأمر مريب... أنت تتحمل مسئولية هذا البلاغ"
- "اللهم طوِّلك يا روح... أين العنوان؟"
- "العنوان..."
بعد دقائق... حَضر رجال الشرطة... وكان الجار في استقبالهم بجوار منزله... أشار إلى بيت جارته المقصود... دخلوا المنزل بحذر... بدءوا يبحثون هنا وهناك... وفي الصالة... أوقفهم المشهد الرهيب... الأم في عربتها دون حراك... وأمامها في دورة المياه... فتاة شابة... إنها مشنوقة ومتدلية... ذهلوا مما رأوا... واتصلوا مباشرة بالإسعاف... وأكملت عملية إجراء البصمات.
حملت الأم للمستشفى... وعند الكشف الأوليِّ... قرر الطبيب أنها لازالت حيّةً... ولكن... يبدو من الأعراض المبدئية لحالتها... أنها أصيبت بجلْطة... جلطة ثانية... أما قرار الطبيب عن الفتاة فهي ميتة بالشنق.
حُلِّلت البصمات التي على السلك... والتي على الجدار... وكانت النتائج تؤكد أن البصمات هي بصمات الفتاة... إنها عملية انتحار.
ستوضع الجثة في الثلاجة... حتى يتبين الوضع بشكل أكبر.
6-"أم ناصر... والقرار الأخير"
بعد يومين... أفاقت الأم... بعينين حزينتين... وقلب منكسر... قلَّبت طرفها فيما حولها... وبدأت تستعيد الذكريات... إنها تتحدث ببطء... وأكثر ما تقول:
- " رحمك الله يا فاطمة... رحمك الله يا ابنتي"
ومن هناك... أقبل ضابط الشرطة... لأخذ أقوالها... الضابط قابل الطبيب... واستأذنه في الدخول على أم ناصر... ولكن الطبيب قال له:
- "لا يمكن الحديث معها الآن... خاصة فيما يتعلق بابنتها المنتحرة... إنها مُصابة بصدمة عصبية شديدة"
عاد المحقق أدراجه... على أن يأتي في موعد أكثر مناسبة... وبعد أسبوع... كانت حالة الأم النفسية أكثر تَحسُّناً... حضر الضابط... وبعد أن سمح له الطبيب بمقابلتها... قال بتأثر:
- "أحسن الله عزاءك"
- "الحمد لله على كل حال"
- "سندخل في الموضوع مباشرة... أنت تعلمين... أن فاطمة قدمت لرحمة الله... كانت... كانت هي المنتحرة... هل لديك أيما أقوال؟"
فكرت أم ناصر... تذكرت ناصراً... أغمضت عينيها:
- "لماذا لا تقول إن ناصراً هو القاتل؟... كي يموت هو أيضاً... وترتاح الدنيا من شره... إن بقاءه عناء لها وللعالم"
لكنها قالت:
- "نعم هي التي... قتلت... وحدها"
- "قولي لي إذن... من كسر الباب؟"
- "أخوها ناصر"
- "أخوها؟... وأين هو الآن؟"
- "ناصر... إيه... ناصر... نعم... لقد ذُهل من شدة الصدمة... عندما رآها مُعلقة... كما ذهلت أنا تماماً... ولكن لم يصبه ما أصابني... ولم يَسْقطُ... وإنما انهار وولى هارباً... مسكين يا ناصر..."
- "أين هو يا أمي؟"
- "لا أدري"
- "إذن... لا تطلبين أي شيء... في قضية وفاة ابنَتك؟"
- "لا أحد... ولماذا السؤال؟"
- "لكي يتقرر دفنها"
- "يرحمها الله... هذا قضاء الله... ولا رادَّ لقضائه"
- "شكراً يا أمي"
تركها الضابط وهي تبكي... وانصرف متأثراً.
مرت الأيام بطيئة قاتلة... أم ناصر في سريرها الأبيض... داخل المستشفى... الأطباء يرعون صحتها بشكل دوري... ويقدرون تماما حالتها الحرجة... التقرير النهائي في أيديهم... يؤكد أنها مصابة بشلل رباعي... شلل كامل... للأيدي وللأرجل.
وبعد أدائها لصلاة الفجر... جلست في السرير... ستحضر لها خادمة المستشفي شيئا من القهوة.
حضرت القهوة... وسكبت الخادمة فنجانا... فاحت رائحة القهوة الخضراء بداخله... حتى عمت الغرفة... ومدت الخادمة الفنجان ناحية أم ناصر... أرادت المرأة العجوز أن ترفع يدها... حاولت بكل جهدها... ولكن دون فائدة... أغمضت عينيها بألم... وبدأت تحدث نفسها والفنجان يقترب من فمها... ولكن... بيد الخادمة... لا بيدها:
- " لا حراكَ بعد اليوم... ولا ذهاب ولا إياب... المكوث في السرير... هذا هو القرار النهائي والحاسم... لحياتي المستقبلية... كان دائي... شلل في الأرجل... كانت حياتي أرحم بكثير... كنت أدفع العربة... أذهب وأجيء... وأقوم بشؤون نفسي... وكانت فاطمة بجواري... أما الآن... فهذا حكمٌ مؤبد... بالمُكوث في السرير... لن أتعامل مع العَالم... إلا بلساني وَبَصَرِي... أمَّا بدني فهو لاشيء... بالنسبة لهذا العالم"
وصل الفنجان لشفتيها... وبدأت تشرب.
بقيت الأم في المستشفى.. إنها مؤمنة بما قَدَّرَ الله... أنيسها الوحيد... هو الذكر لله... والصبر على حكمه... عما قريب ستخرج من المستشفى... ماذا عساها تفعل؟... هي الآن غير قادرة على الحياة بمفردها... لا بد لها من عائل يساعدها على دحرجة أيام الحياة القادمة... إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا... أما منزلها المستأجر... فقد عاد ملكاً لصاحبته... ليس لها الآن أي تصرف فيه.
وبعد حديث بين العجوز وأحد الأطباء... تقرر نقلها لدار الرِّعاية... كي تقضي هناك ما تبقى لها من العمر.
ناصر... اختفى من حياة الأم... أشبه بمن دخل في سبات شتوي... وربما لم يكن نائما في سباته ذاك... ولكنه يعمل بجدٍ ونشاط... ويمارس عملاً دءوبا لا يعرف الكلل... فهل ينجح في النهاية... لتحقيق مراده... أم أن الدائرة ستدور عليه... هذا ما نرجو معرفته... في الفصول القادمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق