الثلاثاء، 22 يونيو 2010

قبلة من فم العنكبوت " الجزء الأول "

الجزء الأول

الفصل الأول

1 ـ "أسرة أم ناصر"

البلبل الصغير... ذو القبّعة الصفراء... والمعطف الأخضر... هناك في قفصه.

إنه يغرد بصوت بهيج... ويترنم بألحانَ عذبة... تتسلل بانسجامٍ تام... عبر جوانب قفصه الفضي اللامع.

وقفصه الصغير... ذو الغطاء البرتقالي الباهت... لا يشغل سوى رفٍ صغيرٍ... من أرفف الدولاب الحديدي القديم... الموضوع دون عناية... في غرفة الجلوس الكبيرة بعض الشيء.

امرأة عجوز... جاوزت الخمسين بقليل... تجلس بركود وعفوية... على قطعةِ "الموكيت" البالية... ذات اللون الأحمر... ويبدو أنها تقوم بعمل ما... فهي تحمل في يُمناها قطعةً صغيرةً من الإسفنج المبتل... وتحمل في يسراها صينيةً مُلئَت بالماء والصّابون... وعند التدقيق في ملامحها... يبدو عليها الإجهاد والإعياء... عَرَقُها يَتَصَّبب بغزارة... وصوت زفراتها مرتفع... وهي ترتاح قليلاً... ثم تُعاود الدَّلْكَ.

شيءٌ غريبٌ يبدو على حركات يدها المرتعشة... فهي تارة تمسح العرق المتفصد على جبينها... وتارة أخرى... تمسح دموعاً تذرف من عينيها... ويبدو أنها مع إجْهادِها ذاك... حزينة أشد الحزن... ويبدو أيضاً... أنها تهرب من حزنها الدَّفين... إلى العمل... حتى ولو بأشياء غير مفيدة... وهي فيما يبدو... تحمل أسرار المعاناة... المعاناة الرهيبة.

في تلك الأثناء يُطرق الباب...

ترتبك العجوز... وتنظر هنا وهناك... بكل اهتمام... ثم تضع القطعة الإسفنجية في الصينية البيضاء... ثم تسند يديها على الأرض... وتقوم على عجل... لتفتح الباب.

لحظات سريعة... وتدخل فتاةٌ نَضِرة المحيَّا... بشوشة الوجه... وسيمة الملامح... لا يظهر عليها أبداً أي علامات الكدر... تفرد ابتسامتها علي وجهها بصفاء... ثم تُقبّل رأس أمها... وتقول:

- " السلام عليكم... ورحمته"

ثم تتقدم قليلاً... وتمد يدها بخفة جهة القفص... وتقول:

- " السلام عليكم يا عصفوري"

تردُّ الأم في هدوء وهي تدفع الباب لتُقفله:

- " وعليكم السلام يا ابنتي فاطمة... أهلاً بك"

ترتدُّ الفتاة لتنظر لأمها بدهشة... ثم تقول:

- " أوه... ألا زلت تقولين فاطمة؟"

- " نعم فاطمة!... وماذا أقول إذن؟... أليس اسمك فاطمة!"

- " ألم نتفق من قبل... على تغيير اسمي إلى فاتن... فاطمة اسمٌ أثَري... يصلح تماماً كتحفة توضع في الفلكلور"

- " اسمك يا ابنتي... أثَرٌ من آثار والدك المرحوم... لا يليق أبداً أن نغيره"

- " لا علينا الآن... ماذا أعددت لنا من غداء... أكاد آكل عصافير بطني"

- " اذهبي يا ابنتي لتغيير ملابسك... يجب أن ننتظر قليلاً حتى يحضر ناصر"

- " ناصر!... ناصر!... ومالنا وناصر!... لنترك غداءه جانباً ونتغدى نحن"

- " ما هذا الكلام؟... أنت تعرفين ناصر يا ابنتي... ولد معاند... يبحث عن أدنى سبب ليَسُبَّ ويشتم"

- " ومالكِ وله... ليحترق في أكبر تنور... أتخافين منه... وأنت أمه... والله أمهات آخر زمن"

- " آخر زمن؟... أول زمن؟... قلت لك لابد من انتظاره... حتى الساعة الثانية... فإن حضر... وإلا تغدينا"

- " عن إذنك يا أمي... أنا سآخذ غدائي... وأتغدى وحدي... وأنت عليك انتظار ابنك ناصر"

أغمضت العجوز عينيها... وهزت رأسها في تسليم.

فاطمة وناصر أخَوان... ناصر يكبر فاطمة بأربع سنوات... ويدرس الآن في الصف الثالث الثانوي... ووالدهما متوفى منذ عشر سنين... وحين توفي... ترك في ذمة الأم... مسؤولية تربية الأبناء... لم تدَّخر الأم جهداً... لقد بذلت كل ما في وسعها... إلا أنها تغمض عينيها بحزن... كلما شعرت بإخفاقها في تربية ناصر... وتبدأ في لوم نفسها لوماً جارِحاً... وتبكي بكاءً مرّاً.

وضعت فاطمة غداءها في صحن صغير... ثم جلست في إحدى زوايا المطبخ... جِلسة مربعة... وبدأت في الأكل بسرعة... كي تذهب بعد ذلك إلى فراشها... فهي تحرص دائماً على فترة قصيرة من النوم... بعد تناول الغداء... خاصة وأنها تجهد نفسها كثيراً في الدراسة... وهي الآن في السنة الثالثة من المرحلة المتوسطة... وتفكر دائماً في المجموع... ونسبة النجاح... والتفوق... لأن لها طموحات كبيرة كما تقول... وتريد أن ترفع اسم العائلة... بعد أن نكَّسه ناصر.

أنهت فاطمة غداءها... وذهبت لسريرها.

2- "ناصر إلى الداخل"

مر الوقت سريعا... وبعد ساعة... فُتح باب المنزل... وبدأ قلب الأم يرجُف... لقد حضر ناصر... الابن المُسْتَهتر... الذي لا يقرُّ له بال... حتى يُنغِّص العيش على كل من بجواره.

عمَّ الصمتُ جميع أرجاء المنزل... وسُمع صوت إلقائه بالكتب على أحد المقاعد... وبدأ بعدها النداء:

- " حضِّروا الغداء"

انطلقت الأم فزعة... لتُباشر تحضير الغداء.

الغداء الذي أعدته الأم في ذلك اليوم... لا يعدو كونه نصف دجاجة... مع قليل من الأرز... وصحن من الملوخية.

فتحت الأم القِدر بهدوئها المعهود... لكنها فوجئت بما لم يكن في حسابها... وضعت يدها على رأسها... وبدأت تحدث نفسها:

- " يا كافي!... يا كافي!... فاطمة... هذه المجنونة... لقد أخذت فخذ الدجاجة... وتغدت به... وهذا يعني أن ناصراً... سيُلزم بأكل الصدر... مع أنه لا يحبه كما يقول... ما العمل يا ربي... ما العمل إذن... يا ستار "

أحسَّت الأم بمطرقة الخوف... تطرق جدران قلبها... لكنها تناست ذلك... وبدأت بالتحضير.

وضعت الأم الغداء في صحن أبيض صغير... وحملت الصحن... وسارت متجهة لغرفة الجلوس... كان ناصر جالسا في استرخاء... وضعت الأم السفرة بين يديه... ثم وضعت الطعام... صدر الدجاجة مع الأرز... وصحن الملوخية مع الخبز.

نظر ناصر إلى السفرة بهدوء... بدأ يدقق النظر فيما وُضع عليها... تسمَّر بصره قليلاً... وانتفخ أنفه... ثم صوَّب نظره في أمه... وقال:

- " أين الغداء؟"

- " بين يديك... هاهو الغداء... أمامك يا ناصر"

- " أتُسمين هذا غداءً... هذا "......"؟"

- " احمد ربك يا ناصر... لا تسب النعمة... الفقراء لا يجدونها"

- " نعمة... أي نعمة... من أكل فخذ الدجاجة... ثم... هل سيكفي هذا الغداء... لثلاثة أشخاص؟"

ارتبكت الأم قليلاً ثم قالت:

- " أنا صائمة يا ولدي"

- " وفاطمة؟"

- " فاطمة نائمة"

- " نائمة... نعم نعم... الآن عرفت... لقد تغدَّت كما تريد... وبدون أي احترام لأخيها الأكبر... وتركت لي "الفضلة"... ولكن... سأعلمها كيف يكون الاحترام"

وخلال خمس دقائق... كانت فاطمة تبكي في غرفتها من آثار الضرب... وناصر يضحك... ويتناول طعامه بكبرياء.

هذا المشهد مألوفٌ لدى الجميع... تراه الأم والبنت كل يوم تقريباً... لقد أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الباهتة.

3- "أمام السفرة"

جلست الأم أمام ولدها ناصر... وبدأت تنظر إلى اللقم التي يُلقيها في جوفه... صحيح أنها جائعة... وتشعر بحاجة ماسة للطعام... ولكنها زعمت أمامه أنها صائمة... كي تُهدئ ثورته... ليتها صامت... لكان لها مع الجوع أجراً... ولكن يبدو أنها ستنتظر ما سيتركه لها ناصر.

قررت الأم أن تتجاهل ناصراً الآن... وتتركه لتدخل في دوامة حساباتها المالية... التي لا تنقطع أبداً... فهي كلما جلست في خلواتها... تباشر من جديد... توزيع الدخل المتدني... على مصارف الحياة الصعبة... لذا بدأت تحدث نفسها:

-" لإيجار الشقة... ثمانمئة ريال... شهريا... هذه أضعها جانبا... وخمسمئة ريال تقسم على مصاريف الأكل والشرب... والفواتير... ومصاريف الأولاد... لو اشتريت كرتوني دجاج... وكيس أرز صغير... ثم وزعت الرز في ثلاثين كيساً صغيراً... أو... لا... لا... أشتري كيس رز كبير... وأوزعه في تسعين كيسا صغيرا... والسكر هو الذي أشتري منه كيسا صغيرا... وفي المرة القادمة أشتري كيس سكر كبير... وكيس رز صغير... والدجاج نشتري الكرتون الأول مع استلام التقاعد... أما الكرتون الثاني فأشتريه في منتصف الشهر... أوه... ولكن... إيجار الشقة... نعم... سأقتطع من الراتب إيجار الشقة... ثمانمئة ريال... بمجرد استلام التقاعد... وأضعه في الدولاب... كي يرتاح بالي... ومع نهاية كل ستة أشهر... نسلمه لصاحب العمارة... وصلى الله على سيدي رسول الله"

هكذا غرقت العجوز في حساباتها... التي لا تملها مهما طال الزمن.

4- لماذا كل هذا؟!

أسرة أم ناصر... ذات دخل متدنٍ جداً... لا يجاوز ألفاً وثلاثمئة ريال شهرياً... وهو التقاعد الذي ظفرت به الأم وأبناؤها... بعد وفاة الأب.

كان عمل الأب في حياته متواضعاً جداً... فهو يعمل حارساً لإحدى مدارس البنات... وعندما حلّ القدر عليه... توفي بالجلطة... وكان حينها في سن دون الستين... ولعله بموته ارتاح... وترك الأعباء الجسام وراءه... لتتحملها امرأته الأرملة.

5 - الواجب

عينان شاحبتان... تبدوان في غاية الشرود... ولون داكن... يلقي بنفسه على وجه ناصر... يبدو أن شيئاً ما يشغل تفكيره... مع أنه في الغالب... لا يفكر إلا في عمل أشياء سيئة.

بين إصبعيه سيجارة... ونظراته للأعلى...

ضرب بيده على فخذه... ولعن «أبو الدنيا» وقام في غضب... وكان يردد في صمت...

- " صالح... صالح... أقسم على الانتقام... مهما كان الثمن "

الواقع أن صالح يدرس مع ناصر في الفصل نفسه... وهو شاب متفوق... وصاحب خلق عالٍ... والمعلمون يؤكدون دائما... أن بين ناصر وصالح من الفرق في الخلق... كما بين المشرق والمغرب... وكذلك الحال بالنسبة للاجتهاد في الدراسة.

صالح وناصر يدرسان الآن في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية... والدراسة تمثل لهما منعطفا حقيقيا... خاصة وأن الدراسة الجامعية على الأبواب.

ناصر لا يطيق النظر إلى صالح... ولا يطيق سماع صوته... والسبب في ذلك تافه جدا.

قبل أيام... طلب ناصر من صالح... دفتر القواعد... لينقل منه الواجب الذي حدده المعلم... ولكن صالحاً أجاب:

- " من الصعب أن أعطيك الدفتر... هذا معناه الغش والغش حرام كما تعلم"

- " حَرْمَتْ عينك... أعطني الدفتر قبل حضور المعلم"

- " صدقني... سيكشف المعلم أني أعطيتك الدفتر... وهذا يعرضني للعقوبة"

نظر ناصر لصالح نظرة غضب... وسدد لصدره لكمة قوية... ومن جرّاء اللكمة تراجع صالح للوراء قليلاً... لكنه تمالك نفسه... واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم... ثم انطلق مسرعا إلى مدير المدرسة... ليروي له الحكاية كاملة.

أصبح ناصر في حالٍ حرج... ودُعي من قبل مدير المدرسة... وحقق معه المدير... ولكنه أنكر كل شيء... لكن صالحاً أدلى بالدليل القاطع على صدقه... وهو أن ناصر اًلم يحل الواجب.

طلب المدير من ناصر إحضار دفتر القواعد... وبعد أن تأكد من عدم قيامه بحل الواجب... أيقن من كذبه... وعوقب حينها عقاباً قاسيا.

ومن أجل هذا... عزم ناصر على الانتقام من صالح... وسيكون الانتقام في غاية في الدهاء.

6- "نهاية العام"

الأيام لا تتوقف أبداً... لقد مضت بسرعة كعادتها... ومرت بعدها الأسابيع ثم الشهور... وصارت الامتحانات على الأبواب... صالح يزداد اجتهاداً وتفوقاً... وناصر يزداد حقداً وغيظاً.

بدأت الامتحانات... ومرت أيامها سريعة... وخرجت النتائج... وكان صالح ناجحاً بامتياز... أما ناصر فقد كان راسبا!!.

ومع بداية الإجازة... لم يعد ثمّ فصلٌ واحد يجمع الاثنين... لقد افترقوا... وعلى كل منهما نسيان صاحبه.

وبعد أسبوع فقط من صدور الشهادات الثانوية... قدم صالح أوراقه للكلية الأمنية... وقبل فيها... أما ناصر... فربما كان عليه إعادة سنة أخرى.

الفصل الثاني

1- "الخمس دقائق..."

الجميع صامتون وكأن على رؤوسهم الطير... ينتظرون شيئاً واحداً... ولكن ذلك الشيء تأخر كثيراً.

وفجأة رنَّ الجرس... وعمَّت الفرحة جميع الطالبات... ومعهم المعلمة ذات الخبرة لـ "35" سنة... والتي ملَّت من كل شيء... ولم يعد التعليم عندها سوى بداية أو نهاية للحصة.

وفي أحد المقاعد الأمامية... تقعد فتاة في الثامنة عشرة من عمرها... يكسو وجْهَها سكينة فطرية غير مصطنعة... ويبدو أنها من أسرة محافظة... وتُوزع ابتسامتها الصادقة في كل وقت... على جميع زميلاتها... اسمها حنان... وتدرس في الصف الثاني الثانوي... ويبدو أنها الطالبة الأولى في التحصيل العلمي على مستوى المدرسة... ويبدو أن الجميع يحبها.

في بداية - الخمس الدقائق- بين الحصص... ابتسمت حنان لزميلتها فاطمة... وألقت عليها التحية... ثم قالت:

- " أرجوك... تعالي يا فاطمة... أريدك في موضوع هام"

- " آتي... كلا ... العلم يؤتى ولا يأتي"

- " أوه... صدقت... سوف آتي إلى فضيلة الشيخ فاطمة"

- " أهلاً... أهلاً... تفضلي على هذا المقعد... وعندما تأتي هدى... تجلس مكانك".

- " جميل جداً... شكراً لك يا فاطمة... وهناك أيضا هدية... أريد أن أقدمها لك... أرجو أن تقبليها"

- " هدية... وما المناسبة"

- " أوه... لا تحرجيني... المناسبة!... المناسبة!... لم أحفظ المناسبة في مادة التوحيد... كي أحفظها هنا"

تبادلت الفتاتان ضحكات بريئة... ثم أخرجت حنان علبة جميلة من حقيبتها... كانت العلبة تحوي خاتما جميلا من الذهب... وضعت العلبة في يد فاطمة... وأخذت عليها المواثيق ألا تفتحها إلا في منزلهم.

لم تكن فاطمة في هذا المشهد... إلا فاطمة بعينها... أخت ناصر...

يا الله... لقد مر عامان كلمح البصر... وهاهي فاطمة الآن... تدرس في الصف الثاني الثانوي... أما هذا الموقف لصديقتها حنان... فهو موقف مدهش... يدل على مدى الطيبة التي تتمتع بها هذه الصديقة.

مع أن هناك سبباً وجيهاً للهدية التي قدمتها حنان لفاطمة... فاطمة لا تبدو عليها آثار الحاجة أو الفقر... ولكنَّ الخاتم الحديدي الذي في إصبعها لفت نظر جميع الفتيات... وأصبحن يَتَنَدَّرن بذكره في المجالس التي لا تحضرها فاطمة... ويسخرن منه أشد السخرية... وكان هذا السبب... هو السبب الحقيقي وراء إهداء حنان هديتها تلك... التي حتماً سَتُسْكِتُ جميع الأفواه الناطقة بالسخرية.

لم يكن قبول فاطمة للهدية بالأمر السهل... لقد رفضت أشد الرفض... مع عدم علمها بما في داخل العلبة... ولكن بعد أيمانٍ مغلظة أقسمت بها حنان... قبلت فاطمة الهدية... وسلَّمت للأمر الواقع.

انقضت الحصة الرابعة... فاطمة تفكر في مدى الطيبة التي قذفها الله في قلب حنان... إنها حقاً اسم على مسمى.

كانت فاطمة تريد التهام الوقت... كي تذهب إلى المنزل... وتنظر في الهدية... التي هي بحق... أول هدية تُقدم لها.

2 ـ "ســارقـة"

كم كانت دهشة فاطمة عظيمة... وهي جالسة في غرفتها تنظر إلى الخاتم الجميل... حقاً إنه أمر أشبه بالمستحيل... فتاة في سن حنان تفكر بهذه الطريقة... وتضحي كل هذه التضحية... كيف يا ترى جمعت المال الكافي لشراء الخاتم... وكيف نزلت إلى السوق واشترته... وكيف طاوعها قلبها في التضحية... إنها حقاً فتاة عظيمة... أوه كم أتمنى أن أكون شبيهة لها... أو أختاً لها.

أثناء ذلك... بدأت فاطمة في لبس الخاتم... إنها تدخله في أصابعها... الواحد تلو الآخر... حتى استقر في مكانه الأخير... ثم قامت تفحص يدها... إنها تدنيها من عينها ثم تبعدها... وأخيراً قبَّلت الخاتم... وقبَّلت يدها في شيء من العبث.

الأمور في منزل أم ناصر هادئة... وكل المياه تجري في مجاريها... بالطبع... ما دام ناصر خارج المنزل... وعندما يدخل... تتحول جميع المياه الراكدة... وتَنْقَلب فيضانا قاتلا... ودقات القلوب لا تزداد... إلا عندما يدور المفتاح في الباب... ليدخل القط البري المتوحش.

وفي أثناء مداعبة فاطمة لخاتمها الجديد... أدير المفتاح... ودخل ناصر كالعادة... نظر هنا وهناك... باحثاً عن أدنى سبب ليمارس هوايته في إيذاء الآخرين.

خطوات ناصر تتقدم بكبرياء... ورأسه يدور هنا وهناك... أما ملامحه... فقد تغيرت بشكل ملحوظ... إنه الآن يمتلك شارباً أطول... وشفتاه أصبحتا أكثر سواداً من التدخين... بيد أنه لازال معيداً للسنة الثالثة على التوالي... في الصف الثالث الثانوي.

لم تطل اللحظات... حتى أصبح ناصر على رأس فاطمة... يسألها عن دراستها... وعن سبب جلستها بهذه الطريقة... وعن الأسباب التي جعلتها مبتسمة... ولسوء حظ فاطمة... لمح ناصر الخاتم الذهبي... لذا قال:

- " الله... الله... حرامي... في منزلنا حرامي صغير... وسيصبح عما قريب... حرامياً كبيراً... «أدِّ الدنيا»... وعندها... ستصبح أسرتنا ثريَّة"

- " أريني الخاتم... يا ست فاطمة"

- " الخاتم... الخاتم لزميلتي وليس لي"

- " أعرف أنه لزميلتك... وأعرف أيضاً أنك سرقته"

- " كلا استعرته فقط"

- " أقول لك ادفعي بالتي هي أحسن... و إلا... دفعت بالتي هي أسوأ"

- " كلا... كلا"

هوت ساعتها لطمات ولكمات... على وجه فاطمة الخائف... أولى بحنان لو علمت أن الخاتم سيُفضي إلى هذه النهاية... لما فكرت أبداً في تقديمه هدية.

دخلت الأم في تلك الأثناء... لفك العراك... ولأخذ نصيبها المقرر من اللكمات... قبل إيقاف ناصر عند حده.

قال ناصر لأمه:

- " بدل أن توقفيني... عاقبي هذه السارقة... نعم عاقبيها... اليوم تسرق ذهبا... وغداً ستسرق ماذا!"

نظرت أم ناصر إلى فاطمة باهتمام شديد... وكانت حدقتاها تضيقان وتتسعان... واقتربت خطواتٍ قليلة حتى أمسكت كفي فاطمة... وقالت :

- " ما هذا... هل صحيح ما سمعته عَنْك... هل سرقت يا بنت!!"

بدأت عينا فاطمة تذرفان الدموع الغزيرة... ثم انطلقت متجهة نحو فراشها... وارتمت عليه... وبدأت في البكاء المر.

لم يكن منظر فاطمة وهي تبكي على فراشها رائقاً لناصر... الذي أحس أن هذه الطريقة لانتهاء الموقف قد تفضي إلى تبرئة ساحتها... لذا انطلق نحو السرير... وأكمل العقاب المقرر لمثل فاطمة أن تناله... لو كان ما قاله عنها في تهمة السرقة صحيحاً... وتدخلت الأم في النهاية... وانفض النزاع... وخرج ناصر... وزاد بكاء فاطمة... وبدأت الأم تربت على كتفها وتقول:

- " يا ابنتي... السرقة حرام... وعقابها قطع اليد... وأنت بنت أغناك الله عن السرقة... أعيدي ما سرقتيه"

ردت فاطمة في بكاء:

- " أنت أيضاً مع ناصر!... وتحملين نفس أفكاره!... أنا لست سارقة... وإن كان ناصر يظن جميع الناس مثله... فيجب أن لا تظنين أنت أن جميع الناس مثل ناصر"

دخل ناصر ساعتها... ثم قال:

- " ماذا قلت... كأني سمعت اسم ناصر"

قالت الأم:

- " قولي يا ابنتي... من أين لك هذا الخاتم ؟"

- " أهدته لي زميلتي حنان"

قالت الأم:

- " من حنان هذه؟"

- " زميلتي... إنها بنت طيبة... ومحترمة... وذات خلق عالي... لا أحد أبداً مثلها... إنها بنت من طراز خاص"

سمع ناصر هذا الكلام... وضع يده على شاربه... عقله بدأ يفكر بأفكار بعدة... وبعد صمت قصير... بدأ يفكر بعمق في هذه الفتاة... قال في نفسه:

- " اسمها حنان... بنت مؤدبة... ومحترمة... وذات خلق... خزعبلات في خزعبلات... هذه الأوصاف لا تعرفها بنت تتعرف عليّ... المهم في الأمر أن لديها أموالاً... وهي تُهدي... أنا أحب الهدايا... وأيضا أحب التحدي... أحب ركوب الصعب... أحب المغامرة في الجبال... كي أصِلَ إلى أعاليها... وأدوسها بقدمي... وحنان هذه... سيكون لي حساب مع مِثاليَّاتها وسنرى من ينتصر... هـ ...هـ ...هـ"

خرج ناصر بكبرياء... بدا وأن كل شيء في المنزل يمقته.

3 ـ "أمر لا يصدق"

حل الليل... وبسط جلبابه الأسود... واقترب موعد الأسرة الصغيرة... مع النكد المتتابع... الذي دائماً ما كان يحل بالمنزل... بمجرد دخول ناصر... وبعد وقت قصير... وَجَفَتْ القلوب لإدارة المفتاح... وللدخول المشئوم.

فاطمة تجلس في غرفتها تُزَمِّر بشفتيها... وتردد لحنا من ألحان طفولتها... والأم تترنم ببيت من الشعر يقول:

"يا لله يا والي... تلطف بأحوالي"

وهي تحمد الله بين الفينة والأخرى... على الدخل الذي أصبح شبه مستمر... ألفاً وثلاثمئة ريال... فيه الخير والبركة... عندما يحسن الإنسان تدبيره.

في تلك الأثناء... دخل ناصر بكل هدوء... واتجه للمطبخ... وبدأ يساعد أمه في إعداد وتحضير بعض أصناف الطعام... ثم جلس الجميع بعد دقائق على مائدة العشاء.

الأنس والحب يغمران الجميع... أمر لم تألفه الأسرة... كان ناصر يتحدث عن مواضيع جميلة... ويسرد قصصاً وأحداثاً رائعة... نالت انتباه الجميع... وذرفت دمعتين من عيني الأم... وقالت:

- " حفظك الله يا ولدي"

استمرت أخلاق ناصر تسير بهذه الطريقة المذهلة... لمدة أسبوع كامل... وبدأت الثقة تدخل في قلب فاطمة تجاه أخيها.

وذات ليلة... دخل ناصر إلى غرفتها... وطلب منها الخاتم... إنه يريد أن يراه... وبكل براءة قامت فاطمة... وأحضرت الخاتم... نظر ناصر إليه ملياً... وقال:

- " مبروك... ألف مبروك... تستحقين كل خير... تصدقين... لقد كنت أفكر في أن أهدي لك خاتما ذهبيا... هدية أخوية... الإخوان ليس لهم إلا بعضهم... يبدو أن صديقتك حنان هذه بنت محترمة... ومن أسرة محترمة"

ابتسمت فاطمة في سعادة... ثم قالت:

- " نعم وهي جميلة... وتحب الخير للناس...إنها رائعة"

- " أوه... كم أتمنى أن يرزقني الله زوجة تحب الخير... أنا أريد أن أبدأ صَفحة جديدة... وأطمس الحياة السابقة"

- " صحيح يا ناصر؟"

- " نعم والله... الزواج ستر... وهو نصف الدين... خاصة إذا كانت الزوجة... امرأة صالحة "

- " كم أتمنى فعلاً أن تكون حنان من نصيبك... ولكن"

- " ولكن ماذا..."

- " ولكن... يا ناصر أنت في أول الطريق... وأمامك سنوات قبل الزواج... وحنان كل رجل يتمناها... ولن ينتظرك ألدَّور أبداً"

- " لا... لا... اطمئني... أنا سأبحث عن وظيفة مجزية... لقد وعدني مدير شركة الكهرباء... الوظيفة ربما يكون راتبها خمسة آلاف ريال... وسأتزوج... وكما قلت لك... سأبدأ صفحة جديدة"

- " أنت متسرع يا ناصر... تريد كل شيء بسرعة؟... تغيُّرات كثيرة في حياتك... ما الأمر؟... ثم دراستك... يجب أن تكمل دراستك"

- "نعم... نعم... الوظيفة في العصر فقط... والدراسة في الصباح"

- " أنت متفائل كثيراً يا ناصر... الحياة يا أخي ليست بهذه السهولة"

- " لا... لا... "من يتقِ الله ... يجعل له مخرجاً""

- " أرجو ذلك... الله كريم"

ابتسم ناصر بخبث... شعر أن خطَّته تسير في الطريق الصحيح... وقريباً سيصل للهدف.

4 - "مالٌ لا ينقص"

تحرص فاطمة يومياً على لبس الخاتم... خاصة عند الذهاب للمدرسة... وتبتسم حنان من كل قلبها... كلما رأت الخاتم في يد فاطمة... وتتمنى لو كانت تملك نقوداً أكثر... إذاً لأهدت لكل من تحب أنفس الهدايا... ولتصدقت بالكثير على البؤساء.

حنان لها فلسفة خاصة... تتعلق بالإنفاق والتعامل مع المال... فهي تضع في حقيبتها الصغيرة ريالات مفرقة... وقد أخذت على نفسها عهداً بأن تعطي كل متسوِّل يطلب الصدقة شيئا من تلك الريالات... إنها لا تخسر من أجل ذلك الكثير... وربَّما ينقضي الشهر كاملاً... وتجد أنها لم تنفق أكثر من ثلاثين ريالا على تلك الصدقات.

الشيء الغريب... الذي أدهش حنان غاية الدهشة... هو شعورها بأن النقود التي معها لا تنتهي... مع كل تلك النفقات... فوالدها يعطيها بداية كل شهر... مئة ريال... مصروفاً لها... وهي تنفق على نفسها... وتنفق على زميلاتها إذا دعا الأمر لذلك... دون بخل... وهي أيضا تتصدق... ثم لا تنتهي تلك النقود... أمر مدهش يدعو للحَيْرة.

كثيراً ما حدثت حنان بعض زميلاتها عن ذلك... فيُصفقن لها في سخرية ويقلن بصوت واحد «برافو»

لكنها كانت أكثر دهاءً عندما كانت تقول بسخرية أكبر:

- " والأكثر من ذلك... أنني بعد هذه النفقات جميعاً أفتح الحقيبة... وأجد فيها «150» ريالاً مع أنني في بداية الشهر وضعت فيها «100» ريال فقط... ولكني في النهاية... علمت أن أمي هي التي تضيف المال الزائد"

وتضحك ويضحك الجميع... لقد كانت تتخلَّص من سخريتهن... بسخرية أكبر... ولكن السر بقي يراود ذهنها... حتى قرأت ذات يوم في أحد كتب الحديث... قول رسول الله... صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مالٌ من صدقة"

لذا بقيت تتأمل... وتحدث نفسها:

- " نعم... إنه السر... صدق رسول... الله صلى الله عليه وسلم"

وأخذت على نفسها عهداً بالسير على هذا المنهاج... مادامت حيَّة تُرزق.

5 - "فاطمة تهدي هدية..."

الخجل يراود فاطمة كلما قابلت حنان... لأن فكرةً غريبة انقدحت في ذهنها... فهي تظن أن كل هدية يتناولها الشخص... فإن من الواجب عليه أن يرد بمثلها... أو بأحسن منها... وهذا ما جعل الخاتم في يدها يمثل عبئاً كبيرا.

فاطمة تقلب حاجياتها المتواضعة في الدُّرج المجاور لدرج الكتب... لقد عزمت على ردّ الهدية لحنان... ولكن... ليس هناك مال تشتري به أيما هدية مناسبة:

- " ما العمل يا ترى؟... ما العمل؟"

توصلت فاطمة لفكرة... دعت أخاها ناصر... وسلَّمت الخاتم في يده... وقالت:

- " ناصر... أرجو أن تبيع هذا الخاتم... وتشتري بدلاً منه خاتماً آخر"

نظر ناصر لحنان بدهشة... تساءل:

- " لماذا؟"

- " هدية... أريد أن أهدي لحنان هدية"

فكر ناصر قليلاً... ثم قال:

-" نعم... هذا واجب..."

وتناول ناصر الخاتم... وخرج.

مر الوقت سريعا... وها هو ناصر... لقد عاد بعد ساعة... إنه يحمل الخاتم نفسه... ويحمل كيساً كبيراً... فيه باقة من الورد... وعلبةً من حلوى «الكاكاو»... دعا أخته على انفراد... حدثها قائلاً:

-" تفضلي يا فاطمة... هذا خاتمك"

-" لماذا لم تحضر الهدية؟"

- " الهدية في الكيس... لقد صعب على قلبي أن تفرّطي في هدية زميلتك حنان... خاصة أنها بنت طيبة... لذا أعدت لك الخاتم... واشتريت باقةً من الورد... وعلبةً من الحلوى... كي تقدميها لها... ثم... إن من العيب يا أختي... أن تقدمي لها نفس الهدية... أو هدية قريبة من هديتها... الأفضل أن تقدمي هدية من نوع مخالف... لم أجد أبداً أفضل من الورد... والحلوى.

- " شكراً يا أخي... كم أنا سعيدة بك... غداً سآخذ الهدية إلى المدرسة... وأعطيها لحنان"

- " المدرسة!... لماذا المدرسة؟... هناك فكرة أجمل"

- " ما هي؟"

- " لماذا لا تذهبي لزيارتها في منزلها... وتقدمي لها الهدية... وكما أعرف... حمل الزهور والحلوى للمدرسة... أمر صعب"

- " ولكني لا أعرف موقع منزلها"

- " لا مشكلة... غداً اسأليها"

- " رائع جداً... هذه فكرة مناسبة"

- " نعم... أنا أبو الأفكار"

6 - "سيارة"

أم ناصر على حالها... إنها تسعى لتحقيق طلبات أبنائها بكل اهتمام... وهي تدّخر شهريا ثمانمئة ريال... تضعها بحرص شديد في صندوق التوفير الخشبي... الذي نَجَرَتْهُ بنفسها... وأعدته لجمع إيجار المنزل... وفي نهاية العام... سيكون بداخل الصندوق... قرابة العشرة آلاف ريال.

مرّت الأيام سلسة... خاصة بعد عودة ناصر إلى رشده... وبدأت النقود تزداد في صندوق التوفير... الذي تضعه الأم في الدولاب الأكبر... في غرفتها... الصندوق غير مقفل... وكذلك الدولاب الأكبر... والغرفة أيضاً لم تتعود الأم إقفالها... فلا يوجد غرباء.

وفي إحدى ليالي الصيف الدافئة... وبعد صلاة العشاء بقليل... دخل ناصر وهو يضحك... ويترنم بصوت متقطع مزعج... ابتسم الجميع لسعادته... قالت له أمه:

- " خير يا ناصر... يبدو أنك سعيد!"

- " نعم... نعم ... هناك مفاجأة سارة للجميع"

- " مفاجأة"

- " نعم... لقد اشتريت سيارة جديدة"

- " جديدة ... ماذا تقول ... من أين لك ثمنها"

- " لا يا أمي... ليست جديدة بمعنى الكلمة... هي مستخدمة... ولكنها نظيفة جداً"

- " نظيفة... لكن من أين لك ثمنها؟"

- " ماذا؟!... لم أتوقع أن تقولي هذا الكلام... كنت أنتظر منك أن تباركي لي بها... أنت أم غريبة"

أسرعت فاطمة إلى أخيها... وقالت له:

- " مبروك... ألف مبروك"

- " نعم... هذي هي الأصول"

- " بكم اشتريتها يا ناصر؟"

- " الصراحة أنها سيارة قديمة... اشتريتها بـخمسة آلاف ريال... بالتقسيط... كل شهر علي أن أدفع خمس مئة ريال... سوف أتدبر أمر هذا المبلغ... ومن الآن وصاعداً... سأقوم بتوصيل "مشاوير"... شهرياً سيكون دخلي من السيارة ثمانمئة ريال... أقسّط منها خمسمئة... والباقي محروقات"

قالت الأم:

- " مادام الأمر هكذا... بارك الله لك... وهل تريد الأم إلا أن يكون أبناؤها رجالاً شرفاء... يعتمدون على أنفسهم بالحلال"

- " نعم... نحن تربيتك... ولا يأتي من الطيب إلا الطيب"

7- "موعد مع حنان"

سارت فاطمة بهدوء متجهة نحو غرفتها... في حين تبعها ناصر... تنحنح... ثم قال:

- " آخر الأخبار... قولي لي"

فاطمة نظرت نحوه بثقة... ثم قالت:

- " لقد أخذت الليلة موعداً من حنان... كي أزورها"

- " ممتاز... وأنا سوف أوصلك بالسيارة الجديدة"

ومع حلول الظلام... ركب الأخوان السيارة... وانطلقا حتى وصلا بيت حنان...لم يكن ناصر يعرف المنزل... لذا... فإن فاطمة كانت تدله على الطريق.

وبعد الوصول... بقي ناصر ينتظر أخته في السيارة... في حين نزلت هي لمقابلة حنان.

بقيت فاطمة لدى حنان قرابة النصف ساعة... ثم عادت للسيارة... ركبت بحبور وسعادة... وأدار ناصر السيارة نحو المنزل... كان الحديث في السيارة حديثاً عادياً... بدأه ناصر بقوله:

- " كيف حال حنان؟"

- " وما دخلك بزميلتي؟"

- " أقول لك قد أنوي الزواج بها... ومن الطبيعي السؤال عنها"

- " طيبة..."

- " ماذا قالت بعد أن ناولتها الهدية"

- " شكرتني كثيراً"

- " هل حدّثتها عني؟"

- " كلا... وما المناسبة؟"

- " لماذا لم تُثْني عليَّ أمامها؟"

- " لا داعي لذلك"

- " هل عزمتِها؟... كي تأتي وتتعرّف على منزلنا"

- " الحقيقة أنني أخجل من منزلنا... منزلهم واسع وكبير وجميل... أما نحن فشقة من ثلاث غرف... لا أستطيع "

- " لا...لا... الأمر طبيعي جدا... تأتي للمنزل... وسيكون مرتباً ونظيفاً... ثم أنتما زميلتان... ولا مانع من التزاور"

- " ولماذا أنت مهتم بموضوع زيارتها؟"

- " أصدقك القول... بشرط ألاَّ تلوميني"

- " خذ راحتك"

- " ألا تعلمين أن من حق الرجل أن يرى خطيبته... قبل الزواج منها"

- " أنت تمزح"

- " لا صدقيني... نظرة واحدة فقط"

- " هي لا ترضى"

- " لو علمت أنه من أجل الزواج لما رفضت"

- " وكيف أصنع... أنت تطلب المستحيل"

- "حدثيها غداً في المدرسة... واطلبي حضورها إلى منزلنا في المساء... وسأكون في الغرفة المجاورة... وأشاهدها... نظرة واحدة فقط... صدقيني"

- " سنرى... مع أنني متخوفة"

8- "فكرة مناسبة"

في وقت الفسحة من اليوم التالي... اتجهت فاطمة لحنان في طرف الفناء الداخلي... جلست إلى جوارها على مقعد خشبي طويل... ثم بدأت تحادثها في مواضيع متعددة... وعندما وجدت الفرصة مواتية... ابتسمت لها بصفاء... ثم تقدمت لها بطلب صغير... ثم تحول الطلب الصغير فجأة إلى طلبٍ ملح... لقد عرضت عليها الزيارة... قالت لها:

-" أرجوك... زيارتك شرف كبير لنا... إنها تاج أضعه على رأسي... وتضعه كل أسرتي"

اعتذرت حنان بشدة... قالت في لهفة:

-" والدي يا فاطمة... حتما سيرفض... إنه متشدد في قضية الخروج من المنزل... ومعه كل الحق في ذلك... إنه حريص علي"

- " الحرص يا عزيزتي لا يعني الحبس... عليك أن تطلبي من أمك السماح لك"

- " لا... لا... أنا لا أستطيع الخروج إلا بموافقة أبي"

استمر الحوار حول هذه القضية... واستمر رفض حنان لهذا الطلب... وفي نهاية المطاف... ابتسمت فاطمة لحنان... وتوقفت عن الإلحاح في طلبها... لقد وجدت كل العذر لزميلتها... لم يطل الوقت... لقد دق جرس الدخول للفصل.

وعندما عادت فاطمة للمنزل... استقبلها ناصر بلهفة كبيرة... بدأ يسألها عن آخر تطورات موضوع الزيارة... أخبرته أنها عجزت عن إقناع حنان... ولكن ناصراً لم يكن ليرضى بهذه الأعذار... قال لأخته في إصرار:

-" عليك أن تلحي عليها بدرجة أكبر"

- " أنت لا تدري كم طال إلحاحي عليها... إنها غير موافقة... أبداً... لا يمكنني إجبارها... ربما أخذت مني موقفاً عكسيا إن أطلت عليها الكلام في هذا الموضوع"

فكر ناصر قليلا... ثم اقترح اقتراحاً ذكياً... كي يتلافى مشكلة الرفض الذي تتحجَّج به حنان... لذا قال:

- " قولي لها أن تحضر هي وأمها... لا مانع... وأيضاً لتتعرف أمها على أمي... ويكون هناك ألف خير"

9 ـ " حنان... هل تقتنع؟"

في اليوم التالي... عرضت فاطمة أمر الزيارة على حنان بهذه الطريقة... فكرت حنان قليلا... ثم قرأت أسطر البراءة في عيني صديقتها... أحست بحاجة هذه الفتاة المسكينة... لمن يؤنسها في حرمانها... رفعت يدها بلطف... ثم مسحت بها على شعر فاطمة... ثم أخبرتها أنها موافقة على الزيارة... ولكن بشرط... أن توافق أمها... وسيكون الرد عن طريق الهاتف:

وبعد صلاة العصر من ذلك اليوم... اتصلت أم حنان على منزل أم ناصر... وأخبرتهم بحضورها مع ابنتها حنان... بعد صلاة العشاء... من ذلك اليوم.

مر الوقت سريعا... وبعد صلاة المغرب بقليل... دخل ناصر للمنزل وفي يده كيسٌ... كان مضطرباً بعض الشيء... وكان الحذر يخالجه... بدأ ينظر يمنةً ويسرة... ثم قام بعمل بعض الترتيبات السريَّة في غرفة الجلوس... وانصرف بعدها إلى المطبخ... ليلقي التحية على أمه.

وبعد صلاة العشاء... كان جرس الباب يرن... وعندما فُتح الباب... دخلت أم حنان وابنتها... استقبلتهما أم ناصر وفاطمة أحرَّ استقبال... وسارت النسوة الأربع حتى جلسن جميعا في غرفة الضيوف.

10- "خطأ... إلى أين يصل؟"

حنان إلى جوار أمها... إنها تجلس بكل أدب واتزان... وتنظر بأسى بالغ... إلى تقاسيم الفقر والحرمان... التي تتبدّى بكل قسوة... مع شقوق الجدران الداكنة... في منزل أم ناصر... ثم تعيد النظر إلى فاطمة... التي تقف بفرحة عارمة... وتسكب أقداح القهوة... وتلقي بالتراحيب الصادقة.

وبين الفينة والأخرى... تعيد حنان اتزان تنورتها الزهرية... إنها بالفعل جميلة... وهي حريصة على أن تبدو كذلك.

إلا أن مفارقةً غريبة تبدو في جلستها تلك... فهي مع كل حرصها على حجابها أمام الرجال... إلا أنها كأي بنات جنسها... قد تكون أقل حيطةً عند تأكدها من عدم وجود رجل... حيث تخلع الخمار والعباءة... ليبدو مظهرها بعد ذاك... تبعا لملابسها التي ترتديها تحت العباءة... ويبدو شعرها أثناء ذاك... وعنقها وجيدها... وربما بدت ذراعاها إلى منتصف الساعدين... أو ساقاها إلى منتصفهما... وقد تكون ثيابها ضيقة أو شفافة... فتبدو وكأنها أقل اتساقا مع مبادئها... وهذا ما حصل مع حنان في منزل أم ناصر... مع أنه حصل بطيب نيّة... وصفاء قلب.

حنان كانت موقنة بأنها لن تقابل رجلاً في منزل فاطمة... والحقيقة كانت بعكس ذلك تماما... لأن ناصراً كان ينظر من ثقب الباب... لقد بُهر جداً بالجمال الأخَّاذ... الذي وُهبته حنان... كم رأى من الفتيات! وكم عرف... حدث نفسة:

- " مثل هذه الفتاة أبداً لا يوجد"

ناصر يراقب... أزعجته قليلا تلك الكلمات التي تتلفظ بها حنان دائماً... كلمات تفيض إيماناً ويقيناً... وحبا لله والرسول... لقد جعلت ناصر يتوتر قليلاً.

دخلت فاطمة على ناصر وهو جالس... ويتصنع قراءة أحد الكتب... قالت له بصوت منخفض:

- " هل رأيت خطيبتك؟"

- " نعم... نظرة واحدة فقط"

- " وما رأيك؟... هل ستكون شريكة حياتك؟"

- " ربما... ولكنّ شيئاً واحد لم يعجبني منها"

- " ما هو؟"

- " هي جميلة... ولكن يبدو أن شعرها غير متناسب مع جمالها"

- " كلا... أقسم لك... شعرها جميل جداً"

- " شعرها جميل؟... لا أظن!... ولكن ربما يكون جميلاً... لقد رأيته عن بعد"

- " ماذا بك؟... وهل تريد أن تراه عن قرب؟"

- " لا أدري!..."

تصنع ناصر أنه يفكر... ثم قال:

- " انظري يا فاطمة... المسألة مسألة زواج... وعشرة عمر كما تعرفين... والرسول أمر بمعرفة كل شيء عن الزوجة... وأنا لا أدري... إذا لم أتأكد من جمال شعرها... فهذا يعني أنني لن أستطيع البتّ في موضوع الزواج... وسيذهب جهدنا سدى"

- " والحل؟"

ضرب ناصر بيده على رأسه... ثم قام... وأخذ مشطاً أحمر من نوع الفرشاة... وقال:

- " انظري... هذا المشط نظيف... لا يوجد به أي شعرة... حاولي أن تجعلي حنان تمتشط به... وسأرى شعرها بعد ذلك"

- " أمر صعب"

- " كلا... قولي لها إن شعرك يحتاج إلى مشط... وأخرجي المشط من حقيبتك... وأعطها إياه... المسألة سهلة جداً"

لمع ذهن ناصر بخبث... لقد اقترب ظهور المشهد النهائي في خطته... ولم يبق سوى لحظات... وتصبح الفريسة بين يديه.

قامت فاطمة بالدور خير قيام... دون أن تعلم بالنتائج.

11- " صور ثمينة"

مر الوقت سريعا... وها هي حنان... إنها تخرج مع أمها بكل سعادة... لتقفل فاطمة الباب خلفهم... ثم تعود لتجلس.

ومن غرفته هناك... خرج ناصر... وتقدم نحو فاطمة بثقة... ليتسلم المشط بما يحويه من شعر... نظر إلى الشعر ملياً... وبدأ يُقلِّبه... ثم قال:

- " نعم... نعم... إن شعرها جميل جداً... لم أتوقع ذلك"

عاد ناصر لغرفته... بقي فيها قليلا من الوقت... ثم خرج... كان يحمل معه أشياء يبدو أنها مهمة جداً... اتجه لباب المنزل... وخرج للخارج.

وبعد نصف ساعة قادمة... كان ناصر وحيداً في شقة بعض أصدقائه... إنه ينظر إلى شريط الفيديو المصوّر... كان يبتسم حيناً... ويضحك حيناً... ولكنه يشعر باهتياج ونشوة... لأن بطلة الفلم الظاهرة أمامه... ليست سوى حنان.

هكذا نجحت الخطة... لقد كانت الكاميرا التي أحضرها بعد صلاة المغرب... والتي خبأها بعناية فائقة... في أحد أرفف الدولاب في غرفة الجلوس... تقوم بدورها في التقاط الصور... ورصد جميع الحركات... دون أن يعلم أحد بها... لقد أحس حينها بالنجاح الكبير... حدث نفسه:

- " إنه الأسلوب الأمثل... للوصول للأهداف... المراوغة... الخداع... لا يمكن الوصول للهدف... إلا بالبحث عن المصلحة الخاصة... والتضحية بالجميع من أجلها... هاهي أمامي حنان... وهذا يعني... إمكانية إدانتها... بكل ما أريد... ويعني أيضا أن سمعتها أصبحت في يدي"

ناصر يدرك الحقيقة الكامنة وراء قيم مجتمعٍ محافظ... يُقدَّس فيه العرض أعظم تقديس... ولا يُسمح أبداً لأي شخص أجنبي أن يرى من الفتاة شيئا... إلا في استثناءات خاصة... وذلك فقط... عندما يطلبها للزواج... وفيما عدا ذلك... فلا يمكن لشاب أن يرى فتاة أجنبية عنه... إلا في حالة كون الفتاة متمردة على التقاليد والقيم... أو تحدثها نفسها بعملٍ غير مرغوبٍ فيه... وعند ذاك... تتصل بالشاب بطريقة أو أخرى... وتفضي له بأسرارها المكنونة.

لقد تعوَّد الناس تقديس العرض بهذه الطريقة... وأصبحت الأنماط الاجتماعية تسير في خدمة هذه الأعراف.

12 – شريط الفيديو

في اليوم التالي... استقل ناصر سيارته... شيءٌ واحدٌ كان يدور في ذهنه... إنه الكيْس الصَّغير... ذو اللون الأحمر... والكيس الأكبر ذو اللون الأزرق... وهما في المقعد الخلفي من سيارته.

انطلقت السيارة جهة أحد أصدقائه... بائعٌ شرق آسيوي... يعمل لدى أحد محلاَّت تسجيلات الفيديو... صداقتهما صداقة مصلحة فقط... وهذا البائع له خبرة واسعة في مجال الإخراج التلفزيوني... وتَدَاخُل الصور.

وبعد أن وصل إليه ناصر... تبادلا السَّلام الحار نسبياً... وتحدث ناصر قائلاً:

- "عمل مهم جداً... لم أحضره لك إلا ثقةً فيك"

كان البائع يجيد العربية بطريقة مفهومة لحد ما... لذا قال:

- " أنا في خدمتك... الصّداقة التي بيننا تجعلني أخدمك بكل استطاعتي"

- " لدي شريط... وأريد عملَ إخراج مناسب له"

-" لا مشكلة... أعطني الشريط وأخبرني عن المونتاج الذي تريده... الأمر سهل"

- " ولكن... الأمر سريٌ أيضاً"

- " اطمئن... أنا لا أسمع... ولا أرى"

ربَّت ناصر على كتف البائع... وابتسم له ابتسامة الرضا... قال البائع:

- " المهم ليس هناك خطورة... أو مسؤولية؟"

- " اطمئن... ليس هناك خطورة... وسأمنحك مبلغاً مجزياً"

وساعتها دخل الاثنان لغرفة الإخراج... وأخرج ناصر شريط الفيديو من الكيس الكبير... وناوله للبائع... وضعه البائع في فتحة الفيديو... وأدار زر التشغيل... وبدأت الصور تظهر... وبدأ الاثنان يُتَابعانه... وناصر يُملي اقتراحاته.

الفصل الثالث

1ـ "بسم الله مجريها ومرساها"

الأيام تجري متسارعة... وها هو صالح... إنه يلتهم طعامه بسرعة... وينظر للضابط... حدّث نفسه.

- " الضابط السمين... يصول ويجول... في البهو الكبير... مع كل صباح... وفي كل وقت... الله! ما أسرع الزمن... لقد أصبحت الآن في آخر سنة في الكلية الأمنية... هنا لا أحد يتكلم... الجميع مطيعون... راضخون للأوامر الصارمة... بقي عن تخرجي عام كامل... أوه... ما أطول العام في مثل هذه الحال المرهقة!... سأكون بعد عام ضابطاً... برتبة ملازم... ملازم فقط... ما هذا الحظ العاثر... الذي جعلني أختار هذا الطريق... بعد أن تخرجت من المرحلة الثانوية... لقد تخرجت بتقدير امتياز... لو قدر لي مثلاً... أن ألتحق بكلية الطب... أو كلية الهندسة... لكنت الآن معززّاً مكرماً... ولكن... لا مناص".

أخرج صالح ورقة وقلماً... وبدأ يسابق نفسه لكتابة بعض الكلمات... ويحدث نفسه:

-" يجب أن أكتب أكبر قدر من الأسطر... قبل أن يحضر الضابط المسئول... ليطفئ الكهرباء... ويأمر الجميع بالنوم الإجباري... لأن الساعة الآن تشير إلى العاشرة مساء".

بدأ صالح يكتب بكل سرعة:

- " إلى أمي الحبيبة... لم أعد قادراً على التحمل... الكلية الأمنية التي التحقت بها... ليست سوى سجن كبير... يلزمني أن أقيم فيه ثلاث سنوات... لم أعد قادراً على تحمل الإهانة والعذاب... ولكن... ثقي يا أمي... أني سأتحمل وأصبر... لكي لا يقال عن ابنك:" فاشل"... ولكن ادعي الله لي بالعون"

لم تنتهِ السطور... ولكن انتهت مهمة المصباح الذي كان يبعث الضوء... وأقفل زر الكهرباء... وسُمع حينها صوت الضابط.

- " ولا نفس"

في صباح كل يوم... يستيقظ الجميع قرابة الساعة الرابعة فجراً... ويبدؤون بالاستحمام.

وفي صباح ذلك اليوم... استيقظ صالح... أحس أن لسانه يردد:

- "«بسم الله مجريها ومرساها»"

حدث نفسه:

- " آية عظيمة من القرآن... كم أنا مشتاق لقراءة القرآن... وقراءة هذه الآية بالذات...كثيرٌ من الأيام... لم أجد الفرصة الكافية... لأتلو آيات من القرآن... إحساس جميل أشعر معه بالأمان... ويخف عني معه كثيرٌ من الهموم التي تحمّل بها قلبي... في هذا الجو العسكري"

دخل صالح لدورة المياه... عيناه لا تزالان مغمضتين... حدث نفسه:

-" لماذا لا ينفر الناس للقرآن... عندما تضيق أنفسهم... الكثير من زملائي لا يهتمون بالقرآن... بل ولا بالصلاة... ولو لم تكن الصلاة إجبارية... لتركوها دون تردد... هل أنا غريب عنهم... أم أنهم غريبون عنِّي... هل كنت أنا فقط... محظوظاً من بينهم... لأكون مؤمناً... محبا للقرآن... وهل هذا الاختيار نعمة... ولماذا أنا فقط؟... أوه... لو كانت الهداية بيدي... لوزعتها عليهم... كم هم أغبياء"

طُرق الباب بعنف... وتكلم أحدهم من الخارج:

- " إي ... هل نمت في الحمام"

مرت لحظات... خرج صالح من الحمام... ودخل المصلى... وصلى ركعتين... تم أقيمت الصلاة مبكراً... لم يتمكن صالح من قراءة الآية التي وجدها على طرف لسانه منذ استيقظ... دخل في الصلاة مع الجماعة... وبعد أن انقضت الصلاة... قام أحد الضباط وقال:

- " الجميع... انصراف للميدان"

أحس صالح حينها بخيبة أمل... أراد أن يتحايل كي يتمكن من قراءة الآية... أمسك بأحد المصاحف... واختبأ خلف أحد أعمدة المسجد... وبدأ بسرعة بقلب الصفحات... أوه لو كان يحفظ القرآن... لتوالت الآيات في ذهنه... دون أن يحتاج لهذه الحيل... ولكن الضابط رآه... قال له في زجر:

- " تقرأ القرآن!... ألم تسمع الأوامر... يا لوح"

- " آيةٌ واحدة... أريد أن أعرف مكانها"

- " ستعرف مكانها في الشمس... وستحفظ سورة الشمس... هـ... هـ... هـ... يا عسكري توقيف طيلة اليوم... بكامل التكميل"

هكذا كان لزاما على صالح... أن يقضي يوماً عبوساً تحت أشعة الشمس... واقفاً مهموماً... وبقيت الآية تتردد في ذهنه... ولا يعْرف لها تكملة.

2- "فلفل!!..."

أصبحت أخلاق صالح أشبه بأخلاق وحش ضاري... ولم يعد يسمح لأحد أن يتلفظ معه بأي لفظ فيه زجر أو تأنيب... وسريعاً ما يثور في وجه أي ضابط يوجه إليه الأوامر... ولكن سرعان ما يأمر الضابط بإيقافه في الشمس... أو يأمره بالزحف على الحصى.

وفي صباح أحد الأيام... جاءته فكرة غريبة... لقد راودته نفسه ترك الكلية... لشدة الضغوط التي مر بها... ولكنه فكر بروية.

- " سَنَة واحدة... وينتهي هذا العذاب... الصبر جميل..."

بَدَرَ في ذهن صالح فكرة ذكية... لقد حصل على قرنٍ صغيرٍ من الفلفل الحار... وقد سمع مسبقاً... أن وضع الفلفل الحار تحت اللسان... يساعد في رفع حرارة الجسم... لدرجتين أو ثلاث... لم يعد ثمة خيار... لقد حمل صالح قرن الفلفل من السفرة... ووضعه في جيب سرواله... وعندما خلد الجميع للنوم... كان قرن الفلفل تحت لسان صالح... ولم يمر سوى بضع دقائق... حتى ارتفعت حرارة بدنه... وبدأ يرتجف.

قام صالح نحو الخفير... وطلب منه مقابلة الضابط... وبعد أن شرح له مدى معاناته من أثر الحمى... سمح له الضابط بالكشف لدى الطبيب... حصل صالح بعد ذلك على إجازة مرضية يقضيها في المستشفى التابع للكلية... أوه ما أجملها من فسحة... فسحة في المستشفى.

نام صالح على السرير الأبيض... لقد بدأ يتنفس الصعداء... لن يتناول أي نوع من العلاج... لأنه حريص على أن يبقى مريضاً أطول وقت ممكن... وأول شيء فكر فيه... آية «بسم الله مجريها ومرساها...»

لذا طلب مصحفا... وبدأ يبحث بشغف... حتى وجد الآية... ولم تغب شمس ذلك اليوم حتى حفظ السورة كاملة... وعندما جاءه الطبيب في اليوم التالي وجد صحته على ما يرام... بشّره بأن الخروج سيكون قريبا... ولكنها كانت بشارة أشبه بصدمة.

3- "حُب جديد"

في اليوم التالي... وُقَّعت شهادة الخروج... وخرج صالح... لكنه سعيد... لأنه خرج وقد حفظ سورة هود كاملة... وهي أكبر مكسب يشعر أنه كسبه منذ فترة.

وبمجرد وصول صالح إلى ميدان الكلية الواسع... أمره الضابط بلبس جميع ملابس التمرين العسكري... ذهب صالح للبس... ثم عاد ليدخل في صفِّةِ الطابور... وأمره الضابط أن يردد مع زملائه:

- "«واحد» «اثنان» «واحد اثنان»"

ومع ذلك الترديد الذي ردده صالح... بدأ يتذكر حَدَثاً قديماً... مر عليه قرابة الثلاث عشرة سنة... لقد ردد صالح الكلمتين ذاتها... مع ابنة أحد الجيران الصغيرة... كانت بجواره... وكانا يلعبان سوياً بالكرة ... ولكنها قالت:

-" أنا لا أحب الكرة"

- " وماذا تريدين أن نلعب إذاً"

- " لعبة واحدة اثنين"

- " لعبة بنات... أنا لا أحبها"

- " وأنا لا أحب الكرة"

- " إذن نلعب واحد اثنين... ثم نلعب بالكرة"

- " هيا..."

جلس الطفلان حينها... وكل منهما يضرب بيده يد الآخر... ويقولان سوياً:

- " واحد اثنين... واحد اثنين"

بعد قليل... وبدون شعور... أصبح صالح في الميدان العسكري... يرفع يديه... ويتخيل أنه يصفِّق بهما في يد حنان... واحد اثنين... واحد اثنين... ولكن الضابط استوقفه... ثم دعاه بعنف:

- " ماذا بك... يا عسكري"

- " لا... أبداً... يبدو أنني لم أسترجع كامل صحتي... فأنا أحس بدوار... وبفقدان كامل للعقل... لعله من آثار الحمى"

- " فقدان للعقل... يبدو أنني سأجعلك تفقده مع نهاية هذا التمرين... هيا ازحف على بطنك إلى نهاية السور... هيا..."

وبدأ صالح يزحف ويزحف... ولكنه في الوقت ذاته يفكر بانسجام:

- " أوه... كيف حالها يا ترى؟... حنان؟... هل يا ترى تزوجت؟... كم كانت تفرح كلما رأتني... عندما كنا أطفالا... هل ستفرح يا ترى؟... لو رأتني... في هذا الموقف الذي حصل لي بسبب تذكري لها... أوه... كيف خطرت على بالي؟... في هذا اليوم... غريب؟"

كانت تلك البداية... هي بداية جديدة... لحب صادق... وقر في قلب صالح... لفتاة لا يعرف عنها أيَّ شيء... سوى أنها كانت طفلة مؤدبة... محترمة:

- " ولكن... هل ستكون حنان... زوجة المستقبل... أم أنها قد تزوجت؟... هل كبرت... أم أنها لازالت صغيرة؟... لا... لا... الآن عمرها «18» سنة... يجب أن أكمل الكلية... ويجب أن أتخرج... حتما سأكون سعيداً لو تزوجت من حنان"

وفي مساء تلك الليلة... وقبل النوم... وقبل إطفاء الكهرباء... أخرج صالح قلماً وورقة... وبدأ يسطر فيها هموماً جديدة... لم يعهد قلبه أبداً أن ينبض بها من قبل... لقد انفجرت قريحته بترانيم وأشعار... وقصائد جميلة... أحس أن الحياة بدت تحلو في نظره... بعد أن كانت لوحة صامتة سوداء... وكتب مشاعر طويلة في ورقة معه... وكان أول سطر في ورقته:

- " «فاظفر بذات الدين تربت يداك»."

ثم كتب :

- " بانت حنان فقلبي اليوم متبول



متيم إثرها لم يفد محبوس"




ثم خطر في باله خاطر مؤذٍ... لقد تخيل أن حنان قد تزوجت... أو ماتت... وهو لا يعلم... أو قد يموت هو قبل أن يتزوجها... قد يموت من هذا الغم الذي يعيش فيه.

- " أوه ما أبأس الحياة!... كثيرٌ هم الذين أحبوا... وترنموا بقصائد طويلة في حبهم... ثم حرموا من فتيات أحلامهم... أوه... ما أجمل الحب الذي لا يُنغِّصه موت... أو تذكر للموت... الحب الذي يعقبه زواج ولقاء... وما أقبح الحب الكاذب... يا رب زوجني من حنان في الدنيا... أو... يا رب زوجني بها في الجنة... أوه ما أجمل الجنة... لا موت فيها ولا خوف... أو... يا رب زوجني بها في الدنيا وفي الجنة... نعم... نعم يا رب... في الدنيا وفي الجنة"

أُطفئ النور... ودخل صالح في نوم عميق... وكان على أمل أن يلقى حنان... في عالم الأحلام .

الفصل الرابع

1- " أمر هام"

ناصر يسير الآن بسيارته القديمة... إنه يتابع العداد... كي يتأكد من كونه ينطلق بالسرعة القصوى... وهو في الوقت ذاته... يشعر أن الفرحة تَكاد تتملَّكه... وبين الفينة والأخرى يضحك بهستيرية... ويضع يده متحسساً المقعد المجاور... حتى إذا لامست يده الكيس الأزرق... يعيد يده أخرى إلى ناقل الحركة في السيارة... كي يعطيها "نمرة" أخرى... لقد مر وقت طويل... لم يقم ناصر فيه بزيارة أهله... إنه مشغولٌ الآن... بأعمال ومهام.

أثناء ذلك... مد ناصر يده... وأدخلها في الكيس الأزرق... ثم أمسك بكيسٍ أصغر... له لون أحمر... أخرجه بهدوء... ثم قرَّبه من عينيه ثم نظر فيه... وضحك بشكل أكبر... وقال:

- " أنت يا إبليس... من اليوم "ورايح"... تلميذ عند المعلم ناصر...هـ... هـ..."

... وعندها ترنم بالبيت القائل

«كنت يوماً من جند إبليس حتى



ارتقى الحال بي فصار إبليس من جندي»




وصل ناصر بسيارته في غضون دقائق... إلى أحد الأحياء القديمة... الحي يبدو غير آهل بالسكان... أو أنه لا يسكنه إلا الطبقة التي تحت الصفر... ممن يعيشون تحت حديدة الفقر.

وعندما أوقف ناصر سيارته أمام إحدى الأبواب المتهالكة... نزل بسرعة... حاملاً معه الكيس الصغير... ذا اللون الأحمر... وقبل أن يصل الباب... نظر يمنة ويسرة... ليتأكد من أن أحداً لا يراقبه... ثم طرق الباب بقوة.

2- "بيتٌ خرب"

مرت لحظات... ناصر واقف أمام الباب... أعاد النظر هنا وهناك... ثم عاود الطرق... لم يطل الوقت... فُتح الباب... وبدا من بين شقيه وجهٌ كالح... لشيخ كالح... له لحيةٌ طويلة شعثاء... مُلْفِتة للأنظار... وشاربه أشدُّ إلفاتاً... ويبدو أنهما وضعا للتمويه... رسم الرجل ابتسامة صفراء على محياه... ثم استقبل ناصراً بنظرات ريبة... ثم مد يده... وربَّت على كتف ناصر... وأدخله للداخل.

وعندما جلسا على سجادة من القطن البالي... تبادلا الكثير من أحاديث المصالح... وتسلم خلالها ذلك الشيخ مبلغاً من المال... وتسلم الكيس الصغير... ثم تبادل الاثنان ضحكات الرضا... وخرج ناصر أشدّ بهجة من ذي قبل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق