الجزء الخامس
الفصل السادس عشر
1- "الفاجعة رقم 2"
حنان مستقرة في بيت زوجها المرحوم... أمُّها معها... إنها تحاول مساعدة ابنتها... على تجاوز الأيام الأولى من أيام العِدَّة... شيء رهيب هو الموت... وأرهب منه ذلك الفراغ الذي يخلفه الموت داخل أسرة الميت... ولكنه القضاء الأزلي الذي درجت عليه الحياة... إنه حكم الله في عباده.
مرت الأيام بهدوء حزين... وسرعان ما بدأت حنان تتأقلم مع الوضع الجديد... شيء من الهم الذي جثم على حياتها بدأ يزول شيئاً فشيئاً.
مرت عشرة أيام... بعدها رُئيت حنان وهي تبتسم... مرت أيام أخرى... ها هي حنان بعد ثلاثين يوما... إنها تضحك... وبعد شهرين أصبحت تمارس حياتها كامرأة طبيعية.... إلاَّ أن مِسحةً من الحزن تحتاج لفترة أطول كي تنصرف كلياً من قلبها.
الأحداث في الخارج تدور بطريقة غريبة... مرت ستة أشهر... لقد ظهر صالح في الساحة من جديد... وظهر بهيئته الطبيعية جداً... الأكثر ميلاً للتَّدين والاتزان.
وما لبث صالح أن تقدم لخطبة حنان من والدها... هذا أمر مدهش... لم يكن أحد ليتوقعه... وبالأخص بعد الإشاعات التي انتشرت عن صالح... لقد صدّق الكثيرون... ما قيل عنه... كونه تغير تغيراً جذرياً... بعد أن دخل في طيات مجتمع العسكر «كما يقال».
ولكن الحال يختلف بالنسبة لأبي حنان... لقد فرح كثيرا لهذه الخطبة... أنها تَعِدُ بمستقبل مُشرِّف لابنته... ومطمئن أيضا... حنان... الفتاة التي رزأتها الحياة أيما رُزْء... وفي أول طريق سلكته... مع منحنيات دروبها الملتوية.
حمل الأب خبر الخطبة إلى حنان... وعندما علمت حنان... أحست أن عصفوراً حُلواً بدأ يُغرِّدُ في وجدانها... تذكرت لتوها باسم... وأخرجت من عينيها دمعات حارة... وداعاً أبدياً لمن أحبَّته... ولمن أصبح الآن طيناً... طلب منها والدها الإسراع في الإجابة... ولكنها قالت:
- "ليس بعد يا أبي... بل ننتظر قليلاً... حتى يجف تراب قبر باسم"
- "يا ابنتي... باسم توفى إلى رحمة الله... والزواج ستر... وصالح رجل طيب... ويحبك من كل قلبه... قولي كلمة واحدة... فقط أردُّ بها على الرجل"
- "خذ الجواب مني غداً"
وعلى سرير نومها... تتأمل حنان وتطيل التفكير... أرجعت ذاكرتها لأيام الطفولة... لم تكن أبداً تظن أن حُبَّها الأول سيعود... ولم تكن تتوقع أنها ستتزوج من صالح... عجيبة هي الحياة.
وفي صباح اليوم التالي... علم أبو حنان موافقة حنان على الزواج الجديد... ونقل الخبر إلى صالح.
صالح جالس في مكتبه... أعمال كثيرة... وقضايا أكثر... ما كل هذه الأعباء... إنه يرفع كأس الشاي... ثم يعيده دون أن يشرب منه... وبعدها يطيل التفكير والتأمل... نوع من الكآبة المجهولة يرتسم دائماً على ملامح الملازم صالح... لا أحد يدري عن سبب تلك الكآبة... ولكن الجميع يأملون في تجاوزه لتلك الأزمة... عندما يتأكد زواجه من حنان... حتما سيكون الزواج مِمْحاة تمحو كل أحزان هذا الرجل.
2-"قلبان من جديد"
مرت الأيام سريعة... وتمَّ عقد القران... وفي تلك الليلة... جلس صالح في منزل العم عبد الله... في المكان ذاته الذي جلس فيه عندما جاء هو ووالده للخطبة الأولى... منذ أكثر من عام... كانت نظرات صالح تجول هنا وهناك... وكان مشغولا بفرك أصابعه... والقلق مرتسم على قسمات وجهه... لم يمر وقت طويل... لقد جاءت من هناك... حنان... رقص قلب صالح قليلا... ثم بدا وجهها.
وقف صالح... وألقت هي بالتحية... ابتسم صالح... وابتسمت حنان... ثم تقدمت حتى جلست بجواره... وتقابل الزوجان حنان وصالح... بعد طول فراق... مد صالح يده ليمسك بيدها... أراد أن يطير... وتطير هي معه... للأعلى... بعيداً عن هذه الحياة... وعن هذه الأرض... ولعله هرباً منها.
لم يدم وقت الخطوبة كثيراً... حُدِّد موعدٌ قريب للزواج... شهر واحد فقط... بين الخطوبة والزَّواج... استطاع خلالها كل من الزَّوجين أن يجلس مع الآخر... جلسات مُطوَّلة... يسبر فيها أغوار نفسه... وآماله... وطموحاته... بدت نفسية حنان وكأنها مرآة لم يمسسها خدش من آلام هذه الحياة... وبَدَت نفسية صالح أكثر استقراراً... وبدا وأن السعادة سترتسم من جديد على محياهما.
أذّنَ فجرٌ جديد... لأسرة جديدة... ولعل المستقبل القريب يلد أحداثا جديدة... لأن قصة الحياة الغريبة... تشي بأن أيام الحياة الضاحكة... تحمل آلاف الخناجر المسمومة.
صالح له الآن دخل ممتاز... لقد استأجر منزلاً واسعاً... وأثَّثه بأثاث فارهٍ... إعداداً لاستقبال حياةٍ جديدة.
تم الزواج في موعده... وبعد يومين من الزواج... قرر كل من صالح وحنان أن يقضيا أول أسبوعين بعد الزواج في سفر لمنطقة جميلة... ثم يعودا بعد ذلك لمنزلهما الجديد.
وابتهج الأهل والأصحاب والتقى الزوجان على متن طائرة متجهة لجدة ثم مكة... ثم مدن أخرى كثيرة... رُتبت بطريقة جيدة في ذهن صالح.
مر الأسبوعان سَلِسا الأحداث... جميلا المشارق والمغارب... يحسدها النسيم هدوءها... والشروق جمالها.
أحس صالح... أن حياته الآن أصبحت تسير ناحية الاستقرار الذي كان ينشده... قال ذات ليلة لحنان:
- "لقد بدت الحياة جميلة منذ أصبحت زوجتي يا حنان... صدقيني... لقد عشت المعاناة كلها... يوم أن قالوا إنَّك تزوجت"
- "رحمه الله... أرجو أن لا تذكِّرني به... لقد مات... مات وانتهى... وسينتهي حُبُّه في قلبي... وسيحِلُّ مكان حُبِّه حبك أنت"
- "لا... لا... لا يجب أن تنسيه يا حنان... ترحمي عليه دائماً واذْكريه بالخير..."
- "أترضى أنت بذلك... إنه كان عدوك اللدود"
- "أعوذ بالله... ماذا تقولين... ما هذا الكلام... كيف عدوِّي اللَّدود؟"
بدت قسمات الحرج... تتَّضح على ملامح حنان... وقالت ساعتها:
- "لم أقصد... ولكن النَّاس كانوا يقولون ذلك"
- "ماذا بك يا حنان؟... يجب أن تكون الثقة بيننا أكبر... عدوي لماذا؟... صحيح أنني غضبت غضباً كبيراً عندما علمت من زواجه منك... ولكن كيف أعاديه؟!"
دخلت حنان في دوَّامة من الأفكار... لم تكن تتوقع أبداً أن تسمع هذا الكلام الجميل... يخرج من فم صالح... لقد كانت تعلم أن صالحاً تقدم لخطبتها... وأن أباها ردَّه... لأنها أصبحت مخطوبة لباسم... وسمعت بعد زواجها بباسم... وقبل موته... أن صالحاً أصبح غريب الأطوار... بل لقد سمعت بعض النسوة... وهنَّ يحذرنها من ألاعيب المجرم المستجد... صالح... خاصة أنه قد يستخدم السحر لفصل الزَّواج... وبعد موت باسم... سمعت عَرَضاً من إحدى النساء قولها:
- "من يكون يا ترى القاتل؟... سيقع لا محالة في شر عمله... مع أني أشك... أشك في واحد... كل الدلائل تدل عليه... حَبيْب الصِّبا..."
قالت المرأة هذه الكلمة... وألقت بنظراتها إلى حنان... لتتحسَّس ردة فعلها.
ولأن حنان لا تملك الدليل... ولا تزال أيضا تحتفظ بشيء من الود لصالح... قالت:
- ""إن بعض الظن إثم"... لا أسمح أبداً باتِّهام رجل بهذه الجريمة... ما لم يُقدم الدليل"
عندها سكتت المرأة... ومنذ تلك الساعة... وحنان تحمل في نفسها شكَّاً... ضئيلاً... ولكنَّ جميع الشكوك زالت الآن... مع حديث صالح لها الآن... وترحمه على زوجها... والواقع أن حنان بنفسها... تريد زوال تلك الشكوك.
ولكنَّ... سرعان ما عادت الشكوك لحنان مرة أخرى... لقد بدأت تتساءل:
-" وما المانع أن يتستر صالح بلباس الكَبْش... خاصة بعد أن مات باسم... بل إن من الذَّكاء أن يُظهر للناس أنَّه كان يُحب باسماً كل الحُب... قد يكون فعلاً هو... الـ... لا لا... أعوذ بالله"
3-"الوليمة المشؤومة"
تمر الأيام جميلة... وتبدو الحياة بوجهها الطيب... صالح في منزله... يعيش سعيدا مع زوجته... والبسمات لا تكاد تفارق الشفاه... والهناء يطرق عليهم كل باب.
قرر صالح عمل وليمة... يجمع فيها أهله وأهل زوجته... هذا هو العُرْف... وهذه هي العادة... مَرَّ الآن على الزواج ثلاثة أسابيع... اثنان منها قُضِيا في السفر والنُّزهَة... والأسبوع الثالث قُضي في المنزل... وبقي أسبوع واحد عن انتهاء الإجازة التي منحت لصالح... ستكون الوليمة يوم الخميس من الأسبوع الثالث.
عمل صالح جميع الترتيبات اللازمة لإنجاح هذه الوليمة... وفي يوم الأربعاء... اشترى خروفين في غاية الجودة... وذهب بهما إلى مطبخ راقٍ... وفي اليوم ذاته اشترى كرتوناً من الموز وآخر من البرتقال وثالث من التفاح... واشترى عنباً وكمثرى... واشترى الخضروات اللازمة لإعداد السَّلطات... والإدامات.
قالت له حنان:
- "هذا إسراف... لا داعي لكل هذا"
- "بل إكرام الضيف واجب"
- "صدقت... ولكن الإسراف محرم... وفرق كبير بين الإسراف وإكرام الضيف"
- "أول وليمة تكون باسمي... يجب أن تكون متكاملة"
- "إذن هي ليست لوجه الله... فقط ليُثني عليكَ الناس... يجب أن تكون قدوة يا صالح... يجب أن نُغير الخطأ ولا نشارك فيه"
- "صدقيني... ليس من إسراف فيما فعلته... أبداً..."
- "أرجو ذلك"
- "قولي لي يا حنان... وماذا قررتِ أن تُعدِّي لنا من الحلويات والكريمات؟"
- "كما تريد... مع أنني أعرف أن مصيرها لسلة النفايات"
- "نوعين أو ثلاثة فقط... ليعرف أهلك أني أحبك وأنني أحبهم"
- "ولماذا نراقب الناس؟... حتى في حبنا؟... صدقني يا صالح... أنا لا أحب المظاهر التي لا توجد إلا لمراءاة النَّاس"
- "مرة واحدة في العمر"
- "لم أستطع إقناعك... ولكني على ثقة أنك ستقْتنع يوماً ما"
- "الله يغفر الذنب"
في اليوم التالي اجتمع الضيوف من أهل صالح وأهل حنان... كان العدد لا يتجاوز العشرين من ذكور وإناث... والأمر كما يبدو لا يخلو من الإسراف... ولكن هذه هي وجهة نظر صالح الخاصة... لا حيلة.
أصبحت السفرة معدة إعداداً كاملاً... لا ينْقصُها إلا مُثُولُ الضيوف أمام تلك الأصناف المتنافسة.
وبقي على صالح... أن يُلقي عليها نظرته الأخيرة... ويُسَرُّ برؤيتها بهذا الشكل الجميل... قبل أن تتحول قاعاً صفصفاً... متَّع صالح نظره قليلاً... ثم قال في نفسه:
- " لن أراكِ ثانية... إلا وقد تَغيَّرت جميع محاسِنُك"
لم يكن صالح ليعلم أبداً أن هذه النظرة هي الأخيرة أيضاً... لتلك الغرفة... بل حتى لحنان... وهي جالسة قبالته... تقوم بإجراء اللَّمسات النهائية على المائدة.
ابتسم صالح لحنان وقال:
- "ألف شكر لك"
في تلك الأثناء... سُمع طرقٌ شديد على الباب... ويبدو أنه طرق لا يوحي بخير... انطلق صالح نحو الباب مسرعاً... وبعد أن فتح الباب فوجئ بذلك الصاحب القديم... الموظف لدى المباحث... واسمه وائل بن شاطب... لم تكن صحبتهما من قبل... إلا صحبة عمل... ودراسة... ذلك أن موظف المباحث هذا... أخذ دورة قديمة في الكلية الأمنية... تخص الأسلحة والمتفجرات... وتعرَّف فيها على صالح... لكن صحبتهما كانت صحبة جانبية.
ما يجدر ذكره... أن وائل بن شاطب هذا... هو نفس الشخص الذي كان يرصُد صالحاً أثناء تلك المباراة... التي حدثت جريمة القتل بعدها.
صالح استقبل وائلاً استقبالاً حاراً... وابتسم لرؤيته أول ما رآه ... ولكن ذلك الرَّجل لم يُبدِ أيَّ ابتسامة أو لين في الكلام... أقسم صالح عليه أن يدخل... لأن العشاء جاهز:
- "كلا أنا أتيت من أجل مهمة"
- "مهمة ماذا؟... أنا في إجازة كما تعلم... أو ربما لا تعلم"
- "أنا مأمور بالقبض عليك... هناك تهمة بسيطة... ويجب أن تحضر معنا لإجراء بعض التحقيقات"
- "ماذا؟... تهمة... يجب أن تتأكد من كلامك... أنا الملازم صالح"
- "أنا متأكد من كل ما أقوله... ولذلك أتيت"
- "إذن سألحق بكم بعد ساعة... عندي الآن ضيوف... لا أستطيع تركهم"
- "بل أنا لا أستطيع أن أتركك... أمر القبض فوري... أرجو أن تحضر معي بكل هدوء... حتى لا أضطر لدعوة العسكر من السيارة... ووضع القيد في يديك"
- "لابد أنك تمزح... أرني ورقة الأمر بالقبض"
أخرج موظف المباحث ورقة الأمر بالقبض... قرأها صالح... وتأكد من الخبر... اندهش لهذا الحادث الغريب... قال صالح لموظف المباحث:
- "إذن سأستأذن من ضيوفي... دقائق وأحضر إليك"
- "كلا أنت الآن أمامي... وأنا مسئول عنك... الشرطة محيطة بالمنزل... لا تفكر أبداً في الهرب... أرجوك... بهدوء تفضل معنا... حتى لا تحرج نفسك"
- "أقول لك سأستأذن من الضيوف... وأخبر أهلي"
- "سنخبرهم نحن بطريقتنا الخاصة"
ساعتها نادى صالح والده بكل صوته... ولسماع هذا الصوت تجمع العسكر... وحضر الأب... ووضعت القيود في يديْ صالح... واقتيد إلى حيث لا يُعلم... قال لأبيه من هناك:
- "اطمئن سأعود قريباً... اعتذر لي من الضيوف... قوموا للعشاء"
- "إلى أين يا ولدي؟!... ماذا حصل؟... انتظر يا عسكري"
ومع هذه الجَلَبَة... سمع الضيوف بالداخل ما يحصل في الخارج... خرجوا متسارعين إلى مصدر الصوت... وحينها رأوا الملازم صالحاً وهو يقاد بالحديد... ويركب في السيارة الخاصة بالمباحث الجنائية... كلهم أصيبُوا بالدهشة... لم يذهب أيُّ منهم جهة السفرة... وإنما اتَّجهوا إلى سيَّاراتهم... وركبوها فوراً... وانطلقوا خلف تلك السيارة التي تحمل صالحاً... لم يلحقوا بها... لقد كانت سرعتها فائقة.
وقفت السيارة أمام مبنى المباحث... وأُنزل منها صالح... وهو في شبه حُلم... مر وقت قصير... بعده اجتمع أقارب صالح حول بناية المباحث... لم يعد ثمَّ صالح... القضية أصبحت أكثر تعقيداً وغموضاً... وما الجناية التي يمكن أن يرتكبها رجل مثل صالح؟... لا أحد يعلم.
4-" حنان... والهاجس الرهيب"
حنان لم تعلم بشيء مما حدث... كل ما تعرفه أنَّ صالحاً خَرج من عندها ليقول للضيوف:
- "حيَّاكم الله على واجبكم..."
لفت نظرها أنه « لاحسٌّ ولا خبر » في غرفة الطعام... يبدو أنه لا أحد من الضيوف يجيد الكلام على الطعام... حاولت حنان أن تسمع ولو كلمة واحدة... من خلف الباب المقفل... والمفضي للمطبخ... ولكن... دون فائدة... قرَّرت حنان فتح الباب... وبالفعل... فتحت الباب... لم يكن أمامها سوى الطعام البارد... والهدوء الموحش... اتَّجهت نحو غرفة الاستقبال الخاصة بالرجال... تسمعت بقلق... لم تسمع أحداً... وَلَجَتْ غرفة الاستقبال... الغرفة خالية على عروشها.
وضعت يدها على قلبها... ماذا حَدَث يا تُرى؟... لُغْزٌ يحتاج إلى حل... ولكن... كيف لحنان أن تعرف هذا السِّر الغريب... ومن ثم تكون قادرة على حله.
كان والد صالح أكثر حِنكَة وإصابة في الرَّأي... لقد طَلَب من الجميع العَوْدَة للمنزل... قال لهم:
- "المسألة بسيطة جداً... وصالح الله يهديه... تغيب عن عمله لمدة ثلاثة أيام... لأنه ظن أن إجازته شهراً كاملاً... مع أنها فقط أسبوعان... وقرارات العسكرية كما تعلمون صارمة... لذا أمر الضابط الأعلى رتبة... والمسئول عنهم بإيقافه يومين... هكذا العسكرية... لا رحمة ولا شفقة ولا تقدير... ولكن يجب أن نعود إلى المنزل الآن... العشاء سيبرد يا جماعة"
قال أحد الحاضرين:
- "بسيطة ما دام الأمر هكذا لا مشكلة"
إلا أن أحدهم قال:
- "مستحيل... لا يمكن أن يعاقَب على التغيِّب بهذه الطريقة... ثم إن المباحث الجنائية هي التي قبضت عليه"
أجَابَ الأب بحنكة أكثر... وقد أحْرجه هذا السؤال قليلاً:
- "إن تغيبه لهذه الأيام الثلاثة... نتج عنه مشكلة تتعلق بالمباحث الجنائية... هكذا قال لي العسكري... لأن هناك بعض المساجين الذين وضعوا تحت عُهدَته... كان من المقرر رفع تقارير عنهم... وتأخَّرت التقارير لتَغَيُّبه... لذا هم يريدون التحقيق في الموضوع"
قال أحدهم:
- "ولكن المسألة فيها شرطة... أظن القضية أكبر يا جماعة"
قال آخر:
- "الشرطة دائماً تدخل نفسها في كل موضوع"
قال الأب:
- "صدِّقوني المسألة تافهَة كما قلت لكم... الله يعينك يا صالح على يومين أو ثلاثة في التوقيف بسبب إهمالك"
عاد الجميع... وتناولوا الطعام البارد... وانفرد أبو صالح بأم صالح وبحنان... لينقل لهم الكذبة نفسها... إلا أن حنان لم تكن من السذاجة بحيث ينطلي عليها مثل هذا الكلام الفارغ... بسبب خلفية ما... كانت تعتلج في نفسها.
بدأت الهواجس تزداد وتزداد... مرّ على حنان طيفُ زوجها السابق... باسم... ارتعشت كلَّ أطرافها... تذكَّرته حين قتل:
- " من يا ترى قتله؟... من؟... من؟"
هزَّت حنان رأسها بعُنف... وقالت:
- "لا"
قالتها بصوت مرتفع... أشبه بصرخة طويلة... حنان لم تعد قادرة على التحمل... ولا تريد أن تجيب حتى أمام نَفْسها... عن سؤال ترنح في داخلها... ويريد جواباً مُسْتَعْجلاً... ولكن... قريباً ستُكشف الحقيقة... ويتبين كل شيء.
5 - "التحقيق"
ماذا فعل صالح؟... ولماذا قُبض عليه؟... وهل تراه يحمل سراً خطيراً؟... وكيف ستكون نهايته؟... بعد أن أشرقت بدايته الجميلة... مع زوجته وحلمه في الحياة... حنان؟.
الجدران الأربعة تحيط بصالح... نظراته غاضبة... وكل شيء بجواره كئيب... وهو يكاد يأكل نفسه غيظاً... الزنزانة هي آخر شيء كان يفكر أن تحويه... إنه الآن بداخلها مكتوف الأيدي... وأخبار اعتقاله لا تطمئن... الجريمة الموجهة إليه جريمة قتل... نعم قتل... صالح هو المتهم لأول بقتل باسم... وغداً سيبدأ التحقيق... وستبرز أدلة إدانته الواضحة... وعندها لا سبيل أمامه سوى الاعتراف.
مرت ليلة سوداء كئيبة.
اليوم التالي كان صباحه أكثر كآبة... لأن صالحاً وقف أمام المحقق... الذي تلوح بوادر الشؤم في قسمات وجهه... ذلك الشارب المعكوف... والمصبوغ للتو... والجبين الغضبان غضباً فطرياً... مدعوماً بغضب متكلف... قال المحقق:
- "أنت ضابط... ومن الأفضل أن تعترف بكل شيء... لأنك تعرف... أن إطالة الكلام... معناها الاعتراف بالقوة"
- "لو سمحت... من حقي أن أعرف أولا... بماذا اعترف... أنا لست مجرماً"
قال المحقق وهو يضع قدما على أخرى:
- "بدأنا في التهابل... على كل... لماذا قتلت باسم؟"
- "أعوذ بالله... ماذا تقول؟... أنا مسلم لا أقتل أخي المسلم"
- "أوه... إذن تريد منا أن نذكرك بماضيك... ألم تقل ذات يوم أنك ستقتله؟!... نعم... قلت ذلك بفمك... وشهد بسماع كلماتك اثنان ممن سمعوها منك"
- "ولكن... قل لي... لماذا أقتله؟"
- "أنا من يجب أن يسألك هذا السؤال... على كل... الجواب معروف... وهو منطقي عند المجانين بالحب... أنت قتلته يا عزيزي... لأنه تزوج حنان... الفتاة التي أحببتها... وقتلته بالطبع... لتتزوجها من بعده... ولكنك ولحسن الحظ... كنت تتصرف على مستوى بالغ من الحماقة... صدقني... الدم أبداً لا يضيع"
احْمَرَّ وجه صالح... شعر بحاجة ماسة للبكاء... وشعر أنه لا يريد النطق بكلمة... وماذا عساه يقول؟... أردف المحقق:
- "ليس هذا فحسب... الأدلة على إدانتك كثيرة... مثلاً... في ذلك اليوم الذي قُتِلَ فيه باسم... كنت من الحاضرين في الملعب... لا للتشجيع طبعاً... وإنما لكي ترى كيف يمكنك أن تأكل الكتف... وأكلتها طبعاً.
المهم أنك في ذلك اليوم... وبعد أن رأيت باسماً موجوداً في الملعب... اختفيت قليلاً... اختفيت ثم عدت... طبعاً السبب معروف... لتحضر أداة القتل... وقبل انتهاء المباراة ذهبت مع نفس الطريق... الذي قتل فيه باسم... قل لي... هل تستطيع إنكار شيء من هذا؟..."
- .......
- "أجب... دافع عن نفسك"
- "....."
- "إذن... أنت لا تستطيع أن تجيب... لأنك لا تملك جوابا... أنت ذُهلت من دقة مراقبتنا لك... أيضاً... أزيدك من الشعر بيتاً... في ذلك اليوم... وعندما كنت تنظر للمباراة... كان اضطرابك يزداد... كلما أمسك باسم بالكرة... وربما اهتزت أوصالك... يا قاتل... وبالطبع... اختبأت في الممر... وعند مرور باسم... هجمت عليه... وقتلته"
- "هذا كذب... كذب... أنا لا أقتل أحداً"
نظر إليه المحقق... نظرات ازدراء... وقال:
- "اللهم طولك يا روح... إذن تريد الكرباج"
في أثناء ذلك... دخل أحد الجنود... على المحقق... وقال له:
- "الطبيب حضر"
- "دعه يدخل"
دخل الطبيب صامتاً... وأخرج من شنطته الخاصة إبرة... وطلب من صالح إبراز الوريد في يمناه... وبكل هدوء... أدخل الطبيب الإبرة في الوريد... وسحب عيِّنة دم... وقال:
- "بعد ربع ساعة... ستكون النتيجة جاهزة"
بقي صالح واقفاً... أما المحقق فقد اشتغل بأوراقٍ لديه... ذلك لأنه ينتظر نتيجة تحليل الدم... لتلك العينة... وبعد ربع ساعة... دخل الطبيب... وقال:
- "نفس الفصيلة... يبدو أنه هو"
خرج ساعتها الطبيب... بعد أن ألقى نظرة كئيبة على وجه صالح... بعدها أدلى المحقق بابتسامة ساخرة وشامتة... تم تحدث بهدوء:
- "هل عرفت الدليل الدامغ على إدانتك يا شاطر... عندما طعنت باسماً... يبدو أنك جُرحت... عرفنا ذلك عند تتبعنا لأثر الدم... الذي خرج منك... كان أحد العسكر ذكياً... لا... لا... لم يكن ذكياً... بل إرادة الله التي قضت بأن توقعك في سوء عملك... لذا وجد العسكري قطرات من دمك... لقد نزف دمك على كيس مُلقى على الأرض... وتم نقل تلك القطرات... وتحديد فصيلتها... فعلاً كما هو معلوم... كانت فصيلة دمك التي حللها الدكتور الآن... هي نفس فصيلة دم المجرم... الذي هو أنت... وبالطبع... أنت الآن ستعترف... أرجو أن تتقدم مشكورا... لتكتب اعترافاتك... وبكل هدوء"
- "أنا لم أقتل أحداً... هذا أول كلام أقوله... وآخر كلام أقوله"
- "أول كلام نعم... أما آخر كلام... لا.."
قام المحقق من مكانه... وحمل كوب الماء البارد... ثم رشه في وجه صالح... بعدها ابتسم في تشفٍ... ومد يده ناحية كرتون مستطيل... يحوي عددا من عِصَيِّ الخيزران... تناول عصا طويلة... ورفعها بهدوء... ثم أنزلها على ظهر صالح... بأقصى قوة... قال المحقق ساعتها:
- "أول السيل قطرة... وأول الجلد جلدة... ستعترف أم تريد القوة؟"
قال صالح في انفعال:
- "أنا لم أقتل أحداً"
- " وأنا سأقتلك جلدا"
جُلد صالح بعد هذه الكلمة جلدات كثيرة... بعضها في وجهه... والآخر في سائر بدنه... ثم حمل إلى الزنزانة... بعد أن سقط من الألم... وسيبقى على ذمة التحقيق.
لم يكن لخبرٍ كهذا... أن يبقى طيّ الكتمان... خاصة وأن الشرطة اتصلت بوالد باسم... للإدلاء برأيه في المتهم... لقد سرى الخبر في الحي... سريان النار في الهشيم... وأصبح حديث جميع معارف باسم... ومعارف صالح... وأيضاً معارف حنان... واسْتغلَّ ضعاف الأنفس هذا الحدث... لصناعة قصص وروايات... ما أنزل الله بها من سلطان... واستمتع كثير من السامعين... لجمال سرد أولئك القاصين... وحزن بعضهم... وبكى البعض حزناً لذكرى باسم... أو حزناً لما آل إليه حال صالح... وبكى أبو حنان من جميع أوصال قلبه... على الأحوال المذهلة... التي تتنقل فيها ابنته المسكينة.
شخصين حتى الآن لم تصلهم الأخبار بتفاصيلها... الشخص الأول حنان... والثاني أم صالح... ومن يجرؤ أصلاً على حمل الأخبار... إلى هاتين المسكينتين.
لكن لا محيص أبداً... من أن يتحمل هذه المسؤولية أيما شخص من أقارب المرأتين... وبالفعل... رأى أبو حنان أن عليه مسؤولية إيصال الخبر لحنان... بكل تفاصيله... خاصة وأن المقتول هو زوجها الأول... ويلزمها الإدلاء بأقوالها أمام الشرطة... إذا دعا الأمر... وأما القاتل فهو زوجها الثاني... وعلاقتها به... لاشك أنها في قمة الهرم... علاقة زوجة بزوجها... ولكن... كيف تراها ستستقبل خبر هذا الزوج... الذي سيقتل قريباً... إن ثبتت التهمة عليه.
ومع انتشار الإشاعات... وإبداع الرواة في سردها... صدَّق الجميع ما قيل عن صالح... واقتنعوا أنه هو الجاني الحقيقي... خاصة بعد أن برزت كل الأدلة صريحة ضده... نعم صالح هو الجاني في نظر الجميع... وهو لا يملك دليلاً واحداً لإثبات براءته... وسيبقى رهين حبسه... حتى يصدر الحكم بالقصاص... أو تحصل معجزة تُظهر براءته.
ولكن... ترى هل ستصدق حنان... مع كل هذه الدلائل... بتلك الدعاوى... وهل ستطلب الطلاق من صالح... وستطلب بحقها في القصاص... أم أنها ستتنازل عن حقها في القصاص... لا أحد يدري.
6 - "الصدمة رقم 2"
أبو حنان واقف... إنه أمام باب الغرفة التي تجلس فيها حنان... وهو يعرف إنها حزينة جداً... لا لأن صالح سيُقْتل... ولكن لأنه سيسجن ثلاثة أيام... أو أربعة... بتهمة التأخر عن عمله... وسيبتعد عنها كل هذه المدة... كيف يا ترى سيكون حزنها... لو تأكد لها الهاجس العميق... الذي دفنته في مقبرة عميقة في قلبها... قال لها أبوها:
- "تعرفين ما حصل لصالح"
- "نعم"
- "قد يتأخر في السجن... نريد منك أن تأتي لمنزلنا"
- "لا... أرجوك يا أبي... سأبقى في بيت زوجي إلى أن يخرج... ثم هو لم يأذن لي بالخروج"
- "لا أدري يا حنان... أخشى أن يتأخر"
- "يتأخر؟... يتأخر لمدة كم... أسبوع مثلاً... مستحيل"
- "لا أدري... ربما عشرة أيام... أو نصف شهر... يبدوا أن القضية أكبر ممَّا نتصور"
قامت حنان ساعتها بتوتر... واقتربت من والدها... ثم قالت في ريبة:
- "ما القضية يا أبي... لماذا سجن صالح"
- "يا ابنتي... عليك بالصبر... أنت مؤمنة"
- "أنا مؤمنة... ماذا تقصد!!"
- "ألسْت واثقة من زوجك كل الثقة"
- "نعم"
- "هل من المعقول أن يرتكب جريمة... هل تتصورين هذا"
- "جريمة؟... جريمة مثل ماذا؟"
- "اطمئني... سيكون بريء... لقد دُبِّرت له تهمة... ولكن سيخرج منها إن شاء الله... مثل خروج الشعرة من العجين"
أمسكت حنان برأسها... لقد بدأت الهواجس تعبث بعواطفها... رجعت خطوات للوراء... ثم ألقت بنفسها على الكرسي... وهي تقول:
- "هل تقصد أن صالح مجرم..."
- "ليس مجرم... ولكن متهم"
- "وبماذا هو متهم... قل لي... لا تكذب علي أرجوك... لا تخفي الحقيقة عني... أنا سأتحمل أيما خبر... أرجوك... لا تخفي عني الحقيقة"
تشجع والد حنان بعد سماعه هذا الكلام... وقرر إلقاء الحقيقة كاملة... والله سيتولى أمر ابنته:
- "قبل أن أخبرك عن التهمة... يجب أن تتأكدي أنها مجرد تهمة... تهمة فقط... ليس إلا..."
- "قل لي... يا أبي... لا تلعب بأعصابي"
- "يقولون... إن صالح... هو... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... هو ال... القاتل لباسم"
- "ثم ماذا؟"
- "فقط... هذا كل شيء؟"
- "فقط... ما أدلتهم في ذلك؟"
اندهش الأب لهذا الرد البارد... غاية البرود... قال لها:
- "ماذا بك يا حنان؟... ألا يعني لك هذا الخبر شيئاً"
- "كنت أتوقعه... ليس جديداً علي"
- "تتوقعينه... ليس جديدا عليك... ما الذي أسمع؟... هل كنت تشكين في صالح؟"
- "كل شيء محتمل..."
اقترب والدها منها أكثر... كان مضطربا للغاية... يريد أن يهزها بعنف... قال:
- "إياك أن تفكري هكذا... كوني عاقلة... أنا أقسم أنه بريء"
- "لا أحد يدري"
- "ماذا أصابك يا بنت؟... بل يجب أن تدري... ويجب أن تثقي في براءته"
- "إذن من القاتل؟... من القاتل؟... من القاتل؟... قل لي... أكاد أُجَنُّ"
أغرقت حنان وجهها بين كفيها... وبدأ نحيبها يزداد ويزداد... كاد يتحول إلى عويل... تَقدَّم والدها قليلاً نحوها... وقبَّل رأسها في حسرة وقال:
- "كان الله في عونك يا حنان"
ثم خرج.
وفي الجِهَةِ المقابلة... تولَّى أبو صالح مسئُوليَّة إبلاغ أم صالح الخبر... دخل المنزل بهدوء وسكينة... وناداها بصوت مرتفع... ردت عليه:
- " أنا قادمة... فقط أسكب القهوة في الدلة... وأحضر التمر"
لم يطل الوقت... لقد جاءت أم صالح... وهي تحمل صحنا يحوي القهوة والتمر... جلست أمام زوجها... ثم سكبت فنجانا... وناولته إياه... في حين تناول أبو صالح الفنجان... وبدأ يتحدث:
- "يا أم صالح... ماذا يفعل المؤُمن إذا ابتُلي؟"
- "نعوذ بالله من البلاء... يصبر..."
- "وماذا يفعل إذا ماتَ ولدهُ؟"
- "فال الله ولا فالك... ماذا بك يا رجل؟"
- "أحسن الله عزاءك في صالح"
- "يا كافي... يا كافي... يا كافي... ماذا؟"
وضعت الأم يدها على رأسها... بدأ البكاء يَعْلُو ويَعْلُو.
- "اصبري وللصابرين عند الله الجنَّة... اصبري"
قام أبو صالح... خرج من المنزل... وبعد خمس دقائق... عاد إليها... وجدها تبكي... وتهز رأسها في حزن... قال لها:
- "يا أم صالح... لك عندي بشارة... صالح لم يمت... وإنما هو مسجون... في قضية قتل"
- "ماذا تقول؟... صالح لم يزل حياً... يا رب لك الحمد... يا رب لك الحمد"
- "نعم"
- "أنا لا أصدقك... أنت تكذبُ عليَّ... أريد أن أراه"
- "سترينه قريباً... أنا سأذْهب بك إليه"
أغمضت أم صالح عينيها... بدأ الوجود يضيق أمامها... حتى بدا أكثر شبها بقبر ضيق... كُدست فيه مئات الجماجم والعظام... وَضعت الأم يدها على جبينها... وبدت من تحت غطاء رأسها خصلات شعر بيضاء... وصَدْرُها المسكين يعْلو ويهبط... وهو لا يكاد يتَّسع لمثل هذه الفاجعة... قالت:
- "أبو صالح... هل أنا في حلم مزعج؟... قل لي بربِّك"
- "يا أم صالح لابُدَّ من الصَّبر... ابنُك بريء... اتهمه أولاد الحرام"
لطمت أم صالح خديها بكفيها... وهي تشيح يوجهها... ثم قالت:
- "اتهموه... يا الله... اتهموه بقتل من؟ "
اقتربت أم صالح من زوجها أكثر... ثم ارتفع صوت بكائها وقالت بنبرتها الباكية:
- "إيَّاك أن تقول... أنهم اتهموه بقتل باسم؟ "
- "نعم... هو باسم... عليه رحمة الله"
- "كيف حصل هذا؟... كان لديَّ إحساس دفين... بتهمة كهذه... حَرام يا ناس... صالح ابني... ربيْتُه بيدي هاتين... لا يمكن أن يُسيء لأحد... ولو بكلمة... كيف يقتل؟... كيف؟... كيف؟... نَذَرْتُ على نفسي... أن أدعو الله في كل ركعة أصليها... أن يُظهر براءَته... وسَتَظْهَرُ بَرَاءَتهُ حَتماً... يا رب... يا رب"
7 - "زيارة خاصة"
حنان تنظر لشجرة الظل الصغيرة... بجوار المقعد الذي تقعد عليه... ثم تصرف النظر عنها فجأة... أفكارها مشتتة... لأبعد الحدود... عليها الآن أن تعيش حياتها الجديدة... وبكل تسليم للقضاء... وعليها أن ترضى بالأمر الواقع... وتجفف دُموعها على زوجها الأول... وأيضاً دموعها على زوجها الثاني... وعليها أن تصنع بسمة وتبتسم.
لم يعد لحياة حنان أي معنى... ما دامت تقضي وقتها في البكاء... هذا هو قدر الله في الدنيا... وهذه هي إرادته... ولا بد من الأحزان... والمؤمن الصادق هو المؤمن الصابر.
صحيح أنها صغيرة على مثل هذه المصائب... وصحيح أن كل أترابها من الفتيات... يسعدن بزواجهن... ويسعدن بحُبِّهِن... أمَّا هي... فقد جرَّبت الزَّواج... وجربت الحب... إلا أن زوجها مات... وحبها تلاشى... وتزوجت أخرى... وحاولت دفن حَسْرتها بالرماد... ولكن سرعان ما هَبَّت الرِّيح... وأزالت الرماد... وأزالت حُبها الثاني... وزوجَها الثاني... وعاد حزنها... شيئا رهيبا... ليس جمراً فحسب... وإنما لهبٌ يُصلي القلوب... وتضاعف الحُزن الأول... ليطغى على الحزن الثاني.
8-" بكاء"
مرت أشهر ثلاثة... وبدأت تغيرات كثيرة تطرأ على حياة حنان... إنها حامل... حامل في شهرها الثالث... زوجها صالح... السجين... سيصبح أباً... وابنها القادم... سيصبح يتيماً... وهي... ستكون عما قريب... أرملة.
عليها الآن أن تبكي... وأن تبكي طويلا... حيناً على زوجها الأول... وحينا على زوجها الثاني... وحينا آخر على نفسها... وأيضاً على طفلها اليتيم.
9-"رسالة"
صالح في سجنه الضيق... يحمل أرتالاً من المعاناة والحزن... لقد تعرض لأساليب جهنمية في السِّجن... من أجل أن يعترف بالحقيقة... التي تأرز في أذهان المحققين.
مرَّت عليه أشهر وهو يَلوذ بالإنكار... ثم بالصمت... ولمَّا بلغت معه الحلقوم... اعترف أنه القاتل... لا لشيء... إلا ليموت... فراراً من التحقيق المميت... هكذا قرَّر أخيرا... وهكذا انتشر خبر جنايته واعترافه... بقي له أمل وحيد في هذه الحياة الصعبة... أمل يتراءى له كلما انسجم مع وحدته... أمله في أن تأتي إليه حنان... لتبتسم إليه... وتقول:
- "اصبر لقضاء الله... ولا تجزع... أنت مؤمن... والمؤمن يبتلى... لترتفع درجته"
صالح يتجرع كؤوس المر... كُلَّما ساوَرَهُ الشك... بأن حنان مقتنعة بما يقوله المحققون... هل يعقل أن حنان بدأت تشك في كونه هو القاتل.
طلب صالح من والده مرَّات ومرَّات... أن يحضر حنان معه وهو قادم للزيارة... والد صالح حاول إقناع حنان للمجيء لزيارة زوجها في السجن... ولكنها كانت تتعذر بأعذار كثيرة... ويبدو أنها زاهدة في هذه الزيارة.
لم يكن تأخر حنان عن الزيارة... حدثا سهلاً على مشاعر صالح... إن له معاني وأبعاداً كثيرة... ولكن حرصه على مقابلتها... كان يزداد مع الأيام.
خطرت لصالح فكرة... سيكتب لها رسالة استجداء... سيطلب منها الحضور لزيارته... ربما كان ذلك نافعا... كتب صالح الرسالة... وأرسلها مع والده... وصلت الرسالة سريعا لحنان... فتحتها بحزن وبدأت تقرأ:
« سلام ومودة... وشوق يفوق الخيال... عزيزتي حنان... لدي أسرار هامَّة سأكشفها لك... عن نفسي وعن باسم... وعن حادثة القتل... لابد أن تحضري.... لابد.
المرسل/ القاتل البريء »
10- " لقاء حنان بصالح"
قرأت حنان هذه الكلمات... وأشْتَعَلَ الفضول في قلبها... كنار بركان... لم يكن أمامها خيار... عليها أن تقابل صالحاً... وفي أقرب وقت... أخبرت والدها بعزمها على تقديم زيارة لصالح... وطلبت منه مرافقتها غداً للسجن.
- "أنا سعيد يا بنتي بهذه المبادرة... جميل جداً... لقد عُدت لرشدك... ولعنت الشيطان... أنا مُتأكدٌ من براءته... يجب ألّا تتخلَّي عنه... ثم ما موقفك إذا تخليْتِ عنه الآن... وظهرت براءَتُه في أيام لاحقة... ولا تنسي أنه سيصبح أباً لطفلك الذي سيحمل اسمه من بَعْدِه... هذا عين العقل يا حنان"
- "نعم هكذا قلت وفكرت"
وبعد صلاة العصر... في اليوم التالي... نُودِيَ صالح لمقابلةٍ خاصَّة... انطلق بسرعة... ودخل غرفة الخلوة... أشرق أمامه وجه حنان... زوجته... وهي جالسة على الكرسي تنتظره... وعندما رأته... قامت في توتر... بدأت تدقق النظر في عينيه... أحست أن وجهاً أمامها... أشبه بوجه الذئب... الذئب تماماً... وأحست أن هناك مسحة من الإجرام الدنيء... دققت النظر في عينيه... تبادرت لذهنها صور الدماء... نظرت إلى يديه... شعرت أنه يحمل فيها خنجر الغدر... ودماء من دماء باسم... قال لها في لوعة:
- "أخيراً أتيت يا حنان... كم انتظرتك!"
زفرت حنان من كل قلبها... وأخرجت بعض دمعات من عينيها... ثم قالت:
- "قل لي إذن... لماذا قتلته؟... لماذا حطَّمت حياتي وحياته؟... وحياتك أيضاً؟... لماذا بعت نفسك للشيطان؟... بعد أن اشتراها الله منك"
نكس رأسه في حزن... ثم قال:
- "أنت يا حنان... أنت أيضا ترددين ما يقولون... كلا... مستحيل!"
وضعت حنان يدها على وجهها في تأثر... ثم قالت:
- "أردد ما قالوا... ألم تعترف بالجريمة يا صالح؟... ألم يتضح كل شيء؟... لقد حطمت كل شيء في حياتي... كلا... لا تُدافع عن نفسك... أنت قاتل يا صالح... قاتل... وسَتَلْقى جزاءك"
دخلت حنان في نوبة من البكاء... لم يطل الحال كذلك... لقد أكملت:
- " كل ما أردتُ قوله لك... شيء واحد... لقد جنيت على جنينٍ في أحشائي... جنيت عليه بعملك المشين... وسيعيش اليُتم القاتل طول عمره"
صُعق صالح... عند سماعه تلك الكلمات... القادحة بالشرر... وهي تخرج من بين شفتي حنان... وماذا عساه يقول... هل تلاشى أمله الوحيد... في أن تقف حنان معه في محنته... بعد أن ضحى بكل شيء من أجلها... أمله الوحيد... كان متعلقا ببسمة تخرج من شفتيها... تُعينُه في هذه الظُّلمات... بإذن الله... وتقوية... وتمنحه الصبر... ولكن... هل تحولت الحياة لحياة ذئاب... قال في استجداء:
- "حنان... أرجوك... هل أنت واثقة مما تقولين... هل أنت بالفعل تعتقدين أني قاتل؟!"
هزت رأسها في حزن... وقالت:
- "دمك شهد عليك... حقدك الدَّفين... شهد بذلك"
- "أنا لم أقتل... يا حنان صدِّقيني"
- "أنت قتلتني... نعم قتلتني يا صالح... ها أنا ذي... أموت الآن... وسأموت كل يوم... لم تُحبِبنيي ذات يوم... وإنما أحْبَبتَ نفسك... قتلت زوجي المخلص... لا لشيء... إلا لأنَّك تحبُّ نفسك... وتزوَّجتني... لا لشيء... إلاَّ لأنك تحبُّ نفسك... وأنا الآن... أتلقى اللَّطمات القاسية... التي وجَّهتها لي من قبل"
- "أرجوك يا حنان اسمعي كلامي"
- "قلت أنك ستقول لي شيئا... وستكشف ملابسات الحادثة... ماذا ستقول؟... وماذا ستكشف لي؟... بماذا ستعترف؟... وماذا عساني أسمع؟"
- "أنا بريء يا حنان... أنا بريء"
قالت في حقد:
- "أرسلت إلي... لتقول هذا الكلام... كلا... لن تنطلي عليَّ أهازيجك... لست ساذجة يا صالح... لقد تعلمت من الحياة درسا صعبا"
ابتسمت حنان... ابتسامة سخرية... وهزت رأسها... ثم ولته ظهرها... وخرجت وهي تقول:
- "ألهذا دعوتني؟!... فقط لتكذب علي... يال خيبة الأمل!"
دعاها:
- "حنان... أرجوك... أرجوك... صدقيني... قولي لي فقط كلمة واحدة... تشعرني أنكِ معي... في محنتي... أنا بريء... بريء... أنا أموت من الهم... أرجوك"
نظرت حنان إليه نظرةً أخيرة... وقالت في حسرة شديدة:
- "كذبت... فَلْتَمُتْ يا صالح... قبلك مات باسم... فلتمت غير مأسوف عليك... لم يَعُد لي من حاجة في الرِّجال"
خرجت حنان... واستقبلها والدها لدى الباب... وانطلقت معه... وأغلق الباب خلف حنان... وأغلقت جميع أبواب الحياة أمام صالح... وبقي باب الموت... الذي سَيُنْزله سيف السياف... ذات يوم قريب... بجسد نزل به من قبل... سيف الأسى وخيبة الأمل.
مرت الأيام ثقيلة على السجن... وعلى السجين الذي يسكنه... صالح هناك... قابع في وحدته... لم يعد أحد يأتي لزيارته... سوى والده ووالدته... وقليل من أقاربه... أصبح ينظر للحياة من دائرة تضيق كل يوم... حتى تكاد تتلاشى... وتخنقه داخلها.
شركة مكافحة النمل الابيض بمكة
ردحذفنحن شركة مكافحة النمل الابيض بمكة التى تتميز بتقديمها لافضل خدمة من الممكن الحصول عليها وهى مكافحة حشرات بمكة الخدمة التى تساعدك من اجل ان تحصل على منزل بدون اى حشرات كما اننا شركة مكافحة حشرات بمكة توفر لك اقل الاسعار لمساعدة الجميع على الحصول على خدمات مكافحة حشرات بمكة دون مواجهة اى مشكلة فلا تتردد بالاتصال بنا حتى تحصل على منزل خالى من جميع الحشرات
شركة مكافحة حشرات بمكة
https://elbshayr.com/3/Pest-control