الأربعاء، 23 يونيو 2010

قبلة من فم العنكبوت " الجزء السادس"

الجزء السادس والأخير

الفصل السابع عشر
1-"الثلاثون دقيقة... القاتلة"


يمتد شارع «15» من بداية الحي إلى نهايته... ويتقاطع في جهته الشمالية... مع شارع عشرين... ومع ملتقى الشارعين... توجد عمارة من دورين.
الجوُّ ساكن... وكأنه حُرِّم على الريح أن تنبس بنت شفة... والقمر يبسط ضوءه هنا وهناك... ويحيط بكل شيء في الخارج... والنُّجُوم واجمةٌ وكأنها تسترق السمع... لما سيحدث من حادث غامض... عند ملتقى الشارعين.
سكان الحي في منازلهم... لا أحد منهم يخرج في مثل هذا الوقت المتأخر... الكل نائمون... أو يستعدُّون للنوم... وجميع السيارات المتراصة على جنبات الطريق... قد بلَّلتها قطرات النَّدى... والجو يميل قليلا للبرودة... وهناك قطع من الضباب... تحوم حول المنازل... تهبط تارة وتصعد أخرى.
العمارة الواقعة على ملتقى الشارعين... تطل من جهتها الأمامية على شارع "20"... وجميع نوافذها تدل على انطفاء أنوار الغرف بالداخل... إلا أن نافذةً يتيمة... يتسلل النُّور عبر زجاجها للخارج.
لم تكن تلك النافذة... سوى نافذة غرفة النوم... في الدور الأول... ومع مُرور كل دقيقتين تقريباً... تَنفرج تلك النافذة... مسافة " الخمسة سنتيمترات" تقريبا... ثم تُقْفَل مرَّة أخرى.
فجأة... لمعت على إطار النافذة الخارجي... أضواءُ سيارة قادمة من بداية الشارع «15»... كانت تلك السيارة تسير بسرعة... وتُقلُّ شخصاً واحداً... وعند انعكاس أضواء السيارة على تلك النافذة... انْفرَجَتْ النافذة بدرجة أكبر... ثم أغلقت.
وقفت السيارة على بعد مئة متر من المنزل... ونزل منها شاب يتدفق حيوية ونشاطا... قد لفَّ وجهه بغطاء رأسه... ربما لأنه يتقي البرد... أو ليُخفي ملامحه... والأرجح أنه يريد إخفاء ملامحه.
كان ذلك الشاب يملك مفتاحاً للبوابة الخارجية... وعندما وصل إليها... أدخل المفتاح... وأدار القفل... ثم فتح باب الفناء... وقبل أن يدخل... التفت يمنة ويسرة... وولج إلى داخل الفناء... كانت البوابة المفضية للمنزل... مَفْتُوحة في انتظاره... دخل بكل ثقة داخل المنزل.
مر وقت قصير... قرابة العشر دقائق... بعده... أُطفئت أنوار غرفة النوم... وانقطع تسلل الضوء للخارج... عبر نافذتها اليتيمة... وساد الصمت جميع جوانب العمارة.
ثلاثون دقيقة... مرت خلسة... ثم خرج الشاب من المنزل... ركب سيارته... انطلق راجعاً أدراجه.

2- "لهفة الاتصال"
أشرقت شمس الصباح التالي... وانتشر دفؤها هنا وهناك... وفُتح باب العمارة التي دخل إليها الشاب ليلة أمس... وخرجت فتاة بديعة الملامح... لا تخلو تقاسيم وجهها من آثار الكآبة والحزن... خرجت إلى الفناء الذي يحوي حديقةً صغيرة.
ذلك الفناء يتبع الدور السفلي... وهناك فناءٌ آخر... يتبع الدور العلوي... له مدخل خاص.
الفتاة التي لم تجاوز الثالثة والعشرين... تسكن الدور الأرضي... من هذه العمارة... أما الدَّور الثاني... مع نصف الفناء الآخر... فهو سكن خاص بمالك العمارة... وهو رجل لا يأتي لمنزله... إلا في أوقات الإجازة... لذا فإن الدور الثاني خال طيلة العام... عدا أربعة أشهر... هي أشهر الإجازة.
خرجت الفتاة من باب منزلها... تريد الفناء... نزلت ثلاث درجات مرصوفة بالرخام البني... اتَّجهت يميناً... ثم سارت عشر خطوات... وقفت تتأمل في حيرة... بدأت تفكر في شيء ما... وتحدث نفسها:
- "أوه... حبيبي... كم هو جميل ورائع... وذو شخصية قوية... لقد أعطاني... أعطاني الكثير... أعطاني كل شيء... بعد أن حرمني العالم من كل شيء... كنت على حافة الهاوية... لم يبق في حياتي بسمة... لم يبق فيها نبضة حب... كادت الوحدة تأكلني... والقلق... كاد يحطم كل كياني... ثم ابتسمت لي الحياة... عندما عَرَفْته... وابتسم لي الوجود... عندما عرفني... كم أنا سعيدة... لا بد أن تبقى علاقتنا إلى الأبد... الأبد"
أكملت الفتاة خطواتها متجهة نحو حوض صغير... زُرع فيه بعض شتلات النعناع... ثم قطفت ثلاثة أغصان صغيرة... ورجعت أدراجها للمنزل... وأغلقت الباب.
فطور الفتاة مُعَدٌّ من قبل... وبخار الشاي الساخن يخرج من فم الإبريق الفضي... وكأنه مِدْخَنة آلة بخارية... وبهدوء ورويَّة... وضعت الفتاة أغصان النعناع المغسولة للتو... داخل الإبريق... وبدأت بتحريك السكر بملعقة صغيرة.
الفتاة وضعت الملعقة جانبا... ثم مدت يدها... وبدأت تتناول الفطور.
أنهت الفتاة فطورها... ثم قامت... وحملت أطباق المائدة... وشرعت بتنظيفها... ثم عادت لترتيب المكان... وفي تلك الأثناء... رنّ جرس الهاتف... تركت الفتاة كل ما في يدها... وقامت مسرعة... ورفعت السماعة... وهي تبتسم... قالت:
- "ألو"
- "ألو... صباح الخير"
- "أهلاً... أهلاً يا ناصر... كم أنا متلهفة لسماع صوتك... أكبر معروف عملته الآن... أنك اتصلت... صدقني... بدونك... لا أستطيع أن أعيش أبداً"
- "أوه حبيبتي... لا تحرجيني بهذا الكلام... صدقيني... بدون سماع الموسيقى التي تعزفها حنجرتك لا أستطيع العيش"
- "أنت رائع يا ناصر... أوه كم أنا معجبة بشجاعتك"
- "أنت عصفورة حلوة"
- "لكن!... كيف لم أتذكر؟... أشكرك من كل قلبي... هديتك ليلة البارحة رائعة جداً... حقاً ذوقك في القمة"
- "صحيح... أنا سعيد لسماع هذا منك... ولكن... موعدنا الليلة يا حنان... إياك أن تنسي"
- "ناصر... لا أدري ماذا أقول لك... هناك أمور مستجدة... سأقولها لك... أرجوك ألاَّ تغضب مني"
- "حنان... إياك أن تعتذري... كل شيء يمكن قبوله... إلاَّ الاعتذار... أنا لا أقبل أبداً أن ترفضي طلبي... ثمَّ... أنت تعرفينني تمام المعرفة عندما أغضب... أو يقف في طريقي أيُّ عقبة... صحيح أنا حمل وديع... ولكن سرعان ما أتحول إلى سبع ضارٍ... قولي لي... ماذا تريدين... وما هي تلك الأمور المستجدة؟"
- "ناصر... أرجوك... اسمعني... لا تستعجل الحكم على كلامي... الواقع أنني لا أستطيع استقبالك هذه الليلة... فقط هذه الليلة... صدقني هناك ظروف خاصة... أنا لا أستطيع استقبالك"
- "ماذا تقولين؟... لم أسمع جيدا... لماذا لا تريدين مقابلتي؟... أجيبي بسرعة... أم أنك استغنيت عني؟... اسمعي يا حنان... اسمعي جيدا... الهواجس التي في رأسك يجب أن تنسيها تماماً...أنت الآن لي... أنت ملكي أنا وحدي... هل فهمت؟... أي معانَدة... أو مقاومة... تعني الخسارة... الخسارة والكارثة... التي ستحل على رأسك... ولا أريد أن تكون علاقتنا من بدايتها تَحْتَمل الأخذ والرَّد... ألم نتفق على كل شيء من قبل... أنا ضحيت من أجلك بالكثير... ولا أريد أن أكتشف أنك كنت تستغلين طيبتي... واللّي أوله شرط... آخره سلامة"
- "ناصر... ما هذا الذي تقول؟... لماذا تريد أن تفهمني بطريقة خاطئة؟... هذه أول مرة أعتذر فيها منك... ولم أعتذر إلا لظرف حقيقي... أرجوك"
- "أوَّل... ما أوَّل... أنا لا أعترف أبداً بأي عذر... اسمعي يا حنان... للمعلومية... إياك أن يذهب تفكيرك للبعيد... أو تطمحي في التخلص من صحبتي... لا... لا... كل الأوراق... وأشرطة الفيديو... التي أطلعتك على نسخ منها... كلها في متناول يدي... فقط أفتح درج السيارة وأخرجها... وأنشرها... ويفتضح كل أمرك... هنا مستقبلك... إنه في يدي... مفهوم"
- "ناصر... أرجوك... افهمني... كل الخصال فيك رائعة... إلاَّ خصلتين... أنت كثيراً ما تفهمني خطأً... وتظن أنني أريد خداعك... أو أريد العبث بعواطفك... صدقني... أنا أحبك من كل قلبي... ولا أستطيع الحياة من دونك... وكم أثبتُّ لك هذا... أما الخصلة الثانية... أنك تهددني بالأشرطة المسجلة وبالرسائل... أنا لا أحب هذه الطريقة... قلت لك من قبل... أنا من يدك اليمنى ليدك اليسرى... لا داعي لتهديدي بهذه الأشياء... أنا أحبك لشخصك... لا لكونك تملك ضدي أي مستمسكات... حبي نابع من قلبي... لشخصيتك الفذَّة... لشجاعتك الفائقة... يا شجاع... يا ناصر"
طرب ناصر لهذه الكلمات... التي نفخت فيه أوداج الرجولة... وقال:
- "إذن... لماذا هذه الأعذار الكاذبة؟"
- "صدقني يا ناصر... الولد مشعل... ابني الرضيع... يشكو من أنفلونزا حادَّة... لا تهمني صحته... بقدر ما تهمني أنت... ولكن... كل ما أخشاه... أن تستمر معه الأنفلونزا حتى الليل... ثم تعكر علينا سهرتنا... سأكون حتماً مشغولة معه... ولن أقوم بواجب ضيافتك... كالمعتاد"
- "... أمّ هـ... ما دام الأمر كذلك... سأقبل عذرك"
- "أوه يا ناصر... كم أنت طيب القلب... كم تلفُّني بعطفك... ولكن يا ناصر... هل تريد آخر الأخبار؟"
- "تفضلي"
- "اليوم... ماذا تتوقع كان الفطور؟"
- "ربما لم تفطري"
- "لا... كان الفطور حبة بيض... وحبة جبنة... مثلثة... و....
....
بقيت حنان تثرثر مع ناصر بكلام فارغ... مر الوقت منسجما مع أحاديثها... طال الزمن حتى ضجر ناصر من طول الكلام... قال في النهاية:
- " قولي لي يا حنان... هل تريدين مني إحضار أي شيء... في المرة القادمة؟"
- "أوه... نعم... نعم قارورة عطر من نوع «.......» كالتي جئت بها في المرة الماضية... إياك أن تنسى"
- "غالي والطلب رخيص... أي شيء آخر؟..."
- "نعم... قبلة عبر الأثير"
- "والموعد التالي... متى سيكون؟"
- "ليلة غدٍ... بالتأكيد سأكون في انتظارك... على أحرَّ من الجمر"
نظرت الفتاة للسماعة... استمرت لحظات وهي تقلب طرفها فيها... ثم مدت يدها لتقفلها بهدوء... وأعادت إسناد ظهرها على المقعد... ووضعت يدها تحت خدها... وزفرت زفرة طويلة... وركزت بصرها في الأرض... ثم دخلت في دوامة من الحزن... وبدا الشحوب على وجهها... ليس بإمكانها الصبر أبدا عن ناصر... لقد أصبح جزءاً من حياتها... إنها تخافه... وتخاف أيضا أن تعصيه... ولكنها عندما تفارقه... تشعر بأصناف النكد والضيق... وتشعر أن الشوق يلتهمها من أجل مقابلته... وبمجرد مقابلتها له... أو سماعها لصوته... ينزاح عن قلبها كلُّ هم أو ضيق.
مر وقت قصير... قامت حنان... وانطلقت إلى سرير رضيعها مشعل... وضعت يدها على جبينه... قالت في ضجر:
- "أوه... حرارته لم تزل مرتفعة... لماذا وفي هذا الوقت بالذات؟"
تناولت حنان زجاجة خافض الحرارة... فتحتها بسرعة... وملأت ملعقة كبيرة... ثم سقته الجرعة... أعادت الزجاجة إلى مكانها... وقامت نحو التلفاز... فتحته... وجلست أمامه تقطع الوقت الممل.
مر الوقت كئيبا... ومع مساء ذلك اليوم... كانت حنان تنظر لوجه الطفل مشعل... وضعت يدها على رأسه:
- " أوه... هذا جيد... لقد تحسنت صحته بصورة كبيرة... ولكن... هل سأبقى هنا... أقاسم وحدتي العناء والهم... كلا سوف أقضي على كل هذه الهموم... لن يطول الليل عليَّ وأنا وحيدة"
جلست حنان بجوار التلفون... كانت على أمل كبير... في أن يتصل بها ناصر:
- " حتما سيتصل... وسيطلب مني الموافقة على حضوره الليلة... أو ربما يتصل ليعرف أخبار صحة مشعل... وعندها سأطلب منه الحضور... هذه الليلة... لقد تحسنت صحة الولد... والفَرَاغ القاتل... لا حَلّ لقتلهِ... إلا وصولُ حبيب القلب... ناصر"
بقيت حنان ساعة... إنها تنتظر أمام الهاتف... ولكن دون جدوى.
الواقع أن زيارات ناصر لحنان كانت كل ليلة... قرابة الساعة الثانية عشرة... واتصاله بها كل صباحٍ... قرابة الساعة الحادية عشرة... وقد يستمر الاتصال إلى الثانية عشرة والنصف.

3-"رجل يتصل"
استحكم الضيق بحنان... وهي جالسة تنتظر... وفجأة... رنَّ جرس الهاتف... حنان رفعت السماعة بخفة... وقد ارتسم على شفتيها ابتسامة السعادة:
- "ألو"
- "ألو... حنان... كيف حالكم يا حبيبتي"
قطَّب جبين حنان... أشبه بمن أصيب بنكبة عظيمة... ثم قالت في صوت بارد:
- "صالح... أهلاً..."
- "كيف حالك يا حنان؟... كيف حال مشعل؟... أوه... كم أنا مشتاق لكم؟... الحياة هنا مُملة... قاتلة... ولكن... الحمد لله على كل حال... هذا قضاء الله... ولا مَفَرَّ من القضاء"
- "نحن بخير... ماذا تريد؟"
- "صدقيني يا حنان... أنا أفكر فيك أنت ومشعل... طيلة وقتي... أستلهم عزائي من صورتك... المنقوشة في قلبي... وكذلك مشعل... لم تذهب صورتكما عن مخيَّلتي... أوه يا حبيبتي... مشعل الآن في الشهر الخامس... لقد رأيته وهو في الشهر الثالث... مر شهران... على رؤيتي الأولى له... لقد ارتفعت معنوياتي عندما نظرت إليه... كم شكرتك من أعماق قلبي... عندما أرسلته مع والدك... وكم أتمنى أن أراك وأراه قريباً... أنا الآن أتصل عليك من مكتب زميلي الضابط عبد الرحمن... كان فضلاً كبيراً منه... حين سمح لي بالاتصال... بالطبع الاتصال ممنوع... قولي لي كلمة يا حنان... أرجوك"
قطَّبت حنان بجبينها أكثر... وعَضّت على شفتها السفلى... وقالت:
- "أشكرك على الاتصال... هل من شيء آخر؟"
- "حنان... المعذرة... انتهى وقت الاتصال... أرجو أن تفكري فيما قلت... أرجوك... أريد رؤيتك أنت ومشعل... هذا معروف منك... حبيبتي"
أغلقت حنان السماعة... ذهنها كان يرفرف في مكان آخر... فارس أحلامها... ناصر... لقد أصبح يمثل كل شيء في حياتها... إنها تتمنَّى البقاء بجواره... للأبد... حتى ولو كان اللقاء... على قمة جبل... أو في جزيرة مهجورة... كم تتمنى أن يُمسك ناصر بيدها... وينطلقا... إلى العالم البعيد... إلى حيث لا يراهما أحد... كي يبقيا هناك للأبد.

4-"أوراق النعناع"
تعيش حنان على هاجس اسمُهُ ناصر... لقد نسيت بدخوله في حياتها... كل شيء... حتى ابنها الرضيع... مشعل... لقد أصبح وجوده في حياتها هامشيا... لم تعد تمنحه من الحب والحنان... ما يحتاج له طفل في سنه... إنها تقوم بإطعامه وتنظيفه... وتكتفي بذلك... مكانه في قلبها أصبح مهجورا.
وفي كثير من الأحيان... وعندما يزعجها الطفل بكثرة البكاء... تعطيه بعض جرعات المهدئ... إنها حريصة على الراحة من حضانته والاهتمام به... ولكن ليس لها حيلة... ستبقى تعطيه فضول أوقاتها.
مرت تلك الليلة دون اتصال من ناصر... في صباح اليوم التالي... استيقظت حنان كعادتها... قرابة الساعة التاسعة... كان أول شيء فكرت فيه... هو الحبيب ناصر... فارس الأحلام المغوار... نظرت للساعة... ثم تنهدت في شعور بالسعادة:
- " لم يبق عن اتصاله بي... سوى ساعتين... أوه... حبيبي... سوف أطلب منه الحضور هذه الليلة مبكرا... وسوف أقوم حتماً بإعداد كل شيء"
في تلك الأثناء... خطرت ببال حنان فكرة:
- " لماذا لا أخرج للحديقة... وأحضر النعناع... كالمعتاد... وأقطف بعضا من الأزهار... والورود الجميلة... كي أقدمها هذا المساء... هديَّة لناصر؟... إنها فكرة رائعة... وسيسعد ناصر بها كثيراً"
قامت حنان من سريرها... واتجهت خارجة للحديقة الصغيرة... في فناء منزلها... وبدأت تقص بعض أغصان النعناع... أخذت ورقة من أوراق النعناع... وألقتها في فمها... بشيء من العفوية... وبدأت تمضغها:
- " جميلٌ أن تتغير رائحة الفم... مع الصباح... بطعم النعناع"
كانت حنان تمضغ النعناع... وتتسلى بسحب يدها على أوراق النعناع النابتة للتو... لكن... لفت نظرها تلك الحشرة الخضراء... حشرة غريبة... لقد كانت تزحف على بطنها ببطء... وتتقدم... راقبتها حنان قليلاً... فكرت في سحقها... سيكون في تلك النهاية المأساوية للحشرة... تسلية لا بأس بها... ولكن حنان في النهاية آثرت أن تتريث قليلاً... ستراقب الحشرة... وسترى... إلى أين ستذهب!!
اتجهت تلك الحشرة إلى جذع شجرة الكينة الغليظ... الذي لا يبعد عن شجيرات النعناع سوى عدة أشبار... واستمرت حنان في المراقبة... بدأت الحشرة بتسلق الجذع... كانت تتسلق بهدوء وبطء... وكانت حنان تنظر وتراقب.
وعلى ارتفاع شبرين من الأرض... يقع ثُقب صغير... على جذع الشجرة... وصلت الحشرة لذلك الثقب... وبهدوء... دخلت داخل الثقب.
بدأ الفضول يداعب ذهن حنان... وبدأت تفكر في معرفة ما بداخل ذلك الثقب... كانت تسأل نفسها:
- " هل هذا الثقب... هو المسكن الحقيقي لهذه الحشرة... أم... أنه مسكنٌ لحشرة أخرى... وربما كان هذا الثقب... ثقباً خالياً... لا يسكنه أحد"
لم يكن حرص حنان... على معرفة قصة هذا الثقب... لمجرد المعرفة فقط... وإنما لأنها كانت تريد سَرد القصة كاملة... على ناصر... في المساء.
حنان تجمع القصص العجيبة... والطرائف المضحكة... كي تتمتع بسردها على ناصر... مع أن ناصراً كان يزهد كثيراً... في تلك القصص... التي يراها قصصا تافهة... وهذا ما يجعلها تخترع القصص... أو تقوم ببعض المغامرات المثيرة... لتكون قادرة على سرد شيء يلقى إعجابه... كي يطول وقت الأنس معه... ويكون حديثهما ذا شجون.
نظرت حنان إلى رأس المقص... الذي قصت به أغصان النعناع للتو... ثم وجهته إلى الثقب بعبث... وبدأت تحفر فيه... إنها تريد اللحاق بتلك الحشرة الزاحفة... ولكن شيئا غريبا حدث... لقد اصطدم المقص بشيء صلب... ويبدو أن هذا الشيء ليس من أصل الشجرة... إنه شيء غريب... شعرت حنان بالدهشة لهذا الشيء... وبدأ عزمها على مواصلة الحفر يزداد... قامت حنان من مكانها... واتجهت للمنزل.
وبعد وقت قصير... أقبلت حنان... كان معها سكينٌ كبيرة... جلست في مكانها السابق... أمام الشجرة... وبدأت بقطع اللِّحاء.
لم تلبث قشرة اللحاء أن انسلخت أمام السكين... ولكنَّ الدَّهشة الأكبر... أصابت حنان بشبه نوبة... عندما تسمَّرت عيناها على نتوءٍ غريب جداً... كان يختبئ تحت اللحاء... ويبدو أنه يختبئ هنا من مدة طويلة... وكان بقاؤه كفيلا بأن يجعل اللحاء يتمدَّد... ويخفيه تماماً.
نظرت إليه حنان بتدقيق أكبر... يبدو أنه جسم صلب... إنه يشبه عظم الحيوان... استمرت في الحفر من جوانبه... وأخيرا... ظهر واضحاً أمامها:
- " نعم... إنها كسرة من عظم... وقد نُقشت عليها كتابة بحروف لا تقرأ... وربط على العظم شعر أسود"
وضعت حنان يدها على فمها في دهشة... ما هذا؟... ولماذا يا تُرى وضع العظم الغريب في هذا المكان... بعيداً عن الأعين؟... أيُّ سرٍ يا ترى يحمله هذا العظم... وهذا الشَّعْر الملتف حوله؟.
حنان في ذهول التَّفكير... إنها تبحث عن سر هذا العظم... لم يدم الوقت طويلا... لقد بدأت الرعشة تنتشر في أطراف بدنها... إنها تكاد تهزها هزا.
حنان أمسكت العظم... ازداد توترها... وبدأ قلبها ينبض بقوة... كادت تقذف العظم... ولكنَّ شيئاً غريباً في نفسها... جعلها تتراجع عن الإلقاء به... في كل إصرار...... لقد أمسكته بكل قوة... بدأ العرق يتكوّر على جبينها... ونظراتها تدور هنا وهناك... تساءلت في رهبة:
- " ما العمل؟ يا ترى... ماذا أفعل؟..."
إنه أول موقف جاد... تقف أمامه حنان... منذ مدّة طويلة... لقد كانت تتعامل مع أحداث الحياة... بكل استهتار... لماذا تغيرت الآن؟... قلّبت حنان العظم من جديد... وهزت رأسها:
-" إنها لُعبة سحر... سحر... لقد وضع العظم هنا... بقصد... إيذاء أحد الناس... العظم... الشعر... النقوش... إنها أدوات السحرة... ولكن... يا ترى... من هو الساحر؟... ومن هو المسحور؟"
بدأت حنان تفكر في شيء ما:
- "عمل الخير... عمل الخير من جديد... لقد انقطعتُ عن التفكير في عمل الخير... منذ مدة... لقد كنتُ ناقمة على العالم... كنت أكره كل أحد... حتى نفسي وابني وزوجي... ولكن... لماذا لا أعمل الخير... هذه المرة... وأنقذ الإنسان المسحور... من براثن السحر اللعينة؟"
انطلقت حنان بكل خفَّة للداخل... كان الرُّعب يتسارع لقلبها... وكانت أطرافها ترتعد... ولكنها عزمت على إتلاف هذه المواد... عزمت على حرقها... اتَّجهت للمطبخ... وأشعلت الموقد بسرعة... الزفير والشهيق يكادان يُسمعان من حنجرتها عن بعد... ألقت حنان العظم وما حوله على النار... كانت شفتاها تتحركان بارتجاف شديد... ويداها ترتعشان... بدأ الدخان يتصاعد... دخان يحمل رائحة كريهة للغاية... كان العظم يحترق... والطقطقة تنبعث منه... وعينا حنان مصوَّبة نحو ه... وشيئا فشيئا... ثم بدأ بالفناء.
شعرت حنان بالدوار... ثم بالغثيان... أصبحت غرفة المطبخ تدور في رأسها... أصبحت الأشياء تُرى كالأمواج... ثم سقطت الفتاة على الأرض... كانت فاقدة للوعي.
طال الزمن... أو قصر... انْتَبَهَتْ حنان على رنين الهاتف... الساعة في يدها الآن تقارب الحادية عشرة... تذكرت للتو... موعدها على الهاتف... مع حبيبها:
- "... ناصر؟؟... ناصر!!..."
شيء غريب... يتدفق بقوة... في وجدان حنان... إن رغبتها في الحديث إلى ناصر... معدومة تماماً... مع أنها كانت قبل وقت قصير... تنتظر حديثه في لهفة وشوق... كل الحكايات... التي جمعتها لتحدثه بها... لم تعد أبداً مستعدة لإلقائها عليه... تذكرت العظم... والشعر... وتذكرت قصتها مع الدودة الصغيرة... أحسَّت أنها تكره ناصراً... من كل قلبها... ولا تريد أبداً أن ترد على اتصاله... أو تكلمه... ولكنها فُضولاً رفعت السماعة:
- "ألو"
- "ألو... صباح الورد يا حنان"
سَمِعَتْ حنان صوت ناصر... أحسَّت بما يشبه النار... تنبعث في عروقها... إنه صوت يختلف عن ذلك الصوت... الذي كانت تسمعه... مع أنه يحمل النبرة نفسها... والناطق به هو الرجل نفسه... أحسست بالتقزَّز من أشياء كثيرة... ذكّرها بها هذا الصوت... كادت تُقْفل السماعة... ولكنه خطر لها خاطر غريب... قالت:
- "آلو... ناصر... أنا على أحر من الجمر... وأنتظر لقاءك بفارغ الصبر... أرجو ألاَّ تتأخر... لقد أعددت كل شيء"
صوت حنان هذه المرة... كان شجاعا للغاية... لم تكن الفتاة... تحس أمام ناصر... بشيء من الخنوع... كانت تحس نحوه بكل أصناف الكراهية والبغض... التي قد يتخيَّلها حاقد.
تم تحديد موعد اللقاء القادم... وانتهت المكالمة بسرعة.

5- "أمر لا يصدق رقم 1"
الواقع... أن هذه الفتاة... ليست سوى حنان... حنان زوجة... باسم ثم صالح... وذاك الشاب معها هو ناصر... ابن أم ناصر... القاتل لأخته والمدمِّر لأمه... وصالح الذي اتصل على حنان... هو عينه... صالح... زوجها... المتهم في قتل باسم.
ولكن كيف حصلت كل هذه المستجدات الرَّهيبة... في حياة حنان... المرأة الصالحة... وكيف ساءت الأحوال... حتى انزلقت كل هذا الانزلاق.
من المستحيل... أن يتخيل إنسان يعرف حنان تمام المعرفة... ويعرف سلوكياتها ورجاحة عقلها... أن يصدق تحولها للعبة في يد ناصر.
الحقيقة أن قصة حنان... تدور ببساطة... حول تلك الشعرات... التي حصل عليها ناصر... من المشط... الذي امتشطت به... في منزل فاطمة أخت ناصر... رحمها الله... لقد كانت أيادي ناصر الخفية تعمل بكل خفة... وانتهت أعماله بهذا القَدْرِ من السوء.
ماتت فاطمة... وسُحِرَت حنان... على يد ساحر متمرس... ولم يقم الساحر بعمل السحر... إلا بعد أن طلب من ناصر... القيام بمهمة كبيرة... في مقابل سحر حنان... وربما عُرِفَت المهمة الكبيرة قريبا.
المهم في الأمر أن ناصراً عند تسلمه السحر من يد الساحر... قال له الساحر:
- "أتدري أين تضع هذا العظم؟"
- "أين؟"
- "تضعه في مكان قريب جداً من الفتاة المسحورة... من الضروري أن تقترب منه الفتاة كل يوم... ومن المهم أن تزوره كل صباح"
استطاع ناصر أن يصل لداخل الفناء... في منزل صالح... ووضع السحر هناك... في جذع شجرة الكين.
حيث أزال قطعة من اللحاء... ثم حفر في الجذع... ثم وضع العمل بحرص... ثم أعاد شريحة اللحاء... ثم وضع شيئا من الصمغ عليها... وبدا الجذع وكأنه سليم لا يحوي شيئاً.
وبدأت حنان من تلك الساعة... تحبُّ النعناع... وتأتي يومياً لقطف غصن أو غصنين.
ناصر وضع السحر... بعد ولادة حنان... بشهر ونصف... كان والد حنان حريصا على أن تعود حنان... للحياة معه في المنزل... لكن حنان أصبحت لا تحتمل البعد عن بيتها... لذا طلبت من والدها السماح لهها بالبقاء... في منزلها مع ابنها.

6- "بداية العلاقة"
شيء مذهل ما يفعله السحر... ولكن ما يفعله الإيمان والصلاة أعظم بكثير... الله وحده من يقي الإنسان من مكائد الشيطان... لأن كيد الشيطان كان ضعيفاً.
ما جرى لحنان شيء مؤسف... لقد ضعفت كثيراً بعد الصدمات التي تعرضت لها... بدأ القنوط يتسلل إلى قلبها... وبدأت تلوم حظها العاثر... لقد هزتها المصائب من الأعماق... ولم يعد الصبر واليقين... ليجد في قلبها الجزع متسعاً... لذا قضت الكثير من وقتها كئيبة منطوية على نفسها... وأنساها حزنها العريض... شيئا مما اعتادته من الصلة بالله... وفي أجواء كهذه... يتسلل الشيطان... ويكون قادرا على تملك الإنسان... أو إيذائه.
وهنا... كان للشيطان أداته القذرة... التي لم تهدأ من فعل الشر... ناصر.
لقد اتصل ناصر بحنان ذات يوم... وبدأت الحكاية المذهلة عن طريق الهاتف... بالمكالمة التالية:
- "ألو... هل هذا منزل صالح؟"
- "نعم ماذا تريد؟"
- "هناك رسالة من صالح... لزوجته... هل أنت زوجته؟"
- " نعم"
- " أنا ناصر... أحد زملائه... الذين سُجنوا معه... ولأنِّي خرجتُ هذا اليوم... طلب صالح مني إيصال هذه الرسالة لك... سأضعها أمام باب المنزل... الساعة التاسعة مساءً"
في تمام التاسعة... فتحت حنان الباب... ووجدت كيسا... حملت الكيس باهتمام... كان ناصر يراقبها... دون أن تشعر... وعندما عزمت على دخول المنزل... ناداها:
- "حنان"
خافت... ونظرت فجأة نحوه... لكنه بادر بالقول لها:
- "لا تخافي... أنا زميل صالح... فقط أردت التأكد من أخذك للكيس... سأتصل بك فيما بعد... لو احتجت شيئا"
حنان لم تلقه بالاً... دخلت وأغلقت الباب... كانت الهدية المقدمة من صالح... عبارة عن علبة من كعك البيتوفور... وكان من النوعية الممتازة... وهناك كيس آخر وُضع فيه شريط فيديو... كُتِبَ عليه.
- " حبيبتي حنان... هذه صورتي... أرسلتها لك... كي لا تنسي حبيبك صالح"
في الحقيقة أن صالحاً لا تربطه بناصر أي علاقة... ولم تكن فكرة السجن... وصداقة ناصر مع صالح سوى نسج من خيال ناصر... أما علبة البسكويت... فَهِيَ أداة السحر الثانية... بدأت حنان تقلب الشريط... ليس لديها جهاز فيديو... ليس هناك مشكلة... حملت علبة البسكويت... فتحتها... الرائحة الطيبة أغرتها بالتذوق... أخذت قرصا... وأكلته.
- " إنه لذيذ... لذيذ جداً "
في اليوم التالي... اتصل ناصر بحنان... لكن حنان تشعر الآن بمشاعر غريبة... صورة الرجل الذي أحضر الشريط والكعك... إنها تحمل معاني كثيرة بالنسبة لها... قلبها متلهف لمقابلته... خاصة بعد أن أكلت البسكويت... لقد تذكرت وعده بالاتصال ثانية... إنها تنتظر الاتصال في صبر... وعند اتصاله سارعت للحديث معه... كانت انفعالات قلبها معه لا تكاد توصف... قالت له:
- "الشريط الذي وصلني... ماذا يحمل يا ترى؟"
- "اسمعي يا حنان... أنا أريد لك الخير... هذا الكيس ليس هدية من صالح... أبداً... ولكن... عندما كنت في السجن... وصل الكيس إلى يدي... كان من المقرر أن يصل ليد صالح... لقد أرسله أحدهم... إنسان مُغْرِضٌ... يريد لك الشر... صحيح أنك وقعت في خطأ جسيم... وصحيح أن هذا الخطأ سُجِّل في شريط الفيديو... ولكن أحببت أن أستر عليك... لقد وصل الفلم لي... قبل أن يصل لصالح... لخطأ وقع فيه المرسل... أو صاحب البريد... وتسلمت الشريط من العسكري... في الحقيقة... أن نظام السجن لا يسمح لأحد أن يدَّخر أي شيء... داخل غرفة الحبس... يوجد غرفة لأمانات المساجين... توضع فيها أماناتهم حتى يخرجوا... ويستلموها... أو يستلمها أهلهم... وعندما علمت أن صالحاً سيقتل قريباً... لأعماله الإجرامية... تركت الشريط في الأمانات حتى أخرج... لآخذه... لأنني ساعتها قاربت على إنهاء المدة"
فاجأت حنان ناصر بالسؤال:
- "معذرة... ولكن... كيف سمحت لنفسك أخذ شيء لا يخصُّك؟"
- "هه... نعم... لقد قال لي... الذي أوصل الأمانة... هذا الشريط سيُودي بما تبقى من حياتك يا صالح... سيخلق لديك عقداً نفسية... سيسلبك لبَّك... كان يظنني صالحاً... لم يعلم أنني ناصر صديق صالح... هـ... هـ... وسلمني الأمانة... كنت أشفق على صالح مما قاله لي المرسل"
- "ومن هو المرسل؟"
- "أوه يا حنان لا تحرجيني... المرسل هو أحد أقارب باسم... لقد أراد الانتقام من صالح... يريد أن يقتله وهو حي"
- "وماذا يحوي هذا الشريط... يا ناصر؟"
- "ألم تَرَيْه بعد؟"
- "لا... لا أملك جهاز فيديو"
- "أوه مسكينة... ظننتك رأيته... لقد رأيته أنا... الحقيقة أنه أذهلني... اعذريني... لقد أخذت نسخة منه... أريد الاحتفاظ بها... لوقت الضرورة... سأحضر لك الفيديو... أرجو ألا تنزعجي"
حنان لم تكن تتخيل مدي بشاعة الأشياء المصورة في الشريط... ولكن الأمر الأهم هو أنها أصبحت أكثر ميلاً لهذا الشخص... المسمى ناصر... والمُخْلص لها ولزوجها... كانت تريد أن تقابله... أن تجلس معه... ولو قليلاً... ستكون محافظة على نفسها... أقصى درجات المحافظة.
وفي المساء... أحضر ناصر جهاز الفيديو... تركه بجوار باب منزل حنان... ثم قرع الجرس... وانصرف... سيتصل بها بعد ساعتين.
عرفت حنان أن ناصراً أحضر الجهاز... خرجت... وأدخلت الفيديو... وبدأت في تشبيك جميع التوصيلات... ثم ضغطت الزر لتشغيل الشريط.
كم كانت دهشتها كبيرة... عندما بدأت تطالع الفلم!... إنها صور قديمة لها... ولكنها تبدو بطريقة لا يمكن تصديقها... لقد بدت حنان... وهي في زيٍّ متعرٍّ... وبدت وهي تعانق رجلاً لا تعرفه... وبدت وهي تجالسه وتبتسم له... بدت أيضاً وهي تَضَع يدها في يده... اقترب الرجل منها كثيراً... وهي كذلك:
- " ما هذا؟... من هذه المرأة التي انتحلت صورتي؟"
أحسَّت حنان بذهول كبير... لما تراه... إنها واثقة كل الثقة من نفسها... متى حصل هذا؟... وكيف حصل؟... بقيت حنان مسمرة في مكانها... حتى أتاها اتصال ناصر... لقد سُرّت أشد السرور... عندما سمعته... أحست أن اتصاله بها... ماء صُبَّ على جمر الحسرة التي أصابتها... أحسَّت أنه هو المنقذ الذي أنقذها من وصول الشريط لصالح... وعندما تجاذبا أطراف الحديث عبر الهاتف... بدأت تستفسر من ناصر قائلة:
- "هل شاهدت الفلم؟"
- "نعم للأسف... كان فلماً مخزياً"
- "هل صَدَّقت ما فيه؟..."
- "ولم لا أصدق؟!... الصورة أكبر شاهد... وأدل برهان"
- "كلا يا ناصر... صدقني... أنا لا أنزلق لمثل هذا المستنقع"
- "حنان... لنكن واقعيين... هذا سرٌ... لا يعرفه أحد سوى حنان وناصر... صدقيني لقد أحببتك... لماذا لا ننسى موضوع الفلم... ونبدأ حياة جديدة يا حنان؟"
- "أقسم أني لم ألتقِ برجل في حياتي... أو أفعل ما رأيت في الفلم"
- "لا تقسمي يا حنان... ولكن... قولي لي... ألا تشعرين بالوحدة... لماذا لا نسهر سوياً... أنت في حاجة لمن يقف بجوارك"
جوع طويل قد أصاب قلب حنان... جوع من الحنان والعطف... أحسَّت أن كلمات ناصر تبث الطمأنينة لفؤادها... هذا الإنسان هو الوحيد الذي يستطيع فضحها... وهو الذي يستطيع سترها... صحيح أنها لم تقْتَرف هذا الإثم... ولكن... لماذا لا تدخل في علاقة نظيفة معه؟... إنها بدأت تحبه... وتحبه من كل وجدانها... وتشعر أنها لا تصبر على تحمل الحياة... دون أن تراه قريباً منها.
وهذا الشعور... جعل حنان توافق على استقبال ناصر... مساء غدٍ في المنزل... كانت هذه هي البداية... وأيضاً هي النهاية... النهاية لحياة حنان الأولى... لتدخل مع بوابة الظلام.
أما صالح... فهو هناك في سجنه... يقاسي الأمرِّين... لقد انقطعت حنان عنه انقطاعاً شبه كامل... وكأنه انتهى من حياتها... لولا أنه يتصل بين الفينة والأخرى... وترد عليه دون مبالاة... لمات كمداً وحسرة.
في الحقيقة أن مكر ناصر ودهاءه... هو المنتج لهذا الفلم... عن طريق صديقه المخرج... لقد اتَّفق مع ذلك المخرج... على مبلغ من المال... بحيث يتم إخراج الصور التي صوَّرها ناصر في منزلهم... بهذا الشكل... حيث يدخل فيها رجل غريب مع حنان... يجاذبها الحديث... ويعانقها... والهدف هو تحقيق مآرب كانت في ذهنه.

7- "ماذا بعد؟"
حنان تفرك كفيها... وتنظر للعالم بعين أخرى... لقد بطل السحر... وتحررت من كل تأثيراته عليها... شعرت أنها تحولت لامرأة أخرى... لقد أقفلت السَّماعة مُنهية حديثها مع ناصر... إنها تشعر بإحساس غريبٍ... منذ أشهر لم تشعر بإحساس كهذا... إحساسٌ بحبٍ اندثر منذ فترة... ولم يبق منه سوى نقوش باهتة... إنه حبها لمشعل... طفلها الرضيع... لقد عادت شجرة حبه لتنمو بسرعة... وتثمر.
انطلقت حنان فزعة ومذهولة... نحو مشعل... حملته... ألقمته ثديها ازداد حنانها نمواً... قبَّلته قبلةً حارة... ضمته إلى صدرها... وبكت... وضحك مشعل... وأطلق بفمه ابتسامة ساحرة.
وفي تلك الأثناء... رنّ جرس الهاتف... لم يكن لدى حنان أي رغبة في الاتصال بالعالم الخارجي... إنها الآن تعيش في مملكتها السعيدة... مملكة الأمومة... مملكتها التي افتقدتها منذ أشهر... إن سعادة الأم وهي تداعب طفلها سعادة أكبر من أن توصف... الأطفال زهور الحياة... وإكسير البقاء... لم تنو حنان رفع السماعة... كانت واثقةً من أن المتَّصل هو ناصر... لن تستطيع أبداً تحمل سماع كلامه... ولكنها قامت... واتجهت للهاتف... رفعت السماعة:
- "ألو"
- "آلو... حنان كيف حالك؟"
- "من؟!... صالح؟!... أهلاً... أهلاً يا زوجي... كم أنا محتاجة لك!... كم أنا مشتاقة لرؤيتك!... صورتك ترتسمُ في مخيِّلتي... متى نلتقي يا صالح؟... وأراك... ويرتوي قلبي الظامئ"
- "حنان... ماذا بك؟... هل أنت واثقة مما تقولين؟"
- "نعم يا زوجي... أوه... كم كنت قاسية معك؟!... لا أدري لماذا؟!... ولكني أحس أن قلبي أصبح ملكاً لك... أنا في أشد الحاجة لك الآن"
في تلك الأثناء سمع صالح عبرات حنان عبر الهاتف... لقد دُهش لهذا التغير المفاجئ... قال لها:
- "صدقيني... لقد كنت سعيداً جداً عندما كنت أسمع صوتك... حتى مع نبرتك السابقة... التي تبدو قاسية علي... كنت أعْذُركِ من كل قلبي... وأما هذه التغيرات... فتجعلني أتلقى حتفي الذي اقترب... وأنا سعيد... يكفيني أنك أخلصتِ لي وتفانيت في تربية طفلي"
أحسَّت حنان أن صالحاً وجَّه لها طعنة نجلاء... عندما تحدث عن إخلاصها له... وتربيتها لمشعل الصغير... أقفلت السماعة بهدوء... لقد وقعت في الزلل عشرات المرات... لقد أساءت معاملة مشعل ومعاملته هو... لكن هذا غير مهم... بالنسبة لها الآن... بَعْدَ أن عَرَفَتْ السِّر... إنها معذورة أمام نفسها وأمام الله "إن شاء الله" لقد كانت مسحورة... نعم مسحورة... وكان الذي سحرها هو ناصر... كيف دخل حياتها؟!... وكيف اقْتَنَعَتْ به؟!... عضَّت على شفتها السفلى... كانت تقول:
- "لابدَّ أن أنتقم... وسيدفع ناصر الثمن غالياً"
وبدأت حنان تضحك في هستيرية.

8- "الخطـــة"
حنان تشدُّ شعرها بقوة... إنها تفكر في طريقة الانتقام... ناصر يمسك ضدها أسراراً كثيرة... لابد أنه سجل كثيراً من المكالمات التي كان يجريها معها... وشريط الفيديو... والصور الفوتوغرافية... التي التقطها لها... وهي في وضع غير لائق... وكانت جالسة أمامه... حدثت حنان نفسها:
- "ولكن... كل تلك الأدلة محفوظة لديه... وفي درج سيارته... كما يقول... آه... هل من حل لهذه لكارثة... ليته يموت في حادث سير... ولكن... ماذا لو مات... قد تفتش السيارة... وتكون الأدلة ماثلة ضدي... وينكشف السر... لا... لا... يجب أن يصاب بحادث... وتحترق السيارة... ويحترق كل ما بداخلها... وأرتاح أنا... من تلك الهموم"
استمرت حنان فترة قصيرة... كانت تسبح في خيالاتها ... وتفكر في القدرات الخارقة التي ستنقدها من مأزقها... ولكنها أفاقت من تلك الخيالات... وقالت:
- "الآمال لا تحل المشاكل... لقد بدأ وقت العمل... يجب أن أعمل أيَّ شيء... لإعادة كرامتي وعزتي"
وضعت حنان سبّابتها على شفتها السفلى... وحدَّقت بعينيها طويلاً... ثم ابتسمت... وقالت:
- "وجدتُّها... اللهم اشرح صدري... ويسر أمري"
وقامت حنان على الفور... وانطلقت إلى المخزن... إنه غرفة صغيرة توضع فيها العُدَدْ والفُرُش غير المستخدمة... وأشياء أخرى... المخزن غرفة صغيرة لا تجاوز مترين في مترين... بجوار المطبخ... بدأت حنان تقلب نظرها هنا وهناك... أمسكت في النهاية بِالعَتَلَةٍ... رفعتها قليلا... إنها بطول متر... وهي أداة من الحديد الصلب... ويمكن أن تُستخدم لخلع الأبواب... وغيرها... خرجت حنان من المخزن... كانت تحمل العتلة... أخذت مفتاح المنزل من فوق خزانة التلفزيون... وذهبت نحو الباب الخاص لدخول الرجال... حيث للمنزل مدخلان... أحدهما يفضي لقسم الرجال... والآخر لقسم النساء.
فتحت الباب... وخرجت للخارج... باب القسم الرجالي ليس من الجهة التي تحوي الباب الخاص بدخول النساء... والذي تخرج معه حنان دائماً... وخاصة عندما تأخذ النعناع.
المهم... أغلقت حنان الباب... وبقيت في الخارج... ووضعت العتلة بين الجدار والباب... وبدأت تشده بقوة... مُحاولةً فتح الباب... استمرت محاولاتها... ولكن دون فائدة... إنَّ الباب عنيد جداً... ويجب على حنان أن تفكر بطريقة أخرى... لخلع الباب... مرور الوقت ليس من صالحها... لإنجاز فكرتها هذه.
توقفت حنان عن عملها... ثم فتحت الباب بالمفتاح... ووَلجت للداخل... كانت تفكر بعمق شديد... وضعت إصبعها بين أسنانها... فكرت قليلا... ثم بدأت في العمل من داخل المنزل... وضعت العتلة خلف قفل الباب... وشدت القفل بقوة... حتى خُلع قليلاً... قالت في نفسها:
- "إنه الآن مناسب"
خرجت ثانية للفناء... وأقفلت الباب خلفها... وأدخلت العتلة ثانية في طرف الباب... وبدأت تعالج الباب بقوة... وفي النهاية... خُلع الباب... كما أرادت... لقد انتهت الخطوة الأولى من المُهمَّة... بنجاح.
دخلت حنان للداخل... وأحضرت قطعة من القماش المبلول بالماء... وغسلت كل أجزاء الباب... التي وَصَلَتْ إليها بصماتها... ثم دخلت... وأغلقت الباب.
كانت حنان تحمل المعول... أعْصابُها مُضطربة... اتْجَّهت للمطبخ... ثم غسلت العتلة جيداً... وقامت بعد ذلك بتجفيفها... ووضعها في أحد أدراج المخزن... دون أن تمسها.
اتجهت بعد ذلك للخزنة الموجودة في غرفة المكتب... وغرفة المكتب تقع بين غرفة الضيوف "المجلس"... وغرفة المائدة... إنها صغيرة بعض الشيء... طُولها ثلاثة أمتار وعرضها أربعة أمتار.
تحوي غرفة المكتب... طاولة من الخشب الراقي... وكرسيَّا دوَّاراً من الجلد... وبالجوار من الطاولة... توجد بعض الأرفُفْ التي وضع عليها كتب ترسَّبت عليها طبقات من الغبار الدقيق... لطول العهد الذي مر... ولم تمتد لها يد قارئ أو منظف... وبجوار الأرفف... توجد تلك الخزنة الحديدية... لم يكن في الخزنة أي نقود... مدت حنان يدها... وفتحت الخزنة... ووضعت فيها ثلاثة آلاف ريال... هي جميع ما تملك من المصاريف... التي خلفها لها صالح... وفي الوقت ذاته... أخرجت كيساً أسود... يلتف حوله شريط من المطاط.... وأخرجت علبة مستطيلة من الكرتون... وأقفلت الخزنة بحرص... ومَسَحَتْ كل البَصَمات التي رسمتها أناملها هناك... بعناية بالغة.
الآن حنان ترتعش بقلق أكبر... وتحمل الكيس الأسود... والكرتون المستطيل... نظراتها زائغة... ولكنها تمالكت نفسها حتى أزالت المطاط عن الكيس الأسود... وفتحت الكيس... وفتحت عُلبة الكرتون... وبدأت تعالج شيئاً ما... يبدو أنه في غاية الأهمية... لم تتمالك حنان نفسها... لقد جلست قليلاً لتستعيد أنفاسها.
مر وقت قصير... بعده قامت حنان متجهة لغرفة النوم... نظرت إلى مكوناتها بتدقيق... كان باب غرفة النوم مقابلاً لخزانة الملابس... وكان السرير بعيداً بعض الشيء... وهو مقابل للدولاب... اتَّجهت حنان للخزانة المجاورة السرير... "الكمدينة"... من الجهة الأبعد عن الباب... وفتحت دُرجها... ووَضَعتْ الكيس الأسود فيها... وتركت الكيس مفتوحاً... ثم أغلقت الدرج.
مسحت حنان جبينها... وتَنَفَّسَتْ بشيء من الارتياح.

9 - "الصلاة ... أم..."
انقدحت في ذهن حنان خاطرة غريبة... أوه... لقَدْ دُفِنَتْ تلك الخاطرة في مَقْبَرة قلبها المَسْحُور... مُنذ فترة طويلة... الصلاة... لقد أحسَّت برغبة في الصلاة:
- " الله... الصلاة.... كيف عشت بدونها؟!... لم أكن أصلي... أو أفكر في الصلاة... على مدار أشهر قاتمة... تكبيرة الإحرام... الركوع... السجود... اللهم اغفر لي... وارحمني... اللهم صل على محمد... كلمات قدسيِّة شفَّافة... أوه... لقد حُرمت منها كثيراً... والآن... بدأ الحنين لها يمتلك وجداني "
فكرت حنان قليلا... ويبدو أنها قررت تأجيل الصلاة... لن تصلي الآن... الوقت وقت عمل دؤوب... عَمَلُ حياة أو موت... الساعات محدودة... والوقت يَضيع... والصَّلاة... الصلاة... ستصليها... في وقت قادم... إذا سارت أمورها كما تريد.
منذ الصباح... لم تأكل حنان لقمة واحدة... ولم يكن لها أيُّ رغبة في الأكل... إنها تشعر بالقَّهر وهو يطحن فؤادها... وتشعر أن الحقد يتضاعف في قلبها... على المجرم ناصر... ومع مرور الساعات الثقيلة... لن يهنأ لها بال... حتى تقتله... وتشرب من دمه... وتضحك كثيراً على بكائه... وقد ترقص على جثته حتى تموت... وكم ستكون سعادتها عندما تموت... وقد أخذت بثأرها... وأنصفت نفسها من هذا المخلوق الدنيء:
- " قد يكون في قتلي له... فضيحة لي... ولكني... حتماً سأقتل بعده... لا يهم... أما الفضيحة... لا... لا... الفضيحة لا تهم بعد الموت... بل ربما قتلت نفسي... المهم أن يموت ناصر... ويدخل في قبره... ويلقى النار... ويحرق فيها... للأبد... يجب أن يموت ناصر... يجب أن يموت... مهما كلف الأمر... وأنا... أيضاً يجب أن أموت... وأتلاشى"
خرجت من عيني حنان دمعتان... ضمنتهما كل معاني الحسرة... تذكَّرت والدها ووالدتها... الشرف والمكانة... والدين والسُّمعة... السمعة التي ستتلطخ... وتتمسح في الوحل.
كل ذلك سيحصل... إذا عُثر على الشريط... والأوراق... والصور:
_ " قبحك الله يا ناصر... لماذا؟... لماذا فعلت هذا؟"
وخلال تلك الأفكار... ترددت حنان قليلاً... عن إكمال خطَّتها... خاصة بعد تذكر الفضيحة... لقد عادت تحدث نفسها:
-"عدم الانتقام... معناه الإهانة لإنسانيتي... ومعناه أيضاً استمراري فيما أعيشه من العذاب... أما الانتقام... فقد يكون معناه الفضيحة... وقد لا يكون... علي أن أختار... نعم... الانتقام... وسأترك لله القضاء... قد يستر الله حالي... بمعجزة خارقة... قد يكون... ولكن... ناصر لن يرضى عني... إلا عندما أكون كالخاتم... في إصبعه... وأنا الآن... لن أرضى إلا بقتله... وربي... حتماً سيجعل لكل مكروب فرجاً"
بدأت حنان تحدث نفسها بصوت مرتفع نوعاً ما... وتقول:
- "أنا لن أرضى أبداً... أن أعيش في مستنقع هذا النذل... حتى لو دفعتُ ثمن ذلك... من حياتي... الانتقام مع الفضيحة أهون من الفضيحة وحدها... والفضيحة أهون مليون مرَّة... من بقائي خِرْقَةً يمسح بها هذا السافل... قاذوراته... سأنتقم... وسيكون الأمر بعدها لله... الله... الله... ما أجمل هذه الكلمة؟!... الله"
كانت فترات مجدبة... تلك الفترات... التي مرَّت على حنان... ولم تذكر فيها ربها... كم هي جاجة الإنسان لربه؟!.
لكن حنان قامت... واتجهت لابنها... جلست بجواره... ثم حملته... وضمته لصدرها... أغمضت عينيها وبدأت تغني له أهازيج طفولتها... مر الوقت وهي مشتغلة به... في بهجةٍ أنْسَتْهَا كثيراً من همومها... إنها الآن تنظر إليه... وتشعر أنها تنظر إليه لأوَّل مرة... حنان لا تدري... كيف سيكون مستقبلها... ولا مستقبل ولدها... ولكن الخطة التي ستطبقها لحل المشكلة... هي أنسب خطة... ليس من حل آخر... مرَّت فترات متتابعة... حنان تنظر لولدها بحنان... دموعها تنساب باستمرار... وأسنانها مشدودة على بعضها... وقد تَعضُّ في بعض الأحايين على شفتها السُّفلى... أو تشد شعرها... وكلما تسارع الوقت أكثر... كلما ازداد عزم حنان على الانتقام.

10 - "طرق على الباب"
انتبهت حنان من أحلام اليقظة التي كانت غارقة فيها عندما طرق الباب... كانت الساعة في تلك الأثناء تُشير للثانية عشرة ليلاً:
- " يا ألله... مرَّ الوقت بسُرعة رهيبة... ولكنَّ... الخطة جاهزة للتنفيذ... وأنا جاهزة للانتقام... وجاهزة أيضاً لتحمل كل النتائج... التي ستترتب على الخطة"
جففت حنان دموعها... وحاولت فرد وجهها بابتسامة مصطنعة... عملت جهدها على أن تشمل جميع عضلات خديها... كي تزول كل علامات التقطيب:
- " لابد وأن هذا الطارق هو ناصر... أنا في انتظارك على أحرِّ من الجمر... وإذا وقعت في قبضتي... يا فصيح ... يا ناصر... فلا تصح"
لم يكن من عادة ناصر أن يطرق الباب... إنه يأتي في الغالب... ويجد الباب مفتوحا أمامه... وبجوار الباب... يجد حنان واقفة تنتظر... ولكن الأمر الآن يختلف تماماً... غسلت حنان وجهها بقليل من الماء... اتجهت بسرعة للباب الذي طرقه ناصر... ولم يكن الباب المطروق... هو الباب المخلوع مسبقا... إنه الباب الآخر... وعندما فتحت حنان الباب... قالت:
- "أهلاً يا قمر... يا أحلى ناصر"
- "أهلاً بكِ!"
أكمل وهو يدخل:
- " لماذا لم تفتحي الباب من قبل؟... ألم تعوديني على هذا؟... يبدو أنني أصبحت ضيفاً ثقيلاً... ولكن... الخطأ ليس خطأك... وإنما خطأي أنا... حين كلَّفت نفسي وأتيت... ولكن صحيح... خيراً تفعل... شراً تلقى... وما دمتِ تعاملينني بهذه الطريقة... فيبدو أنَّك لا تستحقين أن أسير نحوك... ولو خطوة واحدة"
هزت حنان رأسها في حنق... وهي تسمع هذا الكلام... غضبها كاد يحيل قلبها لقنبلة... ناصر يعاملها بهذا الأسلوب الفظ... كلما بدر منها تصرف لا يعجبه... لكنها الآن... ولأول مرة... تشعر بمدى قبح طريقته في التعامل معها... في السابق... لم تكن تفكر بتجريحه لمشاعرها... بقدر ما تفكر بسعادتها بجواره... أمَّا الآن... فقد بدت لها الصورة مختلقة تماما... لا يهم... عليها الآن... ألّا تتهوَّر... يجب أن تعامله بنفس معاملتها السابقة... إلى أن تنجح الخطة... وفي العجلة الندامة:
- "آسفة... كل الأسف يا ناصر... لقد دخلتُ في النعاس... وأنا في انتظارك... ونمت... وعندما سمعت قرع الباب... قمت... صدقني... السعادة تكاد تغمرني لقدومك... غسلت وجهي... وفتحت الباب... انظر... هذه آثار الماء على وجهي... وهذه عيناي... إنهما حمراوان... من النوم... صدقني... عندما لم أستطع الصبر على انتظارك... نِمْتُ... كي ألقاك في المنام... آه... يا ناصر... آه"
مدّ ناصر ذراعيه... كان يتوق إلى احتضان حنان... لكنها تراجعت قليلاً... لقد اشمأزت من منظره... خُيَّل إليها أنه عفريت... لن تَتَنازل حنان هذه المرَّة... ولن تلقي بنفسها بين ذراعيه... ولكن... يجب عليها أن تَتَخَلَّص بلباقة... كي لا تفسد الخطة... عليها أن تضحي قليلاً... قالت في دهشة:
- "أوه... ناصر... قبل هذا... عصير اللَّيمون البارد... إنه مُهدِّئ رائع للأعصاب... وأنت... يبدو أنك غضبان قليلاً... لتأخري في فتح الباب... ويجب أن تهدأ جميع أعصابك... وهناك مفاجأة... نعم... ستعرفها بعد قليل... يا ناصر"
هز ناصر رأسه وهو يقول:
- " مفاجأة... ولم لا؟"
اتجهت حنان نحو المطبخ... وأحضرت كوباً من عصير الليمون... وأحضرت المِعْوَل أيضاً... كانت تمسكه مع أحد طرفيه... كي لا تضع أكثر من بصمة إصبعين... أو ثلاثة... ثم قالت:
- "هذا العصير... يا ناصر... وهذه المفاجأة"
- "مفاجأة... مِعْوَل!!... ما هذا؟"
- "اعتبِرها هدية متواضعة... تعبر عن مدى جمالك... أرجو أن تقبلها"
تناول ناصر العصير... وابتسم عند رؤيته للمعول... في حين أكملت:
- "هذا المعول... سيفتح لك الخزنة... أنا واثقة أن بداخلها مبلغاً من المال... لا بأس به... المعذرة... كنت أريد فتحها... وتجهيز النقود لك... ولكن... لم أستطع... قلت في نفسي... ناصر القوي... يستطيع فتحها... الحقيقة أن مفتاح الخزنة... ليس معي... لقد بخل به عليَّ... ذلك القاتل... زميلك صالح... وأنا احتاج النقود التي بالداخل... لسببين... أولا... لأعطيك منها النصيب الأكبر... وثانيا...لآخذ ما تجود به نفسك... يا حبيبي"
رد ناصر في نشوة:
- "شكراً جزيلاً يا حنان... لتوك الآن... بدأت تبرهنين على مدى حبك لي"
- "وسترى في المستقبل... براهين أكثر وأكثر... سترى"
أشارت حنان بيدها وقالت:
- "هيَّا قُم... ادخل مع هذا الباب... وستجد غرفة المكتب في مقابل مدخل الرجال... وكل شيء جاهز"
أحس ناصر ببعض الجفاف... ينتاب تعاملها معه... ولاحظ أنها تحاول عدم لمس جسده... ولكنها قطعت عليه حبل أفكاره تلك... بعد أن أحست أن شيئا من الهواجس قد بدت على محياه... أمسكته بيده وقالت:
- "هيا... هيا يا حبيبي... قم لعملك... مع الخزنة... وأنا سأذهب الآن... أمامك... إلى غرفة النوم... كي أستعد لسهرة ممتعة... مع أحب الناس... في حياتي"
اطمئن ناصر لحديثها... وطمس كل الشكوك التي قد يصل لها فكر رجل ماكر مخادع مثله... وأخذ العتلة... وانطلق إلى غرفة المكتب... لمعت عيناه... ووضع العتلة خلف باب الخزنة... وبدأ يعالجها... استمر في معالجتها حسب الأصول التي يعرفها لكسر الخزانات... وفي النهاية... استسلمت أمانتها لخيانته... وكُسرت الخزنة.
بدأ ناصر ينظر للخزنة من الداخل:
" يوجد مبلغ من المال... ممتاز... أنت إذن صادقة يا حنان"
مد يده ليخرج المال... بدأ يعده:
- " أوه... إنها ثلاثة آلاف ريال... حتماً سآخذ ألفي ريال... وأعطها ألفاً... ولولاك يا ناصر... لما كُسرت الخزنة... ولما حظيت يا حنان بألف ريال... ثم حنان... لن تقول شيئاً... حتى ولو لم أعطها سوى مئة ريال... ألف كثير... ولكن لا بأس... إنه تفضل مني"
قام ناصر... ووضع النقود في جيبه... ثم عاد يحدث نفسه... وأسنانه تصطك ببعضها:
- "أوه... ما أجمل أن يكون للرجل... فتاة مأسورة بين يديه؟!... حقاً هو الذكاء... إنه يحقق كل شيء... ولن يستطيع أيما شاب... أن يصل لما وصلت إليه... أنا الأقوى دائماً"
سار ناصر... وفي الطريق لغرفة النوم... بدأ يفتح أزرار الثوب... استعدادا لمقابلة حنان... لكنه سمع صوت ندائها... يتقاطر عذوبة:
- "ناصر... هيّا أنا في انتظارك"
زاد هيجانه... وانطلق نحوها كالمسعور.

11- "الفاجعة رقم 3"
عيناه تطفحان خبثا... وفمه مفتوح... لقد ولج إلى غرفة النوم... رآها هناك... إنها تبتسم... قالت في تكسُّر:
- "ناصر... ما رأيك... لديَّ لُعبة جميلة... لم لا نلعبها أولاً؟"
- "لعبه... أنا أحب اللعب... مع الفتيات الجميلات... قولي لي... ما هي يا حبيبتي؟"
- "قبل اللعبة... هل... وَجَدْتَ في الخزنة شيئا؟"
- "نعم... وجدت"
- "ممتاز... إذن... سأقول لك شيئا آخر"
- " قولي... ماذا تريدين؟"
- " هناك هدية أخرى... سأقدمُها لك... بمناسبة فتح الخزنة... يا سلام... حُبيِّ لك يُجبرني على تقديم كل غالٍ... لكَ يا حبيبي... يا ناصر"
- "ألف شكر... أنا سعيد لسماع هذا الكلام... قولي لي... ما هي اللعبة؟... وما هي الهديّة؟... بالطبع ستعجبني هديتك... وأنا غداً... سأحضر لك هدية... أجمل منها"
- "اللعبة... هي أن تغمض عينيك... وتتقدم نحوي خطوة خطوة... وأنا سأُخرج الهدية من درج الكمادينة... وعندما تصل إليّ... وتمسكني... أعطيك الهدية... أليس ذلك جميلا؟... سنكون تماماً كعريسين"
- "جميل جداً... كم يطربني اللعب... معك... أنا موافق"
قال في نفسه:
- "يا سلام... على تصرفات الفتيات... المراهقات"
ناصر في نشوته كالسكران... إنه على استعداد لتلبية طلبات حنان... دلالها يأسر شبقه... إلى أقصى الحدود... إنه لا يريدها جامدة... بل يريد دلالها يزداد ويزداد... فهو يتذكر رجولته وقوته.
أغمض ناصر عينيه... تلبيه لشروط اللعبة... وبدأ بخطوات بطيئة... يسير نحو حنان... حنان مهتمة لهذه اللحظات الحاسمة... عليها أن تديرها بكل إتقان.
وبهدوء... فتحت حنان الدرج... وأدخلت يدها... وأخرجت المسدس من الكيس الأسود... الكيس الأسود... الذي وضعته في الصباح... لقد كان يحوي مسدساً مشحوناً بالرصاص... لقد شحنته بالرصاص الذي أخرجته من الكرتون الصَّغير المستطيل... هذه هي نهاية الخطة التي وضعتها حنان... للتخلص من الكابوس الرهيب... ستكون حتماً سعيدة... لإنهاء القصَّة بهذا الحادث... وحتماً ستكون فخورة بنفسها.
شدت حنان على أسنانها...كانت تنظر في حقد إلى ناصر... وهو يتقدم نحوها بخطواته الوئيدة... ما أجدره بالموت؟... رفعت المسدس... وصوبته تجاه رأسه... وبدأت تشد الزناد... ضربات قلبها تزداد... وناصر مغمض العينين... يفكر بجد... في تلك الهدية... حدث نفسه:
- " سأبقى مغمض العينين... لن أفسد على نفسي النشوة التي سأشعر بها... عندما أمسك يد حنان... وهي تناولني الهدية... حتما ستقول:
- "ما هي الهدية؟"
سأتحسس الهدية... وأعرفها... وأخبر حنان عن هديتها... ما أروعك يا حنان؟... ربما كانت الهدية خاتما من الفضة... ربما"
ناصر في تلك الأثناء... تذكر أخته فاطمة والخاتم... أغمض عينيه أكثر... لينسى... عليه أن لا يفسد اللحظات السعيدة التي يعيشها الآن.
حنان تنظر بنظرات حادة... وتشعر أنها النظرات الأخيرة... التي تنظر بها إلى هذا المخلوق البشع... قالت في نفسها:
- "ما أقبحك؟!... يا قذر!... يا سافل"
عزيمة حنان تزداد... بدأت تشد يدها أكثر... على الزناد... والآن... تقف اللحظة الحاسمة... لتنطلق الرَّصاصة... مرت لحظات حاسمة أخرى:
- " ماذا؟... لازال ناصر... مغمضاً عينيه!!... الرصاصة انطلقت... ولم تصبه... ولم يسقط مترنحا"
الواقع أن قُدْرة حنان على التصويب كانت ضعيفة... وخاصة في مثل حالتها هذه... إنها متوترة الأعصاب... قلقة مرتبكة... لذا كانت أبعد ما يكون قدرة على التصويب.
في تلك الأثناء... فتح ناصر عينيه في فزع شديد... رآها في منظرها المخيف... كانت عيناها تثوران بالشرر... أشبه بِلَبُؤَة حُرّة... تكاد تهجم على فريستها... تراجع للوراء قليلا.
صوبت حنان المسدس مرة أخرى... لم يطل الوقت... لقد أطلقت الطلقة الثانية... ولكن... لم تصبه الطلقة... أيضاً... أصبح موقفها حرجاً جداً... ناصر في حيرة من أمره... لا يدري ما يفعل... ولكنه قرر اغتنام الفرصة... هجم عليها بعنف... كان عازما على تحطيمها... لقد اكتَشَفَ صورةً حقيقيَّة للحياة... وللنساء أيضاً... ازداد موقفها ضعفاً وتذبذباً... بعد فشل الطلقة الثانية... حنان لم تعد قادرة على تمالك أعصابها... بدأ رأسها يدور.
مر وقت حرج... تقدم ناصر أكثر... أوشك على الإمساك بها... صرخ بصوت مدوي... قفزت بعيداً عنه... حاول أن يلتف... لكي لا تفلت... باغتها بسرعة.
في تلك الأثناء... ودون مقدمات... التفّت قدمه... وتعثر في حافة السرير... وسقط عند قدميها... نهاية غير متوقعة... عادت الكفة لصالح حنان... ماذا تراها ستفعل؟... المحاولة الأخيرة... صوبت المسدس على ذلك الرأس... القابع برهبة فوق كتفي ناصر... والذي يتلمس العفو والصفح... وقد انتابته الدهشة لِما طرأ من التغير... أصبح لا يستطيع تفسير هذه الأحداث... قال لها والرعب يأكل قلبه:
- " أرجوك.. لماذا هذا؟... لماذا تقتلينني يا حبيبتي؟ "
شيء ما... حصل لقلبها... ربما كانت الرحمة... لا على ناصر... وإنما على الروح... التي ستزهق على يدها... بدأت أفكارها تتضارب... المسدس في يدها... وإصبعها على الزناد... لكن... بدأت إصبعها تبتعد قليلاً قليلاً... كادت حنان ترمي المسدس... لمعت عيني ناصر... عزم على الانقضاض عليها:
- " علي أن أتحرك حركة سريعة... وأمسك بيدها... وآكُلها أكلاً... أقطعها إرباً... أشرب من دمها... هذه المخادعة"
الحالة الآن متأزمة... حنان في موقف تخاذل وشفقة... وناصر في موقف اندفاع رهيب... لإنقاذ نفسه.
لحظات قليلة... وسيصدر الحكم... مَنْ المنتصر؟... ومن الضحية؟... ناصر... أمْ حنان؟... إصبعها ابتعدت كثيراً عن الزناد... دماء ناصر... تفجرت بشجاعة كبيرة... الآن سينتفض... الآن... الآن.
وبحركة لا شعورية... سحبت حنان إصبعها بقوة... تجاه الزناد... وانطلقت الرصاصة... لم تَخِبْ هذه المرة... الرصاصة استقرت في رأس ناصر... أو بالأحرى اخترقته... واستقرت في أحد أدراج الدولاب... انتهى المشهد... وانتهى ناصر... وانتهت ألاعيبه... أصْبَحَ لاشيء... كومٌ من اللحم الهامد... بدأت أوصاله ترف ودمه يسيل... وأجزاء من مُخِّه متناثرة هنا وهناك... ثارت حميَّةٌ طائشةٌ وجرأةٌ كبيرةٌ في دماء حنان... تذكرت عِرضها المهان... وضعت المسدس على قلبه مجدداً... وأطلقت طلقة أخرى.

12- "الفاجعة رقم 4"
انزاح جبل من الهم... عن كاهل الفتاة الملهوفة:
- " هل صحيح... مات ناصر؟"
كادت تقول:
-"الحمد لله"
ولكن... بدأ الهمُّ يطرق جدار قلبها... عندما استعرضت الشريط الطويل... من الأسى والألم... لقد عاشت في المستنقع الآسن... طويلا... بسبب ناصر... نظرت للدم السائح... ضحكت في هستيرية... حدثت نفسها بالشرب من دم هذا المجرم... ولكنها لم تفعل:
- " أوه... لقد انتقمت لشرفي... أنا قوية"
انقدح في ذهنها لفظ الشرف... تذكرت ما ينتظرها من الفضيحة... أمام أهلها... وأمام الناس... فكرت بسرعة:
- " لابد إذن من الموت... وما أسهل الموت!... لقد جربتُ إطلاق الرصاص... لحظات سريعة... وتقوم الرصاصة المنطلقة... بأكبر عملية في الحياة... بالنسبة للإنسان... لحظات... وتُحيله الرصاصة... إلى لا شيء... نعم... هذا ما صنَعَتَه الرصاصة بناصر... وهو أيضاً ما ستصنعه بي... الآن... وسأنتقل بعدها إلى الفناء... وأنسى كل شيء"
صوبت حنان المسدس على صدرها... لقد أصبح لديها من الشجاعة ما يمكّنها من القيام بأي عمل... لقد قررت أن لا تعيش أحداث فضيحتها... لن تسمع كلمة مما سيقال فيها... ستموت بجوار قاتلها... وضحيتها... ستموت بجوار ناصر... إنها أيضاً تستحق الموت... إن بطن الأرض أوسع من ظهرها... لها ولأمثالها من المذنبين.
المسدس بمحاذاة القلب... تماماً... وإصبعها على الزناد... حركة صغيرة بإصبعها... وتنتهي الأحداث... وتنتهي القصة... وتنتهي الحياة... وفي اللحظة الحاسمة... وقبل أن تسحب حنان إصبعها للوراء... سمعت صراخ ابنها مشعل... إنه في الغرفة المجاورة... كان ينام في هدوء... والآن استيقظ... جمدت إصبعها... وخارت قواها التي كانت تخوِّلها سحب الزناد... لقد تذكرت اليتم الذي سيعيشه الطفل بعد موتها... تذكرت بقاءه في المنزل... ومن سينقذه من الموت جوعاً... لم يطل حديثها مع نفسها... سرعان ما هدأ الصراخ... وعاد مشعل للنوم من جديد... وعادت الفضيحة تتجسد أمام حنان... تذكرت فضيحتها أمام مشعل... عندما يكبر:
-"لابد من الموت"
رفعت المسدس... العزم في قلبها يهد الجبال... عزم على أن تموت... الآن... وبدون تأخير... وضعت المسدس على قلبها... وأغمضت عينيها... قالت:
- " أشهد ألا..."
لم تشأ أن تكمل... ولماذا تتشهد... وهي في النار؟... فكَّرت في عذاب القبر... والنار... وجزاء قاتل نفسه... ولكنها تناست هذا بسرعة... دوت في عقلها كلمة "فضيحة"... ستموت... وينتهي الأمر... لن يستمر تفكيرها في الآخرة... ولن تقول لا إله إلا الله... وأخيراً... سحبت حنان الزناد... سحبته بإصبعها السبابة... للوراء... وأغْمَضَت عينيها بدرجة أكبر... إنها تنتظر الموت... مرت لحظات باردة على إطلاق الرصاصة.
لا تذكر حنان أنها سمعت صوت الرصاصة... وهي تخرج مع فوهة المسدس... لقد خرجت الطلقة واهنة... لم تزل عيناها مغمضتين... ولم تشعر حتى الآن... بطعم الموت... مع أن الرصاصة أطلقت... ضغطت حنان على الزناد... للمرة الثانية... صوت واهن... لم تزل حنان واقفة... فتحت عينيها... الحياة كما هي... الوجود لازال ينعم ببقاء امرأة طاهرة شريفة غَالتها جوائح الحياة.
- " أهذا هو الموت؟... أهكذا يموت الناس؟... هل يحسُّون أنهم لازالوا أحياء؟"
حنان قلّبت المسدس... اكتشفت أن كمية الرصاص قد انتهت... نعم... حنان لم تمت... ولم تصب بأي أذى... لقد كان عدد الرصاص الذي وضعته في المسدس أربع رصاصات... واحدة أطلقت في الجدار... والثانية في الدولاب... والثالثة في رأس ناصر... والرابعة على قلبه.
هكذا بقيت حنان على قيد الحياة... ضحكت حنان بصمت من نفسها... كيف تبحث عن الموت ولا تلقاه... ولكن... لا مَفَرَّ... ستموت حتما... مهما كلف الأمر.
اتجهت حنان للمطبخ... لقد عَزَمَتْ على الموت بواسطة السكين... ستغرس السكين في قلبها... وتموت.
دخلت حنان المطبخ... فتحت الرف... تناولت السكين... وعندما وضعتها على صدرها... بين أضلاعها... تماماً فوق القلب... أغمضت عينيها عن كل ما حولها... قطع حَبْلَ أفكارها الممتدة... من الدنيا للآخرة... ومن الماضي للمستقبل... بكاء مشعل... الذي استيقظ للمرة الثانية.
ودون مقدمات... هاجت كل عواطف حنانها تجاه مشعل... وألقت بالسكين... وانطلقت لتراه... للمرة الأخيرة... إنها مشاعر الأم الحانية... عند سماع بكاء طفلها... وقبل أن تصل إلى مشعل... ارتعشت... لقد ألقت نظرة حادة... على جثة ناصر... أحست بذهول شديد... اقتربت من الجثة المسجَّاة... تأملتها بعمق... وأحست بنشوة النصر.

13 - "أمر لا يصدق من رقم 2"
في تلك الأثناء... خطر في ذهن حنان خاطر غريب... تناست مشعل ابنها... وانحنت على الجثة... أدخلت يدها في جيب الثوب الذي يرتديه ناصر... والذي لُطخ بالدماء... أخرجت مفتاح السيارة... لم يعد مشعل يبكي... انقدحت في ذهنها فكرة أخرى... لبست عباءتها... واتجهت للغرفة التي يرقد فيها مشعل... إنها المحاولة الأخيرة لحنان... ستهرب بولدها... لديها خلفية قليلة عن القيادة... ستنطلق بسرعة... قد تصاب بحادث... قد تموت هي ومشعل... لا يهم أبداً... لابد من المغامرة... انطلقت مرتعشة... حملت مشعل وهو نائم... وخرجت متجهة للسيارة... فتحت الباب... وركبت.
وضعت حنان طفلها النائم... على مقعد الراكب... وضعت المفتاح في مكان تشغيل السيارة... وفي شرود حركت عينيها من جهة مشعل... إلى مقود السيارة... مرَّ بصرها بدرج السيارة... تذكرت كلمات قالها ناصر... قبل يوم... لقد قال:
- "إن جميع الأوراق... والصور... التي تفضح كل شيء... في درج السيارة... احذري... سأخرجها في أي وقت... إن حاولتِ المراوغة"
نظرت قليلاً في الدُّرج...
- " هل من الممكن... أن أجد كل الأوراق... والصور... والشريط... في هذا الدرج... ثم أحرقها جميعاً؟... ربما... ولم لا؟... ناصر يسكن مع أصدقائه... وربما كانت ثقته فيهم قليلة... لذا فهو يضع كل حاجياته في سيارته... هل من الممكن ذلك؟... ربما!... ربما كان الله في عوني.... "الله"... يا سلام... ما أجمل هذه الكلمة... الله "
رددت حنان في خشوع:
- "... يا الله..."
أحست أنَّ الله قريب منها... وأنه سيساعدها... لقد أعانها من بداية الطريق... وقد يعينها أيضاً في نهايته... لقد صرف عنها الموت... الموت المحقق لمرات... وقتل بيدها ناصر المجرم... قالت بصوت أكثر ارتفاعاً:
- "يا ألله ... أعنِّي"
أحست بالأنس... مع هذه الكلمة... وأحسَّت بالطمأنينة... فتحت الدُّرْج... هل ستصاب بخيبة أمل... ولكنها متوكلة على الله... نظرت بقلق... لقد رأت كيساً أبيض... مدت يدها... وأخرجته... وبدأت تقلَّبه بتوتر... إنه مليء بأوراق كثيرة... أعادت النظر... رأت شريط فيديو... وأشرطة كاسيت:
- " يا رب... يا رب"
حملت حنان الكيس... وحملت مشعل... وعادت ثانية للمنزل... كان جهاز الفيديو موجوداً... أدخلت الشريط فيه... رأت مقطعاً من الشريط... إنه بالضبط الشريط نفسه... الذي أتتها نسخة منه... مسبقاً... إنه الشريط المطلوب... بعينه:
- "يا ألله"
بدأت حنان تقلب داخل الكيس... هناك بعْضُ الرسائل التي كتبتها لناصر... وأشرطة كاسيت فيها محادثات معه... إنها مليئة بكلام غير لائق... وصور كذلك:
- "الله... لقد وجدتُ هذا كله... كل ما يدينها موجود بين يديها الآن"
هذا الكيس بالنسبة لحنان أشبه بكنز كبير... وبحصولها عليه ستنقذ شرفها... وكم هي قيمة الكنز بالنسبة للشرف!.
تنفَّست حنان الصعداء... ولم تُكمل زفيرها... إلا وطرق شديد على الباب... أحست بالرعب... لم تدر ما تفعل... لقد أُجهد عقلها اليوم... لدرجة لا تقدر معها على التصرف أو التفكير... قد يكون الطارق أحد أقاربها... أو الشرطة... أو الجيران عند سماعهم طلقات النار... ازداد خوفها... كان الدوار يتمالك رأسها ولكنها تماسكت... جمعت الأشرطة والأوراق ووضعتها في سلة المهملات... واتجهت للباب.
- "من الطارق؟"
- "افتحي..."
إنه صوتٌ هادئ جداً... صوت جارتها العجوز أم سعدية:
- "افتحي يا حنان... الله يرضى عليك... أنا جارتك... كيف حال ولدك؟... سمعته يسعل ليلة البارحة... وأنا في غرفتي... غرفتكم مطلة على غرفة نومي... هـ... هـ... هل هو مريض؟... هل حرارته مرتفعة؟... فقط أحببت الاطمئنان عليه... هل يشكو من السعال؟... كم أحب الأطفال!... يا ابنتي"
عاد قلب حنان لمكانه... وفتحت الباب:
- "أهلاً يا خاله... نعم إنه محموم... ويباغته السعال"
- "على كل... خذي... هذه بعض العلاجات الشعبية... حبة سوداء وحِلْبة... ويانسون... اغليها في الماء ثم اسقيها له... أعرف أن الوقت متأخر... ولكن... صدقيني... خفت عليه... لم يطاوعني قلبي"
- "شكراً لك... كلفت نفسك"
لم تنتبه العجوز... لأيما تغيرات ارتسمت على وجه حنان... وعادت لمنزلها.
اطمئنت حنان... وبدأت تفكر في أحسن تصرف تقوم به... بعد أن حصلت على الشريط والصور:
- "ما هي يا رب آخر الخطوات... أعلم أنك معي... أعلم... واللهِ إنكَ معي!"
بدأت حنان تستعيد هدوءها... مع أنها بلغت غاية الإجهاد العقلي والبدني... ذهبت للمكتب... ومسحت جميع بصماتها المرتسمة في طرف المِعْول... فهي تعرف جيداً المكان الذي أمسكته به... ثم ارتدت عباءتها... وانطلقت للسيارة... ومسحت جميع بصماتها هناك... لحسن الحظ... لم تشاهد في الشارع أحدا... عادت للمنزل بسرعة... وأغلقت الباب بالمزلاج... وأتت إلى سلة المهملات... وأخرجت الكيس الذي خبأت فيه كنزها... وبدأت بتمزيق الأوراق...بكل سرعة... تناولت شريط الفيديو وكسرته... وقطَّعت... الشريط البلاستيكي الذي بداخله... قطعاً صغيرة... وكسَّرت أشرطة الكاسيت... إلى كِسَرٍ صغيرة... كانت ضربات قلبها تزداد... وكانت الدنيا تدور برأسها... ولكنها تشعر بنشوة وسعادة.
حنان أحست برغبة في النوم... أغمضت عينيها قليلاً... لكن طرقاً شديداً بدأ ينهال على الباب:
- " يا ساتر... ماذا سأفعل؟... الطرق يزداد "
أخذت حنان جميع القصاصات... وكِسَر الأشرطة... وانطلقت في ذهول لدورة المياه... وضعتها هناك... في مكان تصريف الماء... وأراقت عليها الماء... عن طريق «السيفون»... لم يبق لشيء منها... أي أثر.

14-"الفاجعة رقم 5"
أغمضت حنان عينيها... ثم خرجت من دورة المياه:
- " الله... الله"
الطرق على الباب يزداد ويزداد... وحنان تحاول فتح عينيها... أو رفع قدميها... ولكن... لا فائدة... أحسَّت بالدوار... أمسكت برأسها... لم تتمالك نفسها... لقد سقطت.
كانت الشرطة قد حاصرت المنزل... لبلاغ من أحد الجيران... باحتمال سماعه لإطلاق النار... منذ ساعة تقريباً... في منزل لا تسكنه إلا امرأة شابة... وطفلها الرضيع.
وصاحب البلاغ يشك... هل الصوت بالفعل... صوت مسدس... أو أنه صوت ألعاب مفرقعات... لقد تأخر في إبلاغ الشرطة قليلا... خشية أن يكون بلاغه كاذبا... وأخيراً... اتصل بالشرطة... وأخبر الضابط المناوب... أنه يشك... فيما سمعه... لكنه قال:
- "أنا أبلغتكم بما سمعت... ولست متأكدا من الصوت"
قال الضابط عبد الرحمن... دون مبالاة:
- "حدد لنا موقع هذا المنزل"
بدأ الجار في تحديد الموقع... الضابط يدون في ورقة صغيرة... إلا أنه دهش غاية الدهشة... حين تأكد له... أن هذا الوصف... هو وصف منزل زميله... الملازم صالح... لذا اهتم عبد الرحمن بالموضوع اهتماماً كبيراً... وجاء بنفسه لتقصي الحقائق.
الشرطة وصلوا لباب المنزل... طرقوا الباب... بكل قوة... وعندما لم يفتح مع طرقاتهم... أصدر النقيب عبد الرحمن... أمراً بكسر الباب... تولى الجنود هذه العملية... وبدأوا بزعزعة الباب... مع أنهم في الواقع... لا يعلمون شيئاً عن حقيقة البلاغ... ولا يدرون... هل بالداخل ما يستوجب حضورهم أم لا؟.
مشعل نائم في غرفة الجلوس... لقد وضعته حنان هنا... بعد أن دخلا من الخارج... ومع ازدياد الطرق على الباب... استيقظ الطفل... اتجه حَبْواً خارج الغرفة... وهناك... وجد أمه... ملقاة عند باب الغرفة المجاورة لباب دورة المياه... بدأ مشعل يلهو بشعر أمه.
مر الوقت... وكسر باب المنزل... ودخل الجنود... وبدأوا في معاينه غرف المنزل... أدهشهم أن رأوا هذا المنظر المذهل... للطفل مشعل... وهو بجوار أمه المسجاة.
صرخ أحد الجنود... بعد أن رأى هذا المنظر... ثم ناداها بخوف:
- "يا امرأة ... يا امرأة"
لم تجب نداءه... اقترب منها... ورفع يدها... إنها دون حراك... وضع أذنه على قلبها بسرعة... لم يسمع نَبْضها... صاح:
- "لقد ماتت... ماتت"
أقبل الضابط عبد الرحمن... نحو العسكري... رأى حنان... ورأى طفلها البريء... قال في جزع:
- " ما الذي حصل؟"
- " إنها ضحية سيدي... لقد قُتلت... ربما بالشنق"
تراجع عبد الرحمن للوراء قليلا... بدأ يعيد الذكريات الحلوة والمرَّة... مع زميله صالح... ويتذكر:
- " إيه يا دنيا"
أحداث كثيرة... عندما تزوج باسم بحنان... كيف كانت الصدمة رهيبة على قلب صالح... وقتل صالح لباسم... وزواجه من هذه المسكينة... ثم القبض على صالح... ودخوله السجن... والآن... إنها مقتولة... دَمَعَتْ عيناه... وقال للعسكري:
- " اتصل بالإسعاف... بسرعة..."
نزع عبد الرحمن بدلته... وغطى وجه حنان... وبقي ينظر في مشعل... ويذرف الدموع... لم يشأ أن يحمله... لا يريد أن يحرمه من أمه... في آخر لحظات بقائه معها... مشعل يلهو ويبتسم... وهو يداعب يد والدته... ويصدر ضحكات عذبة.
مرت لحظات... وحضر الإسعاف... ونزل الممرض... استقبله الضابط... وقاده إلى موقع حنان... وبدأ الممرض بالفحص البدائي... ثم قال:
- " فيما يبدو... ليس فيها بوادر حياة... كل شيء في بدنها متوقف"
نظر لمساعده... وقال:
- "أحضروا النقالة"
وقف الجنود متسمرين... بعد أن شاهدوا المنظر المحزن... لمشعل ووالدته... بعضهم أصيب بدوار... وبعضهم بكى على حال الطفل... الذي لا يعلم مصير أمه.
انتبه الضابطُ لِمَا هُم فيه... قال للبقية:
- " ادخلوا جميع غرف المنزل... تابعوا كل شيء... من أجل جمع البصمات"
تعاون الضابط عبد الرحمن مع الممرض... لرفع جثة حنان... وانتشر الجنود... هنا وهناك... مر وقت قصير... صرخ الجندي الذي دخل غرفة المكتب:
- " إنها عملية سطو... القاتل كسر الخزنة... وقتل المسكينة... وهرب"
ولكن جندياً آخر صرخ:
- "هآي... تعالوا... تعالوا... جثة أخرى... إنه رجل مقتول بالرصاص"
سمع الضابط هذه الجلبة... وضعت النقالة في سيارة الإسعاف... وعاد عبد الرحمن مسُرعاً... ودخل لمكان الجثة الثانية... جثة ناصر... أرسل أحد الجنود... ليوقف سائق الإسعاف... كي يحمل الجثة الثانية معه... مر وقت قصير... وحُملت الجثة الثانية... وحَمَل الضابط المسدس الملقى بجوار السرير... بحرص شديد... كي تبقى آثار البصمات.
انطلقت سيارة الإسعاف... الجثتين كانتا متجاورتان... جثة ناصر... وجثة حنان... ولم يزل ثَمَّ الكثيرُ من الألغاز... تدور في أذهان الجميع:
- " من منهما قتل الآخر؟"
الصمت الرهيب يحيط بجنبات السيارة المنطلقة... لم يكن لأحدٍ من الجالسين في صمت... أن يخرج صوتاً... سوى مشعل الصغير... الذي بدأ يلعب مع الممرض... بكل براءة... يبدو أنه كان في أتم سعادته... ربما لبقائه مع أمه آخر دقائق عمرها... أو لأنها ألقمته ثديها... وابتسمت إليه قبل ساعات... لقد أفاضت عليه حبا عارما... لم يعهده من قبل... لكنَّ حبها الوليد... دفن في صدرها... مع آخر دقات حياتها المُرة.
في تلك اللحظات... وصلت سيارة الإسعاف للمستشفى... وأُنزلت الجثتان... وفي غرفة الإسعاف الأولي... بدأ الطبيب المناوب بالفحص... وضع السماعةَ على صدر ناصر... وقال:
- " هذا ميت"
وضع السماعة على صدر حنان... بدا عليه الاضطراب... وقال بصوت مرتبك:
- "يبدو أنها... لازالت... لازالت حية... أحضروا الفولت الكهربائي... بسرعة"
وضع جهاز الفولت المنخفض... وتمت عملية الصعق... ووضع جهاز قياس نبض القلب... قال الطبيب:
- "للأسف لقد تأخَّرَتْ كثيراً... المؤشر يشير لهبوط كبير في النبض... بسرعة... ادخلوها غرفة العناية المركزة"
بدأ الممرضون في دفع السرير جهة غرفة العناية المركزة... وسار الضابط عبد الرحمن ناحية الدكتور في ألم... سأله:
- " هل بقي أمل في شفاءها؟"
- "أدعو الله لها... فليس في اليد حيلة... ادعوا لها من أجل هذا الصَّغير... الواضح أنها بذلت مجهوداً ذهنياً... وبَدَنياً... أكبر من أن يتحمله بشر... وانهارت في النهاية... الإنسان ضعيف"
قال الضابط عبد الرحمن... وهو يمسح دموعه:
- "نعم... لقد فعلت كل ذلك... لتنقذ شرفها... يبدو أنها هي التي قتلت الضحية الأخرى... بالرصاص... ويبدو أنه هاجم المنزل... يريد الفساد... ولكن... طَمْئِنِّي... يا دكتور... هل من أمل في شفائها؟... طمئنـَّا يا دكتور... الله يرضى عليك"
- "هذه نوبة قلبية حادة... سببها الخوف والجزع... والحزن والاضطراب العقلي والعاطفي... ومجهود بدني رهيب... كل ذلك كافٍ لقتل الإنسان... في الواقع... الوضع غير مطمئن... الهبوط حاد جداً... الله أعلم... سأدخل الآن غرفة العناية... الطبيب المختص هناك... سيتابع حالتها... أمامنا دقائق فقط... إن استمر الهبوط كما هو... فلاشك... ستموت"
قال الضابط:
- "هل تسمح لي بالدخول... لغرفة العناية معكم ؟"
- "الأمر محرج... ولكن... بصفتك رجل أمن... والجريمة جريمة قتل... فلا بأس"

15 - "أمر لا يصدق رقم 3"
هناك... في غرفة العناية... جميع الأعين متسمرة على جهاز قياس نبضات القلب... النبض لم يزل يخبو ويخبو... مرت دقيقة... بدأت الأعين تَرْتَفِعُ صوب السماء... والألسن تلهج بالدعاء... الجميع يتخيل الصغير... ومَأتمه القريب... عينا الضابط تذرف الدمع... وأوصاله ترتعد... مرت دقيقة... ومرت أخرى... وأخرى... وأخرى... مؤشر النبضات شبه ثابت... إلا من اهتزازة كالرعشة... اليأس عم المكان... فقط عشر ثوانٍ... ويقرر الطبيب رفع جميع الأجهزة... ويعلن نبأ الوفاة... كل شيء ساكن.
بدأت دموع الجميع تذرف... إنها تعبر عمّا في خلجاتهم... بكل بلاغة... مر وقت كالطيف... لم يبق سوى خمس ثوانٍ... يبدو الطبيب يائساً... وجاهزاً لإعلان نبأ الوفاة... ازدادت ألسِنةُ الحاضرين تحركاً بدعاء الله... ثلاث ثوانٍ... ثانيتين... المؤشر متوقف تقريباً... الأملُ فارقَ الأذهان كلياً... الجميع ينتظرون اللحظة الحاكمة... السكون أكل الغرفة... ثانية واحدة.
وفي اللحظة الحاسمة... يرفع الطبيب يده... ويتحرك طرف لسانه... لإعلان النبأ الحزين.
ولكن... ودون مقدمات... يرتفع المؤشر... ارتفاعاً مذهلاً... وتبدأ نبضات القلب... لتُسمعَ من جديد... عبرَ الجهاز... ويُذْهَلُ الجميع... ثم ترتفع الأصوات بالتكبير:
- "الله أكبر... الله أكبر"
لقد عادت ضربات القلب... لوضعها الطبيعي... أخفى الطبيب وجهه... ليمسح دمعتين... عَلِقتا بأهدابه... وأعاد النظر ثانية وهو لا يكاد يُصدق ما يرى.
إحدى عاملات النظافة... انكفأت ساجدة لله... عاملة اسمها «أسماء»... ثم قامت من سجدتها... لتنطلق خارج غرفة العناية... أمسكت بالطفل مشعل... مسحت شعره في حنان... ثم قبلت وجهه... لقد تفطر قلبها حزنا من أجله... منذ رأته أول وهلة... قال الطبيب لمن حوله:
- "هذا بفضل الله... لقد يئست من حياتها... وأنتم كذلك... لكن الله قادر... على كل شيء"
نظر إلى الضابط... وقال له:
- "اتصل بأحد أقاربها... وسأتولى العناية بها... قد لا تطول فترة بقائها في العناية... بعد عودة القلب لنبضه الطبيعي... انظروا... إنه طبيعي جداً"
مر الوقت... وبعد نصف ساعة تقريباً... بدأت حنان بفتح عينيها... شيئاً فشيئاً.... استغربت أيما استغراب... لوجودها في هذا المكان... حاولت جاهدة أن تتذكر أي شيء... لكنها لم تستطع... أغمضت عينيها من جديد... ودخلت في سبات عميق.
جميع أفراد الهيئة الطبية كانوا جالسين في غرفة العناية... كانوا يراقبون حالة حنان... بتفاؤل كبير... حنان بخير... جميع أعضائها تعمل بشكل جيد ومُطَمْئن.
خرج أحد الأطباء من غرفة العناية... وعند الباب... قابله العم عبد الله... أبو حنان... كانت عبراته تنهال على لحيته... لتوِّه الآن وصل... لقد تم إبلاغه من قِبل قسم الشرطة... أخبروه أن ابنته توفيت... وقبل أن يتحدث العم عبد الله للطبيب... رأى في الغرفة المجاورة... إحدى عاملات النظافة... تحمل الطفل مشعل... اسمها «رسمان»... توجه فوراً إلى مشعل الصغير... تاركاً الطبيب وهو في حيرة من أمره.
انهار أبو عبد الله ببكاء مؤثر... ثم تناول مشعل من يد رسمان... وبدأ يقبله ويبكي... ضمه لصدره... في حين أقبل الطبيب نحو العم عبد الله... أطرق العم عبد الله... وقال بأسف... والبكاء يخنقه:
- "رحمها الله... لقد كانت شريفة عفيفة... إنها ابنتي ربيتها ساعة ساعة... لم أكن أعتبرها إلا قطعة مني... إنها الحياة... "الطيبون لا يبقون... ولا يبقى في المستنقع الآسن... سوى الأشرار""
- "هل أنتَ قريب للفتاة يا عم؟..."
- "قريب لها؟... نعم... هي ابنتي... لقد بلغني الخبر... ماتت بالسكتة... يا الله... اللهم ارحمها... وصبِّر والدتها"
أردف العم عبد الله... وعيناه مُتَّجهتان نحو مشعل... الرَّاقد بين يديه:
- "مسكين أنت يا مشعل... بدأت حياتك بصفعات قاسية... أبوك في السجن... وأمك ميِّتة... ولكنك ابني... سأكون عِوضاً لك عن أبيك وأمك... أنت قطعة مني... الله المستعان... أمك من قبل... تلقت الكثير من اللطمات... وفي النهاية... ماتت"
الطبيب يسمع كل هذا... ولا يقدر على الحديث... كان يخاف من صدمة الفرح... التي قد يصاب بها أبو حنان... ولكنه تشجع وقال:
- " يبدو أنك والد الفتاة"
- "نعم... ألم أقل لك ذلك؟... من قبل!"
- "الله على كل شيء قدير... يُحيي العظام وهي رميم... طبيب الإسعاف حين كشف عليها كان مضطرباً... لذا توقع أنها ماتت... ولكن لازال فيها بعض الحياة"
- "ماذا تقول؟!... لا إله إلا الله... لا إله إلا الله... فيها حياة..."
- "حالتها ليست حسنة... ولكن... تستطيع يا عم أن تراها... وتودعها قبل أن تموت"
- "هل أنت متأكد؟... نعم... نعم... أنا أريد أن أراها قبل أن تموت... أريد أن أودعها... اللهم لكَ الحمد يا رب... على كل حال"
- "اسمع يا عم عبد الله... يجب أن تتحمل ما سأقول لك الآن... ابنتك لم تمت... وصحتها جيدة"
- " لا إله إلا الله... لا إله إلا الله"
جثم العم عبد الله على ركبتيه... ورفع رأسه للسماء... ورفع يديه أيضاً... ثم قال بصوتٍ جليل:
- " الحمد لله... "
بعدها نظر إلى الطبيب... وقال:
- "هل لي أن أراها؟"
- "بكل سرور... سَتَراها... الآن"
أمسك الطبيب بيد العم عبد الله... وولجا لغرفة العناية.
«رسمان»... تسلمت الطفل مشعل... مرة أخرى... من يد الطبيب... واتجهت نحو إحدى غرف الإسعاف.
جميع الأطباء شُغلوا بوضع حنان... شفقة بها وبابنها... وتناسَوْا تقريباً... ناصراً... أو بالأحرى... جثة ناصر... وبعد اطمئنانهم على حنان... اجتمعوا من جديد... على جثة ناصر... ليس لشيء... إلا لفحص أسباب الوفاة... طوال الوقت كانت الجثة في رقابة الشرطة.
وعندما اجتمع الأطباء... كانت رسمان «أسماء» معهم... لكونها تقوم ببعض وظائف التمريض.
رسمان... عاملة النظافة الأندنوسية... لقد درست دورة لمدة ستة أشهر... في بلدها... في معهد للتمريض... قبل أن تأتي كعاملة نظافة في المستشفى... وظيفتها الآن... عاملة نظافة... ولكنها تقوم ببعض أعمال التمريض... للشهادة التي حصلت عليها... والأطباء يثقون فيها ثقة كبيرة.
رسمان تنظر... وتدقق النظر... وجه ناصر مكشوف أمامها... وكثير من بدنه أيضاً... أحد الأطباء يمسح آثار الدم... وهي تساعده... وعندما دققت رسمان نظرها في وجه ناصر... أحسَّت بإحساس غريب... أحسَّت وكأنها رأت هذا الوجه من قبل... لابدَّ وأنها رأته... ولكن أين... أين؟... توقفت عن عملها قليلاً... مما لفت نظر الطبيب... قال لها:
- "ماذا بك؟... أكملي عملك... يجب أن تُسلَّم الجثة للثلاَّجة"
- "هه... حاضر"
استأنفت أسماء عملها... كان لُبُّها مشغولاً... لقد حدث لها مع صاحب هذه الجثة... حادث غريب... نُقش في أعماق ذاكرتها... إنه يتراءى لها الآن... ولكن... هناك عُقدةٌ ضائعة... تجعلها لا تذكره بالضبط.
بدأت رسمان في تنظيف يد ناصر... أو بالأصح «الجثة»... من آثار الدَّمِ العالق... رأت جُرحاً عميقاً... وقَديماً... هذا الجرح ليس غريباً عليها... قطبت جبينها... وبذلت مجهوداً أكبر في التفكير... ثم صاحت:
- "نعم... عرفته... لقد عرفته... أنا متأكدة منه"
- " وبدأ شهيقها وزفيرها يزدادان... ثم أشاحت بوجهها قليلا... وبدأت تصفق بيديها"
التفت نحوها الطبيب بازدراء... وقال:
- " مالك يا رسمان... هل جننت؟"
- "أوه... لقد تذكَّرتُ سر هذا الرجل... سر رهيب... سأكشفه لكم... وستعرفون لماذا قُتل بهذه الطريقة... ستعرفون كل ذلك... قريباً"
الضابط عبد الرحمن ينظر للمشهد في دهشة... قال الطبيب:
- "وماذا تذكرت؟... يبدو أن المسّ قد أصابك... لكثرة ما شاهدت اليوم من دماء"
قالت رسمان:
- "انظر يا دكتور... هذا الجرح القديم في يده... له سر كبير... سرُّ هذا الجرح عندي... لم يعد هناك ما أخاف منه... سأكشف سراً طالما آلمني... حتى تناسيته... ثم نسيته... بعد الانتهاء من التنظيف... سأخبركم بكل شيء"
استمرت رسمان في عملها حتى انتهت... وحُملت الجثة للثلاجة... كي يُسْتكمل التحقيق في الجريمة.

16 - "مشعل الطفل"
دخل العم عبد اللّه مع الطبيب لغرفة العناية... لقد أفاقت حنان لتوِّها... وفي تلك اللحظة... تقدم الطَّبيب وهو يُمسك بيد العَم عبد الله... حتى وقفا بجوار السرير... كانت عينا حنان مفتوحتين... ولكنَّهما تَنْظُران للقادمين نظرات باردة... لا تحمل في طيَّاتها أيَّ معنى... تقدم أبو حنان إلى ابنته... ولكنها سحبت غطاء السرير على وجهها... غطته في خجل... قال العم عبد الله بصوت يخالطه البكاء:
- "الحمد لله على السلامة يا حنان"
فتحت حنان الغطاء قليلاً... وحين بدت عيناها قالت:
- "من أنتَ؟... وما الذي جاء بك هنا؟"
أمسك الطبيب بيد العم عبد الله... وسحبه قليلاً... وقال:
- "إنها لم تتعرف عليك... عليك أن تصبر وتحتسب... يبدو أنها أصيبت بفقدان للذاكرة... أرجو أن لا يكون مزمنا... ولكن صحتها ممتازة... نعم يا عم عبد الله... من يصاب بصدمات كهذه... قد يصاب بفقدان للذاكرة... ولكن... قد يكون هذا لمصلحتها... هذا من رحمة الله بها... إن نسيانها لأحداث القصَّة... سيُساعد كثيراً في شفائها... وتخفيف الضغط على قلبها"
مر الوقت... وبعد ساعتين... دخلت أم حنان... ثم أبو صالح وأم صالح... لقد جاءوا لزيارة حنان... لكنها لم تعرف أحداً منهم... حتى والدتها.
سمح الطبيب ببقاء أمها عندها... وعندما نامت حنان... بقيت الأم تذرف الدُّموع... وتندب الحظَّ... ولكن تنبَّهت لحَركة في شَفَتي حنان... اقتربت مِنها قليلاً وإذا بها تقول:
- "مشعل... مشعل"
جحظت عينا الأم... وتذكرت في تلك الأثناء مشعل... كان ذهولها لِمَا أصاب حنان... كفيلاً بأن ينسيها مشعلاً... وجميع الناس.
انطلقت الأم في تلك الأثناء... يمنة ويسرة... لا تدري إلى أي شطر تولي وجهها... ولكنها انصرفت في نهاية الأمر إلى الطبيب... كان الطبيب جالسا في مكتبة... يتناول أوراقاً ليقرأها.
فاجأته الأم... بدخولها عليه... دونما استئذان... أيقن عندما رأى ملامح الذعر تكسو محياها... أن خطراً ما حل على الراقدة هناك... في غرفة التنويم... «حنان»... لذا قام مهتماً... واتجه إلى أم حنان... وهو يقول:
- "خيراً يا أمي... خيراً إن شاء الله"
- "مشعل... أين مشعل؟... ماذا حصل له؟"
لم يكن الطبيب يعرف اسم الطفل... لذا قال في استغراب:
- "مشعل!... هل أنت المرافقة مع حنان... أليس كذلك؟"
- "نعم..."
- "ومن يكون مشعل هذا؟... هل حنان... هل أصابها مكروه؟"
وانطلق الدكتور حينها خارج المكتب... متجهاً لحنان... ظن أن العجوز فقدت صوابها... لعارض غير متوقع... أصاب ابنتها... وقبل أن يتعدَّى عتبة الباب... صاحت الأم:
- "مشعل... الطفل... ابن ابنتي... أين هو؟... فقط أريد أن أراه"
وضع الطبيب يده على جبهته... وابتسم... ثم حك صلعته وهو يستدير نحو العجوز... ويهز رأسه للأمام والخلف... ويحدث نفسه بأن يربت على كتف العجوز... قال لها:
- "اطمئني... مشعل بخير... ولم يحل به أي أذى"
- "أين هو الآن؟"
- "سأذهب بك إليه... فوراً"
سار الطبيب أمامها... وسارت هي وراءه... حتى دخلوا قسم الأطفال... استدعى الطبيب الممرضة... وطلب منها إحضار الطفل... وفي غضون دقائق... كان الطفل محمولاً بين يدي الممرضة... وكانت متجهة به نحو الأم.
تسلمته الأم في لهفة... وبدأت تقبله قبلات حارة... ثم نظرت للطبيب مُتَرجِّية... وقالت:
- "هل تسمح لي بأخذه معي؟"
أثَّرت الدمعتان المترقرقتان... في جفني الأم... على قلب الطبيب... كاد يخرج مثلهما من عينيه... ولكنه ابتدر قائلاً:
- "نظاماً... خروج الطفل ممنوع... ولكن... إنسانياً... خروجه معك... واجب... نعم واجب... وأنا على استعداد لتحمل جميع المسؤوليات المترتبة على خروجه... بل أنا على تأكد من أن حنان لو رأته... حتما سيُزاح عن فؤادها المسكين... هموم كثيرة... ولكن لا تجعليها تحمله... لكي لا تتعرض لإجهاد أو تعب... احمليه أنت فقط"
ابتسمت الأم شاكرة... وخرجت متجهة للغرفة التي تنام فيها حنان... جلست أم حنان في سرير قريب من حنان... معد لمريض آخر... وبما أن السرير لا ينام عليه أحد... استعملته أم حنان للجلوس.
وفي تلك الأثناء... انتبهت حنان... وأجالت عينيها في الغرفة... وقعت عيناها على مشعل... بكت في تأثر... بدت لها بعض أحداث الماضي... كحلم... لم تكن تدري أن هذا الطفل هو ولدها... ولكنها أحست بشعور غريب نحوه... نظرت إلى أمها باستجداء وقالت:
- "هل تسمحين لي... أيتها السيدة... في حمل ابنك هذا؟... إني أحس أنني في شوق لأضمه لصدري... لقد أحضروني لهذا المكان... ولا أدري ما السبب"
انفجرت الأم باكية... وحملت الطفل إلى حنان... تناولته حنان... وضمته لصدرها... وأهالت عليه سيلاً من القبلات الحارة... ونظرت إلى أمها... وقالت:
- "هل تسمحين ببقائه معي... فترة أطول؟"
هزت الأم رأسها موافقة... وبكائها يكاد يخنقها... قالت حنان بسعادة وابتسامة:
- "شكراً يا خالة... ولكن... أخبريني يا سيدة... من تكونين؟"
لم تستطع الأم تحمل الموقف... انطلقت خارج الغرفة... هزت حنان كتفيها... ونظرت إلى الطفل... وابتسمت له وهي تقول:
- "كيف تترك هذه الأم... طفلها الصغير عندي؟... وتخرج!... الله ما أجمله"

17 - "من هو القاتل؟"
رسمان مشغولة بالتفكير العميق... وبين الفينة والأخرى تقول للضابط عبد الرحمن:
- "لديَّ أخبار هامة... عن الرجل الذي في الثلاجة"
وكلما سألها:
- "ومتى ستخبرينا عنها؟"
- "غداً... بعد أن أنهي وقت عملي هنا... سأتجه لمركز الشرطة... وأدْلي بأقوالي"
- "إن كانت أقوالك هامة... وتساعدنا في كشف أبعاد القضية... فسيحضر المحقق هنا... وسنأخذ منك كل الأقوال... لا داعي لتكبد أعباء الطريق... لمركز الشرطة"
- " لا... لا... لا مشكلة لدي... ولكن أريد توثيق أقوالي في المركز... أضمن لسلامتي"
في صباح اليوم التالي... وبحضور عبد الرحمن... وثلاثة محققين... والطبيب المشرف على علاج حنان... والطبيب الشرعي... قالت رسمان... وبكل سعادة:
- "منذ سنتين تقريباً... كنت أعيش هنا... في هذه المدينة... لم أكن أعمل لدى المستشفى... لأني لم أنضم للعمل للمستشفى... إلا منذ أربعة أشهر... كنت في ذلك الوقت... أعمل لدى أسرة... تسمى أسرة خالد... لم يوافقني العمل لدى تلك الأسرة... كان خالد رجلاً طيباً... ولكن زوجته... كانت أنانية ومتغطرسة... وكثيراً ما كانت تهينني.
وذات يوم حَطَّم أحد أبنائها إناءً زجاجياً... وألقاه على يدي... وأصبت ساعتها بجرح بالغ... وغَضِبْتُ.. وعاقبت الولد... لم ترضَ ربَّة المنزل بما صنعتُ... لذا تَوَعَّدتني بعقاب شديد... وخصمٍ من الراتب... وبما أن لي كرامتي... لم أرض بهذه الإهانات... وكان عليَّ أن أولِّي هاربة خارج المنزل.
غربت الشمس... وأنا خارج المنزل... وحين بدا الليل يبسط ظلامه... خفت... ونزلت الوادي... لأنام في إحدى المزارع.
وفي أحد الممرات... المتجهة نحو القرية... رأيت مكاناً ملائماً بعض الشيء... لقضاء ليلة هادئة.
في الحقيقة... كان المكان مخيفاً... ولكنه أفضل الموجود... وكان الوقت حينها قبل المغرب بقليل... وفي تلك الأثناء... دخل رجل إلى ذلك الممر... ولم يكن يعلم بوجودي مختبئة هناك... كنت قلقة... دققت النظر في الرجل... وعرفت ملامحه جيداً... لقد اختبأ في مكان آخر... في ذلك الممر... كنت أراقبه دون إبداء أي حركة.
انتظر الرجل قليلا... ثم أخرج خنجراً حادة... نظر إليها بخبث... وتلطم بشماغ أحمر... ومع أذان المغرب... أو بعده بقليل... أقبل رجل يبدو أنه كان في الملعب الموجود أسفل ذلك الوادي... أو ربما كان في إحدى المزارع المجاورة... لا أدري... المهم أنه أقبل... ومع دخوله الممر... انقض عليه الرجل الذي كنت أراقبه... وطعنه في بطنه... وعندما قاوم المطعون... الْتَفَّت السكين... وجرحت يد صاحبها... جرحاً بالغاً... ولكن... لسوء الحظ... كانت الطعنة التي تلقاها ذلك المسكين... بليغة جداً... لذا انهار وسقط... وعندها أجهز عليه صاحب الخنجر... وولى هارباً... وكان دم القاتل ساعتها ينزف بغزارة من يده... نظر إلى يده بقلق... ثم هرب.
أصابني رعب شديد وأنا جالسة في مكاني ... وبدأ جرحي الذي أصابتني به زجاجة الصحن المكسور ينزف... ولعل ازدياد النزيف في يدي... كان بسبب توتر أعصابي... خشيت من بقائي في ذلك المكان... قد أتهم بالجريمة... أيقنتُ أن رجال الشرطة لو وجدوني بجوار الضحية... لاشك ستقع التهمة علي... ولَّيت هاربة من مكاني ذاك... كانت جميع أوصالي ترتجف... وعندما وصلت للشارع العام... أوقفت سيارة أجرة... وطلبت من صاحبها إيصالي إلى أقرب مستوصف.
وصلت إلى المستوصف... وأدخلتني الممرضة لغرفة العمليات الصغرى... لتقوم بخياطة الجرح... وعلى السرير المجاور... يقف ممرض يعالج رجلاً مصاباً بجرح... عرفت ذلك عندما سمعت الممرض يطلب المقص... واليود والقطن... كنت مشغولة بجرحي أكثر من اشتغالي بالرجل المصاب على السرير المجاور... ولما بدأت الممرضة بعلاج جرحي... أمَلْتُ رأسي قليلاً...كي لا أرى الإبرة وهي تخترق لحمي... أملتُهُ جهة السرير المجاور... وفي اللحظة ذاتها رأيت الرجل الملقى على ذلك السرير... كم كانت دهشتي... إنه القاتل... نعم هو القاتل بعينه... لم يكن من أحد يعلم بذلك سواي... ويبدو أنه بعد هروبه من مكان الجريمة... آذاه الجرح الذي أصيب به... فاستقل سيارته... أو ربما سيارة أجرة... لا أدري... للوصول للمستوصف".
الجميع ينظرون إلى أسماء بدهشة... والضابط عبد الرحمن... بدا فاغراً فاه... وعيناه جاحظتان... والأطباء بَدَوْا وكأنهم ينظرون إلى فلم من أفلام السينما.
هكذا أجادت رسمان بلغتها العربية المفككة... تصوير الموقف... ربما لأنها عاشت جميع أحداث القصة... بكل مشاعرها... قال الضابط عبد الرحمن:
- "... أكملي ... أكملي"
قالت رسمان بثقة:
- "انتظر... لا تستعجل"
- "تفضلي"
- "في تلك الأثناء... طلب مني الممرض... رقم تلفون كفيلي... كي يحضر لمتابعة حالتي... وبالفعل... أعطيتهم رقم الهاتف... كان كفيلي قد أضناه البحث عني... لذا فرح لمعرفة مكان وجودي... وخلال عشر دقائق... أصبح خالد موجوداً في المستوصف... والذي أذكره... أن خالد أشفق عليَّ... عندما رآني مصابة قلقة... واعتذر لي... كان رجلاً طيباً... وأذكر أيضاً أنه ابتسم للرجل المصاب... أو بالأحرى الرجل القاتل... والذي كان نائما على سريره بجواري... وسلم عليه... وقال:
- "أجر وثواب"
لم يبتسم الرجل القاتل... ولم يرد بكلمة... استغرب خالد لذلك... واقترب منه أكثر وقال:
- "هل تأمر بأي خدمة؟"
أشار الرجل المصاب برأسه يمنة ويسرة... ليُفهم خالداً أنه يقول:
- "لا"
دفع خالد كُلْفَة المستوصف... وخرجنا... وعدنا للمنزل... ودخلت لغرفتي وبقيت فيها.
وفي اليوم التالي... أعد لي أوراق الخروج النهائي... وعدت لبلدي... وهناك درست في معهد التمريض بما جمعت من نقود... وبعد أشهر من دراستي... أتت فيزة من وزارة الصحة... لعاملات النظافة... ورشحت لأجيء هنا كعاملة نظافة... وفعلاً تركت المعهد... وأتيت للعمل في هذا المستشفى... واليوم... رأيت الشخص القاتل... قال عبد الرحمن بلهفة:
- "من هو؟... من؟... هل هو صالح؟... أم من يكون؟... صالح... ليس هنا!... صالح في السجن... كيف رأيت صالحاً اليوم؟"
قالت الممرضة:
- "انتظر يا أخ... لا تستعجل... القاتل للرجل في الممر... لا أزال أذكر اسمه... سمعته منذ أكثر من سنتين... في ذلك المستوصف... اسمه ناصر... ناصر... وهو نفس الرجل... المقْتول... والذي قتلته حنان"
أشاح الضابط برأسه... ووضع يده عي جبينه... ثم أسند ظهره بهدوء على المقعد... ثم قال:
- "يا الله... القاتل لباسم... هو ناصر... وهو الشخص... الذي قتلته حنان... والمقتول سابقاً هو زوج حنان... باسم... الدم لا يضيع... الدم لا يضيع... الدم لا يضيع... لا إله إلا الله... صالح بريء... الله أكبر... والحمد لله... صالح لن يُقْتل... أنا كنت واثقاً من براءته"
تقدم الطبيب نحو عبد الرحمن... أمسك بيده... وقال:
- "اهدأ يا أخ عبد الرحمن... هذه القصة يبدو أنها تحمل سراً كبيراً"
- "يا دكتور... زميلي صالح... إنه في السجن... متهم بقتل زوج حنان السابق... وصالح هو زوجها... الحالي... يا الله... قد بدت الآن براءته... الله أكبر... سيخرج من السجن"
بدا عبد الرحمن في شبه هستيرية... يتحدث عن عجائب الدنيا... وبعد دقائق... عاد له هدوؤه... ثم نظر للطبيب... وقال له:
- " بقي سر... يجب معرفته الآن"
- "ماذا؟"
- "ما هي فصيلة دم ناصر؟... هذا؟"
- "لا أدري... ولكن لابد وأن الطبيب المناوب في غرفة الإسعاف... أخذ عينة وفحصها"
وبعد لحظات جاء تقرير من معمل الدم عن فصيلة دم ناصر... قرأه الطبيب:
- "إنه " +o""
هز عبد الرحمن رأسه... وقال:
- "الله أكبر... إنها نفس الفصيلة... التي يحملها صالح... لقد حلل الدم الذي نزف من قاتل باسم... فكان "+o"... وعندما حلل دم صالح... كان أيضاً "+o" لذا جزم الكثير من المحققين بأنه هو القاتل... إضافة إلى وجود دوافع أخرى للقتل... وتحريات من رجال المباحث تدل على ذلك... سبحان الله... لقد نجوتَ يا صالح... الحمد لله"
وفي تلك الأثناء... طلب الضابط عبد الرحمن هاتف خالد... وكانت رسمان تتذكره جيداً... ولحسن الحظ ردَّ السيد خالد... وطلب الضابط منه الحضور فوراً للمستشفى... وبعد وصوله عُرِضَت... عليه القضية... قال خالد:
- " سأكون قادراً على تذكر ذلك الرجل... الذي رأيته في المستوصف... لو رأيته الآن"
وعندما عرض ناصر على السيد خالد... بعد إخراجه من الثلاجة... جزم خالد أنه نفس الرجل... الذي قابله في المستوصف.
استمر الضابط عبد الرحمن في التحقيق في القضية... لقد ذهب للمستوصف... وتأكد من كون ناصر عُولج من الجرح في ذات اليوم الذي قتل فيه باسم... واجتمعت جميع الأدلة المشيرة لكون ناصر هو القاتل... ولكن بقي السر الكامن... وراء قيام ناصر بهذه الجريمة... ما هي الدوافع؟... وما هي المبررات؟... كان لصالح المبرر في القتل... ولكن... ما هو مبرر ناصر؟... هذا ما سيحاول التحقيق كشفه... في القريب العاجل.

18 - "واحد اثنان من جديد"
أصبحت حنان في صحة ممتازة... إلا أن ذاكرتها فُقِدَتْ بالكلية... ولعل هذا من حسن حظها... جميع أهلها وأهل صالح مواظبون على زيارتها... مرَّ الآن يومان على الحادثة... وعلى دخولها للمستشفى... وأكد الطبيب أن فقدان ذاكرتها هذا قد يستمر للأبد... وذلك أن الفحوصات والأشعة أثبتت أن إجهاداً مضاعفاً تعرضت له... وأن الدم حينها كان يُضخ للمخ بشكل أكبر... بسبب الإجهاد... ولعلَّه أدى إلى تلف بعض خلايا الذاكرة...أو تعطلها... ولكن... لحسن الحظ... لم يكن هناك مضاعفات... سوى فقدان الذاكرة... إنه لطف الله بها.
أما بالنسبة للضابط عبد الرحمن... فقد تسلم التحقيق في القضية... وبقي في عمله طيلة اليوم التالي... لم يذهب لمنزله... إنها قضية في منتهى التعقيد... وفجأة... انحلت أكثر أسرارها... كل همه الآن... أن يخرج صالح المسكين... في القريب العاجل.
لقد أُثبتت التهمة على ناصر... وألغيت كل اعترافات صالح... التي أدلى بها... تحت تأثير الضغط.
دخل عبد الرحمن على صالح... في غرفة خاصة... وقبَّل رأسه... واعتذر منه أكبر اعتذار... وبلِّغه بكل القصة.
لقد فُجع صالح... فاجعة كبيرة... لما حل بزوجته... وشكر لله كثيرا عندما ظهرت براءته... وتقرر خروجه في اليوم التالي... بعد عمل بعض الأعمال الروتينية.
وبعد ظهيرة اليوم التالي... كان صالح هو أول داخل من باب المستشفى... كان متجهاً لزيارة حنان... قابله الطبيب قبل أن يدخل... وقال:
- "هل أنت صالح؟"
- "نعم"
- "يبدو أنك فعلاً رجل طيب... الحمد لله على سلامتك وخروجك ببراءة... وأيضاً الحمد لله على سلامة حنان... أتمنى لكما حياة سعيدة"
- "كيف حال حنان؟... طمئني يا دكتور... لتوي خرجت من السجن... وأتيت هنا مباشرة"
- "أرجو ألا تُصدم... بالتأكيد هي لن تتعرف عليك... لقد أصيبت بفقدان كلي للذاكرة... ولكنها بصحة جيدة"
- "الحمد لله على كل حال... أرجو أن يعيد الله لها ذاكرتها"
- "لا تدعُ بهذا... ادعُ بما فيه الخير... قد يكون فقدان ذاكرتها أمراً لمصلحتها... وربما لو لم تفقدها لما عاشت... إن تذكرها لأحداث السطو على المنزل... لاشك سَتبقي في قلبها ذعراً كبيراً"
- "الحمد لله على كل حال... هل بإمكاني رؤيتها؟"
- "بالتأكيد... تفضل يا أخ صالح"
ولج صالح للغرفة التي تنام فيها حنان... وعندما رأته... سحبت غطاء السرير على وجهها... وقالت:
- "هذا قسم نساء... اخرج يا أستاذ"
خرجت دمعتان من عيني صالح... عبَّر بهما عن بالغ أساه... وتقدمت أم حنان... وسلمت على صالح... وقالت:
- "الحمد لله على سلامتك... والله لم نشُكَّ فيك... ولا يوماً واحداً... أنت مؤمن... والمؤمن لا يقتل"
- "كل هذا بفضل الله... الحمد لله... هذا ابتلاء... أسأل الله أن أكون قد نجحت... عند الله"
- "تفضلْ سلِّم على زوجتك يا بني"
- "ألا ترين؟!... ماذا بها يا خالة؟... لا تريد رؤيتي... ما العمل!!"
- "تفضل... سأقنعها... اطمئن"
تحركت أم حنان نحو ابنتها... وقالت:
- "يا ابنتي... هذا زوجك... صالح... زوجك... اكشفي وجهك"
كشفت حنان وجهها قليلاً... نظرت نحو صالح بنظرات غير ذات معنى... قالت:
- "أنا لم أتزوج قط"
في تلك الأثناء... وصل أبو حنان... وأبو صالح... وأم صالح... تبادل الرجال عناقاً حاراً... ودموعاً باردة... فرحاً بهذا اللقاء الفذ... وعند سماع حنان لهذه الأصوات السعيدة... فتحت الغطاء... أصبحت ترى الأشياء كالأطياف... قالت بكل براءة:
- "أرجوكم... اخرجوا... اخرجوا... من أنتم؟... هنا مستشفى... يجب أن تراعوا المرضى"
تقدمت أمها وهي تجفف دموعاً علقت بأهدابها... وقالت:
- "نحن أهلك... يجب أن تُصَدِّقي وتقتنعي... هذا أنا... أمك... وهذا أبوك... وهذا زوجك صالح... وهذا عمك أبو صالح... وهذه أم صالح"
هزت رأسها شبه موافقة... وهي غير مقتنعة بشيء... تقدم صالح... وقبَّل رأسها ويدها... وهي في شبه استسلام... ابتسمت عند لقاء عينيها... بعينيه... تهيَّجت في قلبها مشاعر غريبة... رفعت يد صالح نحو فمها... وقبلتها قبلة تفيض حُرقة... وحُباً... وتنهدت من أعماق قلبها... ووضعت يده الطيبة على صدرها الطيب... وضمتها حنان بحنان كبير... خرج عند ذلك الطبيب... وتبعه... الجميع... وبقي صالح وحنان وحدهما.
تلاقت العينان أخرى بنظرات ساحرة... اتجهت نحوها القلوب.... وتوزعت الابتسامات بهدوء... على الشفاه التي تقاسمت من قبل... كؤوس العناء... جلس صالح بجوار حنان... وقال بلطف:
- "هل عرفتني يا حنان؟"
هزت رأسها بالنَّفي... دَمَعَتْ عينا صالح... إلا أن حنان ركَّزت نظرتها ثانية... إلى عينيه الفائضتين... براءةً ونبلا... ثم قالت وعيناها النعساوان... تعبِّران عن الصدق والإخلاص... بجميع المقاييس.
- "نعم... ربما... أنت صالح... لقد تذكرت... شيء ما يجعل صورتك محفورة في ذهني... نعم... كنا نلعب معا... واحد... اثنان... واحد اثنان... يقولون إنك زوجي... أنا لا أدري... ولا أذكر... هل صدقوا أم لا؟!... لست أدري... ولكني أحس أنك جزء مني... وسأكون سعيدة لقربي منك... وسأكون محظوظة لو صدق ما قالوا وكنت زوجي"
طرق الطبيب الباب... وقال:
- " تعال يا صالح"
خرج صالح لفوره... وهو يكاد يطير فرحاً وقال:
- "لقد تذكرت طفولتها يا دكتور..."
- "الحمد لله"
هكذا قال الطبيب... ثم أكمل:
- "ولكن ثق أنها لن تتحسن أكثر... قد تكون الذاكرة القديمة تعمل بشكل سيء... ولكن ذاكرتها في الأمور الحديثة لن تعمل... والله أعلم... وهذا فعلاً ما أتمناه"
- "وما العمل يا دكتور؟"
- "خذ هذه الوصية الهامة... ستخرج حنان من المستشفى بعد أشهر قليلة... ربما ثلاثة أشهر... ستكون بخير... بإذن الله... ولكن... هي تحتاج قدراً إضافياً من الراحة... أريد منك خلال فترة بقائها في المستشفى... أن تزيل آثار ماضيها"
- "كيف؟"
- "أقول لك كيف... أريد منك... أن تستأجر منزلاً آخر... وتؤثث أثاثاً جديداً... بل وتسكن في حيٍّ جديد"
- "الأمر بسيط جداً"
- "يجب أن تنسى حنان... كل شيء يمكن أن يذكَّرها بالحادثة... وللمعلومية... لقد حضر قريب للمقتول... ناصر... وتنازل... وأمه أيضاً المسكينة... تنازلت... لقد اتصل بي الضابط عبد الرحمن... ويقول إنه ذهب بالأوراق إليها في دار العجزة... يبدو أنها سعدت بموت ابنها... أكثر من المتوقع... هذا ما قاله لي عبد الرحمن"
- "أم ناصر!... تصدق يا دكتور... أنا حريص على زيارتها... كانت جارة لنا... قديماً... إنها امرأة طيبة... هي وابنتها فاطمة... أذكر جيداً... ناصر هذا... صديق دراسة قديم... الله المستعان يا دنيا... العجوز أمه لها أفضال علي... يجب أن أزورها بمجرد خروجي من هنا... ربما تَزَوَّجَتْ فاطمة الآن... وأنجبت... إنها من زميلات حنان"
- "المهم أن تجتهد في موضوع السكن... حتى سيارتك القديمة... حاول تغييرها"
- "إن شاء الله... كل هذه الأمور سهلة"

19 - "الساحر"
الضابط عبد الرحمن يعمل ليل نهار... كي يصل لخيط ما... أَمَرَ بتفتيش السيارة التي يملكها ناصر تفتيشاً دقيقاً... لم يعثر على شيء... سوى فاتورة كهرباء... يبدو أن ناصراً سددها قريباً.
عبد الرحمن ذكي... ولكن... كيف يمكن الوصول للحقيقة عن طريق فاتورة كهرباء؟... فكر كثيراً... خيط رفيع قد يوصل للحقيقة... فقط إذا استطاع المحقق استغلاله.
استطاع عبد الرحمن معرفة السكن الذي يسكن فيه ناصر... عن طريق تلك الفاتورة... وأمر بحصار ذلك المنزل... ومن ثم مداهمته... وتم القبض على جميع ساكنيه.
المنزل هو سكن شلة الليل... وبعد تفتيش المنزل... عُثر على حبوب مخدرة... من أنواع شتى وجميعها للتعاطي فقط... تم التحقيق مع أفراد الشلّة جميعاً... في قضايا كثيرة أولها... الدافع في القتل.
اعترف أبو شرارة... بأن ناصراً تربطه علاقة مريبة... مع رجل يتعامل بالسحر... وهذا الساحر في كامل الحيطة والحذر... ولا يمكن أن يمسك عليه أي شيء... قال أبو شرارة:
- "وبمجرد ما سمعنا بموت باسم... انقطعت علاقة ناصر بهذا الساحر... قد يكون بينهما علاقة... أنا شخصياً متخاصم مع ناصر من فترة"
بهذا الاعتراف من أبي شرارة نجا من عقوبة تعاطي المخدرات... كما وعده بذلك النقيب عبد الرحمن... في حالة ما أدلى بما يساعد على كشف السر.
وجد النقيب عبد الرحمن عنوان الساحر... وداهم منزله... وتم القبض عليه... ولكن...لم يوجد في منزله أي شيء مريب... وعند التحقيق... قال النقيب عبد الرحمن للساحر:
- "كان سبباً تافهاً... ذالك السبب... الذي طلبت ناصراً لأجله... أن يقتل باسماً... لو تريثت قليلاً... لما أصبحت فيما أنت فيه الآن... ولكن... رِجْل الديك تأتي بالثعلب... لقد كانت اعترافات ناصر ضدك صريحة وواضحة... وستنال عقابك كاملاً"
كان النقيب عبد الرحمن أثناء ذلك... يلاحظ التغير الطارئ على ملامح الساحر... من الواضح أن الساحر صُدم بهذا الكلام... ولم يستطع أن يقول شيئاً:
- "ستقتل قريباً"
- "ليس لي دخل بالموضوع... هو الذي قَتَل"
- "مسكين... تكذب... وتريد أن تُجلد..."
مع أقوال الساحر الأخيرة... تأكد للنقيب عبد الرحمن... تورط الساحر في دوافع الجريمة... قال عبد الرحمن بعدها:
- "هل تريد أن أخبرك لماذا حرضته على القتل؟... كل شيء واضح"
أكمل النقيب عبد الرحمن:
- "هيا قل... قل كل شيء... أريد أن أسمع الكلام منك... سمعته... من ناصر... صحيح... ولكن يجب أن أسمع منك"
عندما لم يتكلم الساحر... أخذ إلى غرفة الحبس على ذمة التحقيق.
استمر النقيب عبد الرحمن في التحقيق... لمدة ثمانية أيام... وفي اليوم التاسع انهار الساحر... وقال:
- "سأقول كل شيء... سأعترف"
- "تفعل مع نفسك الخير كله"
- "أنا لست ساحراً..."
- "إذن... أنت تكذب أيضاً"
- "دعني أكمل... أنا أعمل عند ساحر كبير... أعمل كسمسار... الساحر الحقيقي... يسكن في مدينة أخرى... أنا أنقل له الأخبار... وأستقبل الزبائن... ولي معه لقاء دوري... جاءني ناصر ذات يوم... كان يريد مني خدمة... وكان الساحر حينها حريص على قتل باسم... ولم يكن من وسيلة لقتل باسم... إلا إقناع ناصر بتنفيذ العملية... وذلك لأن ناصراً... كان يريد أن يسحر حنان... وعندما ألح عَلَيَّ في سحرها... وأحضر لي شعرها... قلت له:
- "سأدلك على أكبر ساحر أعرفه... إنه فلان... وبالفعل... ذهب ناصر للساحر"
قال عبد الرحمن:
- "أنت تكذب... هذا كلام غير كافٍ... أخبرني عن السبب... لماذا كان الساحر الكبير حريصاً على قتل باسم؟"
أطرق الساحر برأسه... وقال:
- " يبدو أنك تعرف الحقيقة كاملة... لا مناص... سأعترف بكل شيء... السبب في كون الساحر حريصاً على قتل باسم... هو أن باسماً اكتشف مكان الساحر بالصدفة... وبدأ في مراقبته... حتى تأكد له أنه يعمل في السحر على نطاق واسع... تسرع باسم... وبلغ الجهات المعنية عن حقيقة الساحر... الساحر مسكين لا يعلم الغيب... ولكن وصله خبر البلاغ... وعرف أيضاً أن المبلّغ عنه... هو باسم... لقد وصله الخبر عن طريق تابع له... يعمل لدى جهاز الأمن نفسه.
هذا الساحر ذكي جداً... وخطير جداً... وله في كل دائرة تابع... وأنا من تابعيه.
المهم أن الساحر عرف أن الدائرة تدور حوله... درس الموضوع بحنكة... ثم قرر الرحيل من مكانه ذاك لمكان آخر... ومدينة أخرى... ولكن باسماً استمر في تقصي أخباره... حتى عرف مكانه الجديد... وبدأ في مراقبته... كل هذا حصل قبل أن يفكر باسم في الزواج من حنان... فكر الساحر ملياً... لم يجد من حل سوى قتل باسم... ويجب أن يتم القتل... على يد رجل ليس له صلة بباسم... ولا بالساحر... إنه ناصر... الشاب الذي يحتاج من الساحر أن يسحر له المرأة التي في ذهنه.
قرر الساحر حينها... أن يعرف الكثير عن حنان... الفتاة التي طلب منه ناصر أن يسحرها... وفعلا قام بجمع معلومات كثيرة عنها... عن طريق أحد معاونيه... لقد عرف ميل صالح للزواج منها... وهو يتابع ذالك من خلال شبكته السرية المعقدة.
وفي النهاية... توصل عقله الجهنمي... لفكرة خبيثة جداً... لقد قرر أن يعمل جهده في أن يستغل زواج حنان من باسم... ثم يقنع ناصراً بقتل باسم.

20- "لماذا اقتنع ناصر بالقتل؟"
نظر عبد الرحمن إلى المتهم بحيرة... ثم سأله:
_ " قل لي... ما هي وسيلة الساحر في إقناع ناصر... بالقيام بعملية القتل؟"
_ " نعم ... سأخبرك... لقد كان ذلك عن طريق بعض أعوان الساحر... أعوان الساحر تعرفوا بطريقة غير مباشرة على باسم... الشاب المناضل والمخلص في عمله في المخدرات... ثم سربوا له بعض الأخبار عن أحد مهربي المخدرات... وهو المدعو ناصر... وفي الوقت ذاته... أوعز الساحر عن طريق زبانيته إلى ناصر... بأنه مراقب من قبل شخص يدعى باسماً... وبطريقة ملتفة... وجد ناصر نفسه في المصيدة... إما أن يقتل باسماً... وإما أن يفتضح أمره.
أما الخطوة الثانية... التي عزم الساحر على فعلها... فهي تلفيق تهمة القتل بصالح... الرجل الأقرب في أذهان الجميع... من ارتكاب الجريمة.
- "كيف حصل هذا؟... قل... ألم يكن صالح في الملعب... واختفى عبر الممر؟".
- "هذه هي عبقرية الساحر... الآن سأخبركم بما يفجعكم... إن أحد الضباط في المباحث... واسمه وائل بن شاطب... من أعوان الساحر... نعم هو من أعوان الساحر... وكان موجوداً في الملعب... في ذلك اليوم... الذي قتل فيه باسم... وقد كان يتابع جميع حركات صالح وباسم... لكي تتم العملية بنجاح.
كما قلت لكم... العملية مدروسة... صالح يأتي يومياً للملعب... وباسم يأتي يومين في الأسبوع... وصالح يكره باسماً... وصالح أيضاً لا يسير إلا مع ذلك الممر... وكذلك باسم... لذا تقرر أن تتم العملية... ويُتهم فيها صالح... ببلاغ من رجل المباحث.
الغريب أن هناك صُدَفاً أخرى... ساعدت على ثبوت القضية على صالح... مثل... فصيلة دمه... مع أن كثيراً من الناس تتطابق فصائلهم... ولكن يبدو أن ضابط المباحث كان قوياً في إدلاء شهاداته... ثق يا حضرة الضابط... أنني تبت إلى الله... وانقطعت عن الساحر منذ فترة... ولَديَّ ما يثبت... لقد استغنى الساحر عن خدماتي عنده... واستغنى عن الكثير غيري... وليس لي أي علاقة بموت باسم"
- " ولماذا لم تعترف من البداية؟"
- "لم أعترف... خوفاً ممن هو أدهى منكم..."
- "أدهى منا... من تقصد؟"
- "الساحر... إنه لا يرحم... أنتم أرحم منه بكثير... لو عرف أنني سبب الداهية التي ستحل عليه... لما هَنـَأ له بال... حتى يأكل من لحمي... ويشرب من دمي... ثم أنا لم أعد أثق في أحد... وما يدريني... قد تكونون أنتم من أعوانه... كم من المرات قررت أن أعترف أمام الشرطة... بكل شيء عنه... ولكن... أخشى منه... إنه يملك مخابرات كاملة"
دخل الرجل بعدها في نوبة بكاء شديدة... أحضر له النقيب عبد الرحمن كوباً من عصير الليمون... وجلس بجواره... وربَّت على عاتقه... كم في الدنيا من مظاليم!... وبعد خمس دقائق... عاد الهدوء لذلك المتهم... قال النقيب عبد الرحمن:
- "وكيف عرفت كل هذا؟"
- "لا تحرجني"
- "أنت إذن ساحر"
- "كلا... ولكن... جاءني ناصر ذات مساء... وهو سكران... كان يسب ويلعن... ويثبت أنني لا أساوي شيئاً... وأعطاني الخارطة كاملة"
- "وهل تصدق كلام سكران؟"
- "نعم إذا طابق الواقع"
- "وهل طابق الواقع؟"
- "نعم... والدليل أنك لم تقل عني كذاب... منذ بدأت أسرد عليك هذا الكلام"
- "أكمل... أكمل"
- "المهم أن الأبواب أقفلت في وجه ناصر... وبدأ يرى شبح باسم في كل مكان... كان يشعر أنه يطارده بالسيارة... وعلى قدميه... لم يستطع ناصر أن يزاول نشاطه لمدة... وفي النهاية قُتل باسم... على يد ناصر... وَحَزِنْتُ أنا أشد الحزن"
- "والسحر الذي سُحِرَتْ به حنان كما قال الساحر... ماذا عنه؟"
- "صدقني لا أدري... أظن الساحر تخلى عن ناصر... بعد أن مات باسم... ولا أظنه سحر حنان... الحقيقة... أنا لا أدري"
- "مادمت قلت هذه الكلمات... في موضوع السحر... فيبدو أنك صادق... لأن حنان لم تسحر... ولم تكن أبداً خاتماً في يد ناصر... أقفل المحضر... ولو صدق كلامك فستكون بريئاً"
- "المهم أن يُدان الساحر كي أعيش أنا"
- "اطمئن... حصلنا سابقاً على ما كنا نبحث عنه... الشعرة الموصلة للحل... والآن نحن نملك الحبل... الأمور جميعاً واضحة"

21- "القيد"
مر زمن... النقيب عبد الرحمن لا ينام... لا ليلاً ولا نهاراً... إنه يسرق النوم غفوات... والطعام لقيمات... لأنه يطارد الحقيقة في كل مكان.
وأخيراً قُبِضَ... على الساحر الكبير... هل يصدق الساحر نفسه؟... وهل يصدقُ أعوانهُ بما حصل له؟... لم يصدق أحد.
ولكنه هناك... أمامهم... مكبل في الحديد... لم يصدق أحد... كلهم ينتظر... متى يختفي... من بين الأغلال... أو تنشق الأرض وتبلعه... ولكن لا فائدة.
أمامه هناك... كان وائل بن شاطب... أشبه بلعنة على نفسه... وعلى الساحر... قال له النقيب عبد الرحمن:
- "يا حقير"
لكن صالح ابتسم وقال:
- "قل له... يا مسكين"
ابتسم عبد الرحمن... صالح أصبح الآن نقيبا... لقد عاد لعمله... ومنح وساماً ورتبة.
عشرات الأعوان يتم الاعتراف عنهم... ويأتون مكبلين... منهم الموظفون... ومنهم الباعة... ومنهم المتسولون... الجميع كانوا يسيرون خلف السراب... ووجدوا الحقيقة الآن... وسيقتل الساحر أمام أعينهم.
وهناك... رجل يبتسم... ويحمد الله على النجاة... إنه المتعاون السابق... مع الساحر... الذي اعترف بكل شيء... لقد أصبح طليقاً حراً طليقا.

22 - "رحمك الله يا باسم...
رحمكِ الله يا فاطمة... و... يا ناصر"
خرج صالح بزيه العسكري... من إدارة الشرطة... كان يسابق الريح... بسيارته الجديدة... إنه ذاهب للمستشفى... جاءه للتو اتصال من الطبيب... قال له بثقة:
- "أنت قادر على المجيء... لأخذ حنان... الآن... إنها بِأَتمِّ صحة"
- " الله... بعد انتظار ثلاثة أشهر... الحمد لله أنها بأتم صحة"
وقفت السيارة الجديدة... عند باب المستشفى... وبعد لحظات... خرج صالح وهو يمسك بيد امرأة محجبة... تسير بكل أناة وهدوء... فَتـَحَ لها الباب... وركبت... ثم ركب هو... وانطلقت السيارة بمن فيها... قاصدةً الحي الجديد... والمنزل الجديد.
المنزل الجديد يتكون من دور أول كامل... وبدروم مكون من غرفتين ومطبخ ودورة مياه.
يرتبط البدروم مع الدور الأول بدرج داخلي... وعندما وصل صالح وزوجته لمنزلهم... كان في استقبالهم الأقارب جميعاً... أم حنان ووالدها... وأم صالح ووالده... وامرأة عجوز... تمشي بتثاقل... وتحمل في يدها عصى.
هذه العجوز... تسكن في البدروم... في منزل صالح... على وجهها ترتسم ابتسامة صادقة... وفي عينيها تومض المتاهة الكبيرة.
معاناتها لا تخفى أبداً على أحد منا... نحن نعرفها بشرودها الطويل... وبعكازها في يمناها... إنها أم ناصر... العجوز الطيبة.
في هذا المنعطف الحاد... استقرت حياتها... أم ناصر... إنها الآن في منزلة الأم الثانية لكل من حنان... قاتلة ولدها وصديقة ابنتها... وصالح صديق ابنها... فمنذ خرج صالح من السجن... وعرف قصتها... قرر أن يعوضها عن حزنها... وعن موت ابنتها وولدها... زارها في دار الرعاية وحين رآها في حال سيئة... تعاني الشلل... جلس معها جلسات طويلة... حدثها فيها عن واحات الإيمان الواسعة... وعن أسرار ابتلاء الله لعباده المؤمنين ليختبر صبرهم... أغدق عليها حناناً وارفاً... لم تعهد حياتها البئيسة أن تنعم بمثله أبداً... وبدأت الدماء تجري في عروقها المتصلبة.
لم يكن لصالح أن يقف عند هذا الحد... لقد قرر الوقوف معها بكل طاقته... وقرر نقلها إلى مستشفى من أرقى المستشفيات... وهناك... تم علاجها على نفقته.
وكما هي حال الورود... عندما تتفتح في أخر مشوار حياتها... كذلك حال أم ناصر... لقد تماثلت للشفاء بسرعةٍ غير معهودة... أصبحت تمشي على العصا... خلال ثلاثة أشهر... وقرر الطبيب خروجها من المستشفى.
وعندما استأجر صالح هذا المنزل... استأجر معه البدروم... لتعيش أمه الجديدة في أمن وأمان... ولتعود الابتسامة إلى فمها الزاكي... والسكينة إلى قلبها الطيب... وداعاً يا أم ناصر... يا أم الجميع... وصلاة طاهرة نهديها لروح فاطمة... عسى أن يكون قبرها دوحة خضراء... آمين... آمين.
عبد الوهاب

قبلة من فم العنكبوت " الجزء الخامس "

الجزء الخامس

الفصل السادس عشر
1- "الفاجعة رقم 2"


حنان مستقرة في بيت زوجها المرحوم... أمُّها معها... إنها تحاول مساعدة ابنتها... على تجاوز الأيام الأولى من أيام العِدَّة... شيء رهيب هو الموت... وأرهب منه ذلك الفراغ الذي يخلفه الموت داخل أسرة الميت... ولكنه القضاء الأزلي الذي درجت عليه الحياة... إنه حكم الله في عباده.
مرت الأيام بهدوء حزين... وسرعان ما بدأت حنان تتأقلم مع الوضع الجديد... شيء من الهم الذي جثم على حياتها بدأ يزول شيئاً فشيئاً.
مرت عشرة أيام... بعدها رُئيت حنان وهي تبتسم... مرت أيام أخرى... ها هي حنان بعد ثلاثين يوما... إنها تضحك... وبعد شهرين أصبحت تمارس حياتها كامرأة طبيعية.... إلاَّ أن مِسحةً من الحزن تحتاج لفترة أطول كي تنصرف كلياً من قلبها.
الأحداث في الخارج تدور بطريقة غريبة... مرت ستة أشهر... لقد ظهر صالح في الساحة من جديد... وظهر بهيئته الطبيعية جداً... الأكثر ميلاً للتَّدين والاتزان.
وما لبث صالح أن تقدم لخطبة حنان من والدها... هذا أمر مدهش... لم يكن أحد ليتوقعه... وبالأخص بعد الإشاعات التي انتشرت عن صالح... لقد صدّق الكثيرون... ما قيل عنه... كونه تغير تغيراً جذرياً... بعد أن دخل في طيات مجتمع العسكر «كما يقال».
ولكن الحال يختلف بالنسبة لأبي حنان... لقد فرح كثيرا لهذه الخطبة... أنها تَعِدُ بمستقبل مُشرِّف لابنته... ومطمئن أيضا... حنان... الفتاة التي رزأتها الحياة أيما رُزْء... وفي أول طريق سلكته... مع منحنيات دروبها الملتوية.
حمل الأب خبر الخطبة إلى حنان... وعندما علمت حنان... أحست أن عصفوراً حُلواً بدأ يُغرِّدُ في وجدانها... تذكرت لتوها باسم... وأخرجت من عينيها دمعات حارة... وداعاً أبدياً لمن أحبَّته... ولمن أصبح الآن طيناً... طلب منها والدها الإسراع في الإجابة... ولكنها قالت:
- "ليس بعد يا أبي... بل ننتظر قليلاً... حتى يجف تراب قبر باسم"
- "يا ابنتي... باسم توفى إلى رحمة الله... والزواج ستر... وصالح رجل طيب... ويحبك من كل قلبه... قولي كلمة واحدة... فقط أردُّ بها على الرجل"
- "خذ الجواب مني غداً"
وعلى سرير نومها... تتأمل حنان وتطيل التفكير... أرجعت ذاكرتها لأيام الطفولة... لم تكن أبداً تظن أن حُبَّها الأول سيعود... ولم تكن تتوقع أنها ستتزوج من صالح... عجيبة هي الحياة.
وفي صباح اليوم التالي... علم أبو حنان موافقة حنان على الزواج الجديد... ونقل الخبر إلى صالح.
صالح جالس في مكتبه... أعمال كثيرة... وقضايا أكثر... ما كل هذه الأعباء... إنه يرفع كأس الشاي... ثم يعيده دون أن يشرب منه... وبعدها يطيل التفكير والتأمل... نوع من الكآبة المجهولة يرتسم دائماً على ملامح الملازم صالح... لا أحد يدري عن سبب تلك الكآبة... ولكن الجميع يأملون في تجاوزه لتلك الأزمة... عندما يتأكد زواجه من حنان... حتما سيكون الزواج مِمْحاة تمحو كل أحزان هذا الرجل.

2-"قلبان من جديد"
مرت الأيام سريعة... وتمَّ عقد القران... وفي تلك الليلة... جلس صالح في منزل العم عبد الله... في المكان ذاته الذي جلس فيه عندما جاء هو ووالده للخطبة الأولى... منذ أكثر من عام... كانت نظرات صالح تجول هنا وهناك... وكان مشغولا بفرك أصابعه... والقلق مرتسم على قسمات وجهه... لم يمر وقت طويل... لقد جاءت من هناك... حنان... رقص قلب صالح قليلا... ثم بدا وجهها.
وقف صالح... وألقت هي بالتحية... ابتسم صالح... وابتسمت حنان... ثم تقدمت حتى جلست بجواره... وتقابل الزوجان حنان وصالح... بعد طول فراق... مد صالح يده ليمسك بيدها... أراد أن يطير... وتطير هي معه... للأعلى... بعيداً عن هذه الحياة... وعن هذه الأرض... ولعله هرباً منها.
لم يدم وقت الخطوبة كثيراً... حُدِّد موعدٌ قريب للزواج... شهر واحد فقط... بين الخطوبة والزَّواج... استطاع خلالها كل من الزَّوجين أن يجلس مع الآخر... جلسات مُطوَّلة... يسبر فيها أغوار نفسه... وآماله... وطموحاته... بدت نفسية حنان وكأنها مرآة لم يمسسها خدش من آلام هذه الحياة... وبَدَت نفسية صالح أكثر استقراراً... وبدا وأن السعادة سترتسم من جديد على محياهما.
أذّنَ فجرٌ جديد... لأسرة جديدة... ولعل المستقبل القريب يلد أحداثا جديدة... لأن قصة الحياة الغريبة... تشي بأن أيام الحياة الضاحكة... تحمل آلاف الخناجر المسمومة.
صالح له الآن دخل ممتاز... لقد استأجر منزلاً واسعاً... وأثَّثه بأثاث فارهٍ... إعداداً لاستقبال حياةٍ جديدة.
تم الزواج في موعده... وبعد يومين من الزواج... قرر كل من صالح وحنان أن يقضيا أول أسبوعين بعد الزواج في سفر لمنطقة جميلة... ثم يعودا بعد ذلك لمنزلهما الجديد.
وابتهج الأهل والأصحاب والتقى الزوجان على متن طائرة متجهة لجدة ثم مكة... ثم مدن أخرى كثيرة... رُتبت بطريقة جيدة في ذهن صالح.
مر الأسبوعان سَلِسا الأحداث... جميلا المشارق والمغارب... يحسدها النسيم هدوءها... والشروق جمالها.
أحس صالح... أن حياته الآن أصبحت تسير ناحية الاستقرار الذي كان ينشده... قال ذات ليلة لحنان:
- "لقد بدت الحياة جميلة منذ أصبحت زوجتي يا حنان... صدقيني... لقد عشت المعاناة كلها... يوم أن قالوا إنَّك تزوجت"
- "رحمه الله... أرجو أن لا تذكِّرني به... لقد مات... مات وانتهى... وسينتهي حُبُّه في قلبي... وسيحِلُّ مكان حُبِّه حبك أنت"
- "لا... لا... لا يجب أن تنسيه يا حنان... ترحمي عليه دائماً واذْكريه بالخير..."
- "أترضى أنت بذلك... إنه كان عدوك اللدود"
- "أعوذ بالله... ماذا تقولين... ما هذا الكلام... كيف عدوِّي اللَّدود؟"
بدت قسمات الحرج... تتَّضح على ملامح حنان... وقالت ساعتها:
- "لم أقصد... ولكن النَّاس كانوا يقولون ذلك"
- "ماذا بك يا حنان؟... يجب أن تكون الثقة بيننا أكبر... عدوي لماذا؟... صحيح أنني غضبت غضباً كبيراً عندما علمت من زواجه منك... ولكن كيف أعاديه؟!"
دخلت حنان في دوَّامة من الأفكار... لم تكن تتوقع أبداً أن تسمع هذا الكلام الجميل... يخرج من فم صالح... لقد كانت تعلم أن صالحاً تقدم لخطبتها... وأن أباها ردَّه... لأنها أصبحت مخطوبة لباسم... وسمعت بعد زواجها بباسم... وقبل موته... أن صالحاً أصبح غريب الأطوار... بل لقد سمعت بعض النسوة... وهنَّ يحذرنها من ألاعيب المجرم المستجد... صالح... خاصة أنه قد يستخدم السحر لفصل الزَّواج... وبعد موت باسم... سمعت عَرَضاً من إحدى النساء قولها:
- "من يكون يا ترى القاتل؟... سيقع لا محالة في شر عمله... مع أني أشك... أشك في واحد... كل الدلائل تدل عليه... حَبيْب الصِّبا..."
قالت المرأة هذه الكلمة... وألقت بنظراتها إلى حنان... لتتحسَّس ردة فعلها.
ولأن حنان لا تملك الدليل... ولا تزال أيضا تحتفظ بشيء من الود لصالح... قالت:
- ""إن بعض الظن إثم"... لا أسمح أبداً باتِّهام رجل بهذه الجريمة... ما لم يُقدم الدليل"
عندها سكتت المرأة... ومنذ تلك الساعة... وحنان تحمل في نفسها شكَّاً... ضئيلاً... ولكنَّ جميع الشكوك زالت الآن... مع حديث صالح لها الآن... وترحمه على زوجها... والواقع أن حنان بنفسها... تريد زوال تلك الشكوك.
ولكنَّ... سرعان ما عادت الشكوك لحنان مرة أخرى... لقد بدأت تتساءل:
-" وما المانع أن يتستر صالح بلباس الكَبْش... خاصة بعد أن مات باسم... بل إن من الذَّكاء أن يُظهر للناس أنَّه كان يُحب باسماً كل الحُب... قد يكون فعلاً هو... الـ... لا لا... أعوذ بالله"

3-"الوليمة المشؤومة"
تمر الأيام جميلة... وتبدو الحياة بوجهها الطيب... صالح في منزله... يعيش سعيدا مع زوجته... والبسمات لا تكاد تفارق الشفاه... والهناء يطرق عليهم كل باب.
قرر صالح عمل وليمة... يجمع فيها أهله وأهل زوجته... هذا هو العُرْف... وهذه هي العادة... مَرَّ الآن على الزواج ثلاثة أسابيع... اثنان منها قُضِيا في السفر والنُّزهَة... والأسبوع الثالث قُضي في المنزل... وبقي أسبوع واحد عن انتهاء الإجازة التي منحت لصالح... ستكون الوليمة يوم الخميس من الأسبوع الثالث.
عمل صالح جميع الترتيبات اللازمة لإنجاح هذه الوليمة... وفي يوم الأربعاء... اشترى خروفين في غاية الجودة... وذهب بهما إلى مطبخ راقٍ... وفي اليوم ذاته اشترى كرتوناً من الموز وآخر من البرتقال وثالث من التفاح... واشترى عنباً وكمثرى... واشترى الخضروات اللازمة لإعداد السَّلطات... والإدامات.
قالت له حنان:
- "هذا إسراف... لا داعي لكل هذا"
- "بل إكرام الضيف واجب"
- "صدقت... ولكن الإسراف محرم... وفرق كبير بين الإسراف وإكرام الضيف"
- "أول وليمة تكون باسمي... يجب أن تكون متكاملة"
- "إذن هي ليست لوجه الله... فقط ليُثني عليكَ الناس... يجب أن تكون قدوة يا صالح... يجب أن نُغير الخطأ ولا نشارك فيه"
- "صدقيني... ليس من إسراف فيما فعلته... أبداً..."
- "أرجو ذلك"
- "قولي لي يا حنان... وماذا قررتِ أن تُعدِّي لنا من الحلويات والكريمات؟"
- "كما تريد... مع أنني أعرف أن مصيرها لسلة النفايات"
- "نوعين أو ثلاثة فقط... ليعرف أهلك أني أحبك وأنني أحبهم"
- "ولماذا نراقب الناس؟... حتى في حبنا؟... صدقني يا صالح... أنا لا أحب المظاهر التي لا توجد إلا لمراءاة النَّاس"
- "مرة واحدة في العمر"
- "لم أستطع إقناعك... ولكني على ثقة أنك ستقْتنع يوماً ما"
- "الله يغفر الذنب"
في اليوم التالي اجتمع الضيوف من أهل صالح وأهل حنان... كان العدد لا يتجاوز العشرين من ذكور وإناث... والأمر كما يبدو لا يخلو من الإسراف... ولكن هذه هي وجهة نظر صالح الخاصة... لا حيلة.
أصبحت السفرة معدة إعداداً كاملاً... لا ينْقصُها إلا مُثُولُ الضيوف أمام تلك الأصناف المتنافسة.
وبقي على صالح... أن يُلقي عليها نظرته الأخيرة... ويُسَرُّ برؤيتها بهذا الشكل الجميل... قبل أن تتحول قاعاً صفصفاً... متَّع صالح نظره قليلاً... ثم قال في نفسه:
- " لن أراكِ ثانية... إلا وقد تَغيَّرت جميع محاسِنُك"
لم يكن صالح ليعلم أبداً أن هذه النظرة هي الأخيرة أيضاً... لتلك الغرفة... بل حتى لحنان... وهي جالسة قبالته... تقوم بإجراء اللَّمسات النهائية على المائدة.
ابتسم صالح لحنان وقال:
- "ألف شكر لك"
في تلك الأثناء... سُمع طرقٌ شديد على الباب... ويبدو أنه طرق لا يوحي بخير... انطلق صالح نحو الباب مسرعاً... وبعد أن فتح الباب فوجئ بذلك الصاحب القديم... الموظف لدى المباحث... واسمه وائل بن شاطب... لم تكن صحبتهما من قبل... إلا صحبة عمل... ودراسة... ذلك أن موظف المباحث هذا... أخذ دورة قديمة في الكلية الأمنية... تخص الأسلحة والمتفجرات... وتعرَّف فيها على صالح... لكن صحبتهما كانت صحبة جانبية.
ما يجدر ذكره... أن وائل بن شاطب هذا... هو نفس الشخص الذي كان يرصُد صالحاً أثناء تلك المباراة... التي حدثت جريمة القتل بعدها.
صالح استقبل وائلاً استقبالاً حاراً... وابتسم لرؤيته أول ما رآه ... ولكن ذلك الرَّجل لم يُبدِ أيَّ ابتسامة أو لين في الكلام... أقسم صالح عليه أن يدخل... لأن العشاء جاهز:
- "كلا أنا أتيت من أجل مهمة"
- "مهمة ماذا؟... أنا في إجازة كما تعلم... أو ربما لا تعلم"
- "أنا مأمور بالقبض عليك... هناك تهمة بسيطة... ويجب أن تحضر معنا لإجراء بعض التحقيقات"
- "ماذا؟... تهمة... يجب أن تتأكد من كلامك... أنا الملازم صالح"
- "أنا متأكد من كل ما أقوله... ولذلك أتيت"
- "إذن سألحق بكم بعد ساعة... عندي الآن ضيوف... لا أستطيع تركهم"
- "بل أنا لا أستطيع أن أتركك... أمر القبض فوري... أرجو أن تحضر معي بكل هدوء... حتى لا أضطر لدعوة العسكر من السيارة... ووضع القيد في يديك"
- "لابد أنك تمزح... أرني ورقة الأمر بالقبض"
أخرج موظف المباحث ورقة الأمر بالقبض... قرأها صالح... وتأكد من الخبر... اندهش لهذا الحادث الغريب... قال صالح لموظف المباحث:
- "إذن سأستأذن من ضيوفي... دقائق وأحضر إليك"
- "كلا أنت الآن أمامي... وأنا مسئول عنك... الشرطة محيطة بالمنزل... لا تفكر أبداً في الهرب... أرجوك... بهدوء تفضل معنا... حتى لا تحرج نفسك"
- "أقول لك سأستأذن من الضيوف... وأخبر أهلي"
- "سنخبرهم نحن بطريقتنا الخاصة"
ساعتها نادى صالح والده بكل صوته... ولسماع هذا الصوت تجمع العسكر... وحضر الأب... ووضعت القيود في يديْ صالح... واقتيد إلى حيث لا يُعلم... قال لأبيه من هناك:
- "اطمئن سأعود قريباً... اعتذر لي من الضيوف... قوموا للعشاء"
- "إلى أين يا ولدي؟!... ماذا حصل؟... انتظر يا عسكري"
ومع هذه الجَلَبَة... سمع الضيوف بالداخل ما يحصل في الخارج... خرجوا متسارعين إلى مصدر الصوت... وحينها رأوا الملازم صالحاً وهو يقاد بالحديد... ويركب في السيارة الخاصة بالمباحث الجنائية... كلهم أصيبُوا بالدهشة... لم يذهب أيُّ منهم جهة السفرة... وإنما اتَّجهوا إلى سيَّاراتهم... وركبوها فوراً... وانطلقوا خلف تلك السيارة التي تحمل صالحاً... لم يلحقوا بها... لقد كانت سرعتها فائقة.
وقفت السيارة أمام مبنى المباحث... وأُنزل منها صالح... وهو في شبه حُلم... مر وقت قصير... بعده اجتمع أقارب صالح حول بناية المباحث... لم يعد ثمَّ صالح... القضية أصبحت أكثر تعقيداً وغموضاً... وما الجناية التي يمكن أن يرتكبها رجل مثل صالح؟... لا أحد يعلم.

4-" حنان... والهاجس الرهيب"
حنان لم تعلم بشيء مما حدث... كل ما تعرفه أنَّ صالحاً خَرج من عندها ليقول للضيوف:
- "حيَّاكم الله على واجبكم..."
لفت نظرها أنه « لاحسٌّ ولا خبر » في غرفة الطعام... يبدو أنه لا أحد من الضيوف يجيد الكلام على الطعام... حاولت حنان أن تسمع ولو كلمة واحدة... من خلف الباب المقفل... والمفضي للمطبخ... ولكن... دون فائدة... قرَّرت حنان فتح الباب... وبالفعل... فتحت الباب... لم يكن أمامها سوى الطعام البارد... والهدوء الموحش... اتَّجهت نحو غرفة الاستقبال الخاصة بالرجال... تسمعت بقلق... لم تسمع أحداً... وَلَجَتْ غرفة الاستقبال... الغرفة خالية على عروشها.
وضعت يدها على قلبها... ماذا حَدَث يا تُرى؟... لُغْزٌ يحتاج إلى حل... ولكن... كيف لحنان أن تعرف هذا السِّر الغريب... ومن ثم تكون قادرة على حله.
كان والد صالح أكثر حِنكَة وإصابة في الرَّأي... لقد طَلَب من الجميع العَوْدَة للمنزل... قال لهم:
- "المسألة بسيطة جداً... وصالح الله يهديه... تغيب عن عمله لمدة ثلاثة أيام... لأنه ظن أن إجازته شهراً كاملاً... مع أنها فقط أسبوعان... وقرارات العسكرية كما تعلمون صارمة... لذا أمر الضابط الأعلى رتبة... والمسئول عنهم بإيقافه يومين... هكذا العسكرية... لا رحمة ولا شفقة ولا تقدير... ولكن يجب أن نعود إلى المنزل الآن... العشاء سيبرد يا جماعة"
قال أحد الحاضرين:
- "بسيطة ما دام الأمر هكذا لا مشكلة"
إلا أن أحدهم قال:
- "مستحيل... لا يمكن أن يعاقَب على التغيِّب بهذه الطريقة... ثم إن المباحث الجنائية هي التي قبضت عليه"
أجَابَ الأب بحنكة أكثر... وقد أحْرجه هذا السؤال قليلاً:
- "إن تغيبه لهذه الأيام الثلاثة... نتج عنه مشكلة تتعلق بالمباحث الجنائية... هكذا قال لي العسكري... لأن هناك بعض المساجين الذين وضعوا تحت عُهدَته... كان من المقرر رفع تقارير عنهم... وتأخَّرت التقارير لتَغَيُّبه... لذا هم يريدون التحقيق في الموضوع"
قال أحدهم:
- "ولكن المسألة فيها شرطة... أظن القضية أكبر يا جماعة"
قال آخر:
- "الشرطة دائماً تدخل نفسها في كل موضوع"
قال الأب:
- "صدِّقوني المسألة تافهَة كما قلت لكم... الله يعينك يا صالح على يومين أو ثلاثة في التوقيف بسبب إهمالك"
عاد الجميع... وتناولوا الطعام البارد... وانفرد أبو صالح بأم صالح وبحنان... لينقل لهم الكذبة نفسها... إلا أن حنان لم تكن من السذاجة بحيث ينطلي عليها مثل هذا الكلام الفارغ... بسبب خلفية ما... كانت تعتلج في نفسها.
بدأت الهواجس تزداد وتزداد... مرّ على حنان طيفُ زوجها السابق... باسم... ارتعشت كلَّ أطرافها... تذكَّرته حين قتل:
- " من يا ترى قتله؟... من؟... من؟"
هزَّت حنان رأسها بعُنف... وقالت:
- "لا"
قالتها بصوت مرتفع... أشبه بصرخة طويلة... حنان لم تعد قادرة على التحمل... ولا تريد أن تجيب حتى أمام نَفْسها... عن سؤال ترنح في داخلها... ويريد جواباً مُسْتَعْجلاً... ولكن... قريباً ستُكشف الحقيقة... ويتبين كل شيء.

5 - "التحقيق"
ماذا فعل صالح؟... ولماذا قُبض عليه؟... وهل تراه يحمل سراً خطيراً؟... وكيف ستكون نهايته؟... بعد أن أشرقت بدايته الجميلة... مع زوجته وحلمه في الحياة... حنان؟.
الجدران الأربعة تحيط بصالح... نظراته غاضبة... وكل شيء بجواره كئيب... وهو يكاد يأكل نفسه غيظاً... الزنزانة هي آخر شيء كان يفكر أن تحويه... إنه الآن بداخلها مكتوف الأيدي... وأخبار اعتقاله لا تطمئن... الجريمة الموجهة إليه جريمة قتل... نعم قتل... صالح هو المتهم لأول بقتل باسم... وغداً سيبدأ التحقيق... وستبرز أدلة إدانته الواضحة... وعندها لا سبيل أمامه سوى الاعتراف.
مرت ليلة سوداء كئيبة.
اليوم التالي كان صباحه أكثر كآبة... لأن صالحاً وقف أمام المحقق... الذي تلوح بوادر الشؤم في قسمات وجهه... ذلك الشارب المعكوف... والمصبوغ للتو... والجبين الغضبان غضباً فطرياً... مدعوماً بغضب متكلف... قال المحقق:
- "أنت ضابط... ومن الأفضل أن تعترف بكل شيء... لأنك تعرف... أن إطالة الكلام... معناها الاعتراف بالقوة"
- "لو سمحت... من حقي أن أعرف أولا... بماذا اعترف... أنا لست مجرماً"
قال المحقق وهو يضع قدما على أخرى:
- "بدأنا في التهابل... على كل... لماذا قتلت باسم؟"
- "أعوذ بالله... ماذا تقول؟... أنا مسلم لا أقتل أخي المسلم"
- "أوه... إذن تريد منا أن نذكرك بماضيك... ألم تقل ذات يوم أنك ستقتله؟!... نعم... قلت ذلك بفمك... وشهد بسماع كلماتك اثنان ممن سمعوها منك"
- "ولكن... قل لي... لماذا أقتله؟"
- "أنا من يجب أن يسألك هذا السؤال... على كل... الجواب معروف... وهو منطقي عند المجانين بالحب... أنت قتلته يا عزيزي... لأنه تزوج حنان... الفتاة التي أحببتها... وقتلته بالطبع... لتتزوجها من بعده... ولكنك ولحسن الحظ... كنت تتصرف على مستوى بالغ من الحماقة... صدقني... الدم أبداً لا يضيع"
احْمَرَّ وجه صالح... شعر بحاجة ماسة للبكاء... وشعر أنه لا يريد النطق بكلمة... وماذا عساه يقول؟... أردف المحقق:
- "ليس هذا فحسب... الأدلة على إدانتك كثيرة... مثلاً... في ذلك اليوم الذي قُتِلَ فيه باسم... كنت من الحاضرين في الملعب... لا للتشجيع طبعاً... وإنما لكي ترى كيف يمكنك أن تأكل الكتف... وأكلتها طبعاً.
المهم أنك في ذلك اليوم... وبعد أن رأيت باسماً موجوداً في الملعب... اختفيت قليلاً... اختفيت ثم عدت... طبعاً السبب معروف... لتحضر أداة القتل... وقبل انتهاء المباراة ذهبت مع نفس الطريق... الذي قتل فيه باسم... قل لي... هل تستطيع إنكار شيء من هذا؟..."
- .......
- "أجب... دافع عن نفسك"
- "....."
- "إذن... أنت لا تستطيع أن تجيب... لأنك لا تملك جوابا... أنت ذُهلت من دقة مراقبتنا لك... أيضاً... أزيدك من الشعر بيتاً... في ذلك اليوم... وعندما كنت تنظر للمباراة... كان اضطرابك يزداد... كلما أمسك باسم بالكرة... وربما اهتزت أوصالك... يا قاتل... وبالطبع... اختبأت في الممر... وعند مرور باسم... هجمت عليه... وقتلته"
- "هذا كذب... كذب... أنا لا أقتل أحداً"
نظر إليه المحقق... نظرات ازدراء... وقال:
- "اللهم طولك يا روح... إذن تريد الكرباج"
في أثناء ذلك... دخل أحد الجنود... على المحقق... وقال له:
- "الطبيب حضر"
- "دعه يدخل"
دخل الطبيب صامتاً... وأخرج من شنطته الخاصة إبرة... وطلب من صالح إبراز الوريد في يمناه... وبكل هدوء... أدخل الطبيب الإبرة في الوريد... وسحب عيِّنة دم... وقال:
- "بعد ربع ساعة... ستكون النتيجة جاهزة"
بقي صالح واقفاً... أما المحقق فقد اشتغل بأوراقٍ لديه... ذلك لأنه ينتظر نتيجة تحليل الدم... لتلك العينة... وبعد ربع ساعة... دخل الطبيب... وقال:
- "نفس الفصيلة... يبدو أنه هو"
خرج ساعتها الطبيب... بعد أن ألقى نظرة كئيبة على وجه صالح... بعدها أدلى المحقق بابتسامة ساخرة وشامتة... تم تحدث بهدوء:
- "هل عرفت الدليل الدامغ على إدانتك يا شاطر... عندما طعنت باسماً... يبدو أنك جُرحت... عرفنا ذلك عند تتبعنا لأثر الدم... الذي خرج منك... كان أحد العسكر ذكياً... لا... لا... لم يكن ذكياً... بل إرادة الله التي قضت بأن توقعك في سوء عملك... لذا وجد العسكري قطرات من دمك... لقد نزف دمك على كيس مُلقى على الأرض... وتم نقل تلك القطرات... وتحديد فصيلتها... فعلاً كما هو معلوم... كانت فصيلة دمك التي حللها الدكتور الآن... هي نفس فصيلة دم المجرم... الذي هو أنت... وبالطبع... أنت الآن ستعترف... أرجو أن تتقدم مشكورا... لتكتب اعترافاتك... وبكل هدوء"
- "أنا لم أقتل أحداً... هذا أول كلام أقوله... وآخر كلام أقوله"
- "أول كلام نعم... أما آخر كلام... لا.."
قام المحقق من مكانه... وحمل كوب الماء البارد... ثم رشه في وجه صالح... بعدها ابتسم في تشفٍ... ومد يده ناحية كرتون مستطيل... يحوي عددا من عِصَيِّ الخيزران... تناول عصا طويلة... ورفعها بهدوء... ثم أنزلها على ظهر صالح... بأقصى قوة... قال المحقق ساعتها:
- "أول السيل قطرة... وأول الجلد جلدة... ستعترف أم تريد القوة؟"
قال صالح في انفعال:
- "أنا لم أقتل أحداً"
- " وأنا سأقتلك جلدا"
جُلد صالح بعد هذه الكلمة جلدات كثيرة... بعضها في وجهه... والآخر في سائر بدنه... ثم حمل إلى الزنزانة... بعد أن سقط من الألم... وسيبقى على ذمة التحقيق.
لم يكن لخبرٍ كهذا... أن يبقى طيّ الكتمان... خاصة وأن الشرطة اتصلت بوالد باسم... للإدلاء برأيه في المتهم... لقد سرى الخبر في الحي... سريان النار في الهشيم... وأصبح حديث جميع معارف باسم... ومعارف صالح... وأيضاً معارف حنان... واسْتغلَّ ضعاف الأنفس هذا الحدث... لصناعة قصص وروايات... ما أنزل الله بها من سلطان... واستمتع كثير من السامعين... لجمال سرد أولئك القاصين... وحزن بعضهم... وبكى البعض حزناً لذكرى باسم... أو حزناً لما آل إليه حال صالح... وبكى أبو حنان من جميع أوصال قلبه... على الأحوال المذهلة... التي تتنقل فيها ابنته المسكينة.
شخصين حتى الآن لم تصلهم الأخبار بتفاصيلها... الشخص الأول حنان... والثاني أم صالح... ومن يجرؤ أصلاً على حمل الأخبار... إلى هاتين المسكينتين.
لكن لا محيص أبداً... من أن يتحمل هذه المسؤولية أيما شخص من أقارب المرأتين... وبالفعل... رأى أبو حنان أن عليه مسؤولية إيصال الخبر لحنان... بكل تفاصيله... خاصة وأن المقتول هو زوجها الأول... ويلزمها الإدلاء بأقوالها أمام الشرطة... إذا دعا الأمر... وأما القاتل فهو زوجها الثاني... وعلاقتها به... لاشك أنها في قمة الهرم... علاقة زوجة بزوجها... ولكن... كيف تراها ستستقبل خبر هذا الزوج... الذي سيقتل قريباً... إن ثبتت التهمة عليه.
ومع انتشار الإشاعات... وإبداع الرواة في سردها... صدَّق الجميع ما قيل عن صالح... واقتنعوا أنه هو الجاني الحقيقي... خاصة بعد أن برزت كل الأدلة صريحة ضده... نعم صالح هو الجاني في نظر الجميع... وهو لا يملك دليلاً واحداً لإثبات براءته... وسيبقى رهين حبسه... حتى يصدر الحكم بالقصاص... أو تحصل معجزة تُظهر براءته.
ولكن... ترى هل ستصدق حنان... مع كل هذه الدلائل... بتلك الدعاوى... وهل ستطلب الطلاق من صالح... وستطلب بحقها في القصاص... أم أنها ستتنازل عن حقها في القصاص... لا أحد يدري.

6 - "الصدمة رقم 2"
أبو حنان واقف... إنه أمام باب الغرفة التي تجلس فيها حنان... وهو يعرف إنها حزينة جداً... لا لأن صالح سيُقْتل... ولكن لأنه سيسجن ثلاثة أيام... أو أربعة... بتهمة التأخر عن عمله... وسيبتعد عنها كل هذه المدة... كيف يا ترى سيكون حزنها... لو تأكد لها الهاجس العميق... الذي دفنته في مقبرة عميقة في قلبها... قال لها أبوها:
- "تعرفين ما حصل لصالح"
- "نعم"
- "قد يتأخر في السجن... نريد منك أن تأتي لمنزلنا"
- "لا... أرجوك يا أبي... سأبقى في بيت زوجي إلى أن يخرج... ثم هو لم يأذن لي بالخروج"
- "لا أدري يا حنان... أخشى أن يتأخر"
- "يتأخر؟... يتأخر لمدة كم... أسبوع مثلاً... مستحيل"
- "لا أدري... ربما عشرة أيام... أو نصف شهر... يبدوا أن القضية أكبر ممَّا نتصور"
قامت حنان ساعتها بتوتر... واقتربت من والدها... ثم قالت في ريبة:
- "ما القضية يا أبي... لماذا سجن صالح"
- "يا ابنتي... عليك بالصبر... أنت مؤمنة"
- "أنا مؤمنة... ماذا تقصد!!"
- "ألسْت واثقة من زوجك كل الثقة"
- "نعم"
- "هل من المعقول أن يرتكب جريمة... هل تتصورين هذا"
- "جريمة؟... جريمة مثل ماذا؟"
- "اطمئني... سيكون بريء... لقد دُبِّرت له تهمة... ولكن سيخرج منها إن شاء الله... مثل خروج الشعرة من العجين"
أمسكت حنان برأسها... لقد بدأت الهواجس تعبث بعواطفها... رجعت خطوات للوراء... ثم ألقت بنفسها على الكرسي... وهي تقول:
- "هل تقصد أن صالح مجرم..."
- "ليس مجرم... ولكن متهم"
- "وبماذا هو متهم... قل لي... لا تكذب علي أرجوك... لا تخفي الحقيقة عني... أنا سأتحمل أيما خبر... أرجوك... لا تخفي عني الحقيقة"
تشجع والد حنان بعد سماعه هذا الكلام... وقرر إلقاء الحقيقة كاملة... والله سيتولى أمر ابنته:
- "قبل أن أخبرك عن التهمة... يجب أن تتأكدي أنها مجرد تهمة... تهمة فقط... ليس إلا..."
- "قل لي... يا أبي... لا تلعب بأعصابي"
- "يقولون... إن صالح... هو... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... هو ال... القاتل لباسم"
- "ثم ماذا؟"
- "فقط... هذا كل شيء؟"
- "فقط... ما أدلتهم في ذلك؟"
اندهش الأب لهذا الرد البارد... غاية البرود... قال لها:
- "ماذا بك يا حنان؟... ألا يعني لك هذا الخبر شيئاً"
- "كنت أتوقعه... ليس جديداً علي"
- "تتوقعينه... ليس جديدا عليك... ما الذي أسمع؟... هل كنت تشكين في صالح؟"
- "كل شيء محتمل..."
اقترب والدها منها أكثر... كان مضطربا للغاية... يريد أن يهزها بعنف... قال:
- "إياك أن تفكري هكذا... كوني عاقلة... أنا أقسم أنه بريء"
- "لا أحد يدري"
- "ماذا أصابك يا بنت؟... بل يجب أن تدري... ويجب أن تثقي في براءته"
- "إذن من القاتل؟... من القاتل؟... من القاتل؟... قل لي... أكاد أُجَنُّ"
أغرقت حنان وجهها بين كفيها... وبدأ نحيبها يزداد ويزداد... كاد يتحول إلى عويل... تَقدَّم والدها قليلاً نحوها... وقبَّل رأسها في حسرة وقال:
- "كان الله في عونك يا حنان"
ثم خرج.
وفي الجِهَةِ المقابلة... تولَّى أبو صالح مسئُوليَّة إبلاغ أم صالح الخبر... دخل المنزل بهدوء وسكينة... وناداها بصوت مرتفع... ردت عليه:
- " أنا قادمة... فقط أسكب القهوة في الدلة... وأحضر التمر"
لم يطل الوقت... لقد جاءت أم صالح... وهي تحمل صحنا يحوي القهوة والتمر... جلست أمام زوجها... ثم سكبت فنجانا... وناولته إياه... في حين تناول أبو صالح الفنجان... وبدأ يتحدث:
- "يا أم صالح... ماذا يفعل المؤُمن إذا ابتُلي؟"
- "نعوذ بالله من البلاء... يصبر..."
- "وماذا يفعل إذا ماتَ ولدهُ؟"
- "فال الله ولا فالك... ماذا بك يا رجل؟"
- "أحسن الله عزاءك في صالح"
- "يا كافي... يا كافي... يا كافي... ماذا؟"
وضعت الأم يدها على رأسها... بدأ البكاء يَعْلُو ويَعْلُو.
- "اصبري وللصابرين عند الله الجنَّة... اصبري"
قام أبو صالح... خرج من المنزل... وبعد خمس دقائق... عاد إليها... وجدها تبكي... وتهز رأسها في حزن... قال لها:
- "يا أم صالح... لك عندي بشارة... صالح لم يمت... وإنما هو مسجون... في قضية قتل"
- "ماذا تقول؟... صالح لم يزل حياً... يا رب لك الحمد... يا رب لك الحمد"
- "نعم"
- "أنا لا أصدقك... أنت تكذبُ عليَّ... أريد أن أراه"
- "سترينه قريباً... أنا سأذْهب بك إليه"
أغمضت أم صالح عينيها... بدأ الوجود يضيق أمامها... حتى بدا أكثر شبها بقبر ضيق... كُدست فيه مئات الجماجم والعظام... وَضعت الأم يدها على جبينها... وبدت من تحت غطاء رأسها خصلات شعر بيضاء... وصَدْرُها المسكين يعْلو ويهبط... وهو لا يكاد يتَّسع لمثل هذه الفاجعة... قالت:
- "أبو صالح... هل أنا في حلم مزعج؟... قل لي بربِّك"
- "يا أم صالح لابُدَّ من الصَّبر... ابنُك بريء... اتهمه أولاد الحرام"
لطمت أم صالح خديها بكفيها... وهي تشيح يوجهها... ثم قالت:
- "اتهموه... يا الله... اتهموه بقتل من؟ "
اقتربت أم صالح من زوجها أكثر... ثم ارتفع صوت بكائها وقالت بنبرتها الباكية:
- "إيَّاك أن تقول... أنهم اتهموه بقتل باسم؟ "
- "نعم... هو باسم... عليه رحمة الله"
- "كيف حصل هذا؟... كان لديَّ إحساس دفين... بتهمة كهذه... حَرام يا ناس... صالح ابني... ربيْتُه بيدي هاتين... لا يمكن أن يُسيء لأحد... ولو بكلمة... كيف يقتل؟... كيف؟... كيف؟... نَذَرْتُ على نفسي... أن أدعو الله في كل ركعة أصليها... أن يُظهر براءَته... وسَتَظْهَرُ بَرَاءَتهُ حَتماً... يا رب... يا رب"

7 - "زيارة خاصة"
حنان تنظر لشجرة الظل الصغيرة... بجوار المقعد الذي تقعد عليه... ثم تصرف النظر عنها فجأة... أفكارها مشتتة... لأبعد الحدود... عليها الآن أن تعيش حياتها الجديدة... وبكل تسليم للقضاء... وعليها أن ترضى بالأمر الواقع... وتجفف دُموعها على زوجها الأول... وأيضاً دموعها على زوجها الثاني... وعليها أن تصنع بسمة وتبتسم.
لم يعد لحياة حنان أي معنى... ما دامت تقضي وقتها في البكاء... هذا هو قدر الله في الدنيا... وهذه هي إرادته... ولا بد من الأحزان... والمؤمن الصادق هو المؤمن الصابر.
صحيح أنها صغيرة على مثل هذه المصائب... وصحيح أن كل أترابها من الفتيات... يسعدن بزواجهن... ويسعدن بحُبِّهِن... أمَّا هي... فقد جرَّبت الزَّواج... وجربت الحب... إلا أن زوجها مات... وحبها تلاشى... وتزوجت أخرى... وحاولت دفن حَسْرتها بالرماد... ولكن سرعان ما هَبَّت الرِّيح... وأزالت الرماد... وأزالت حُبها الثاني... وزوجَها الثاني... وعاد حزنها... شيئا رهيبا... ليس جمراً فحسب... وإنما لهبٌ يُصلي القلوب... وتضاعف الحُزن الأول... ليطغى على الحزن الثاني.
8-" بكاء"
مرت أشهر ثلاثة... وبدأت تغيرات كثيرة تطرأ على حياة حنان... إنها حامل... حامل في شهرها الثالث... زوجها صالح... السجين... سيصبح أباً... وابنها القادم... سيصبح يتيماً... وهي... ستكون عما قريب... أرملة.
عليها الآن أن تبكي... وأن تبكي طويلا... حيناً على زوجها الأول... وحينا على زوجها الثاني... وحينا آخر على نفسها... وأيضاً على طفلها اليتيم.

9-"رسالة"
صالح في سجنه الضيق... يحمل أرتالاً من المعاناة والحزن... لقد تعرض لأساليب جهنمية في السِّجن... من أجل أن يعترف بالحقيقة... التي تأرز في أذهان المحققين.
مرَّت عليه أشهر وهو يَلوذ بالإنكار... ثم بالصمت... ولمَّا بلغت معه الحلقوم... اعترف أنه القاتل... لا لشيء... إلا ليموت... فراراً من التحقيق المميت... هكذا قرَّر أخيرا... وهكذا انتشر خبر جنايته واعترافه... بقي له أمل وحيد في هذه الحياة الصعبة... أمل يتراءى له كلما انسجم مع وحدته... أمله في أن تأتي إليه حنان... لتبتسم إليه... وتقول:
- "اصبر لقضاء الله... ولا تجزع... أنت مؤمن... والمؤمن يبتلى... لترتفع درجته"
صالح يتجرع كؤوس المر... كُلَّما ساوَرَهُ الشك... بأن حنان مقتنعة بما يقوله المحققون... هل يعقل أن حنان بدأت تشك في كونه هو القاتل.
طلب صالح من والده مرَّات ومرَّات... أن يحضر حنان معه وهو قادم للزيارة... والد صالح حاول إقناع حنان للمجيء لزيارة زوجها في السجن... ولكنها كانت تتعذر بأعذار كثيرة... ويبدو أنها زاهدة في هذه الزيارة.
لم يكن تأخر حنان عن الزيارة... حدثا سهلاً على مشاعر صالح... إن له معاني وأبعاداً كثيرة... ولكن حرصه على مقابلتها... كان يزداد مع الأيام.
خطرت لصالح فكرة... سيكتب لها رسالة استجداء... سيطلب منها الحضور لزيارته... ربما كان ذلك نافعا... كتب صالح الرسالة... وأرسلها مع والده... وصلت الرسالة سريعا لحنان... فتحتها بحزن وبدأت تقرأ:
« سلام ومودة... وشوق يفوق الخيال... عزيزتي حنان... لدي أسرار هامَّة سأكشفها لك... عن نفسي وعن باسم... وعن حادثة القتل... لابد أن تحضري.... لابد.
المرسل/ القاتل البريء »
10- " لقاء حنان بصالح"
قرأت حنان هذه الكلمات... وأشْتَعَلَ الفضول في قلبها... كنار بركان... لم يكن أمامها خيار... عليها أن تقابل صالحاً... وفي أقرب وقت... أخبرت والدها بعزمها على تقديم زيارة لصالح... وطلبت منه مرافقتها غداً للسجن.
- "أنا سعيد يا بنتي بهذه المبادرة... جميل جداً... لقد عُدت لرشدك... ولعنت الشيطان... أنا مُتأكدٌ من براءته... يجب ألّا تتخلَّي عنه... ثم ما موقفك إذا تخليْتِ عنه الآن... وظهرت براءَتُه في أيام لاحقة... ولا تنسي أنه سيصبح أباً لطفلك الذي سيحمل اسمه من بَعْدِه... هذا عين العقل يا حنان"
- "نعم هكذا قلت وفكرت"
وبعد صلاة العصر... في اليوم التالي... نُودِيَ صالح لمقابلةٍ خاصَّة... انطلق بسرعة... ودخل غرفة الخلوة... أشرق أمامه وجه حنان... زوجته... وهي جالسة على الكرسي تنتظره... وعندما رأته... قامت في توتر... بدأت تدقق النظر في عينيه... أحست أن وجهاً أمامها... أشبه بوجه الذئب... الذئب تماماً... وأحست أن هناك مسحة من الإجرام الدنيء... دققت النظر في عينيه... تبادرت لذهنها صور الدماء... نظرت إلى يديه... شعرت أنه يحمل فيها خنجر الغدر... ودماء من دماء باسم... قال لها في لوعة:
- "أخيراً أتيت يا حنان... كم انتظرتك!"
زفرت حنان من كل قلبها... وأخرجت بعض دمعات من عينيها... ثم قالت:
- "قل لي إذن... لماذا قتلته؟... لماذا حطَّمت حياتي وحياته؟... وحياتك أيضاً؟... لماذا بعت نفسك للشيطان؟... بعد أن اشتراها الله منك"
نكس رأسه في حزن... ثم قال:
- "أنت يا حنان... أنت أيضا ترددين ما يقولون... كلا... مستحيل!"
وضعت حنان يدها على وجهها في تأثر... ثم قالت:
- "أردد ما قالوا... ألم تعترف بالجريمة يا صالح؟... ألم يتضح كل شيء؟... لقد حطمت كل شيء في حياتي... كلا... لا تُدافع عن نفسك... أنت قاتل يا صالح... قاتل... وسَتَلْقى جزاءك"
دخلت حنان في نوبة من البكاء... لم يطل الحال كذلك... لقد أكملت:
- " كل ما أردتُ قوله لك... شيء واحد... لقد جنيت على جنينٍ في أحشائي... جنيت عليه بعملك المشين... وسيعيش اليُتم القاتل طول عمره"
صُعق صالح... عند سماعه تلك الكلمات... القادحة بالشرر... وهي تخرج من بين شفتي حنان... وماذا عساه يقول... هل تلاشى أمله الوحيد... في أن تقف حنان معه في محنته... بعد أن ضحى بكل شيء من أجلها... أمله الوحيد... كان متعلقا ببسمة تخرج من شفتيها... تُعينُه في هذه الظُّلمات... بإذن الله... وتقوية... وتمنحه الصبر... ولكن... هل تحولت الحياة لحياة ذئاب... قال في استجداء:
- "حنان... أرجوك... هل أنت واثقة مما تقولين... هل أنت بالفعل تعتقدين أني قاتل؟!"
هزت رأسها في حزن... وقالت:
- "دمك شهد عليك... حقدك الدَّفين... شهد بذلك"
- "أنا لم أقتل... يا حنان صدِّقيني"
- "أنت قتلتني... نعم قتلتني يا صالح... ها أنا ذي... أموت الآن... وسأموت كل يوم... لم تُحبِبنيي ذات يوم... وإنما أحْبَبتَ نفسك... قتلت زوجي المخلص... لا لشيء... إلا لأنَّك تحبُّ نفسك... وتزوَّجتني... لا لشيء... إلاَّ لأنك تحبُّ نفسك... وأنا الآن... أتلقى اللَّطمات القاسية... التي وجَّهتها لي من قبل"
- "أرجوك يا حنان اسمعي كلامي"
- "قلت أنك ستقول لي شيئا... وستكشف ملابسات الحادثة... ماذا ستقول؟... وماذا ستكشف لي؟... بماذا ستعترف؟... وماذا عساني أسمع؟"
- "أنا بريء يا حنان... أنا بريء"
قالت في حقد:
- "أرسلت إلي... لتقول هذا الكلام... كلا... لن تنطلي عليَّ أهازيجك... لست ساذجة يا صالح... لقد تعلمت من الحياة درسا صعبا"
ابتسمت حنان... ابتسامة سخرية... وهزت رأسها... ثم ولته ظهرها... وخرجت وهي تقول:
- "ألهذا دعوتني؟!... فقط لتكذب علي... يال خيبة الأمل!"
دعاها:
- "حنان... أرجوك... أرجوك... صدقيني... قولي لي فقط كلمة واحدة... تشعرني أنكِ معي... في محنتي... أنا بريء... بريء... أنا أموت من الهم... أرجوك"
نظرت حنان إليه نظرةً أخيرة... وقالت في حسرة شديدة:
- "كذبت... فَلْتَمُتْ يا صالح... قبلك مات باسم... فلتمت غير مأسوف عليك... لم يَعُد لي من حاجة في الرِّجال"
خرجت حنان... واستقبلها والدها لدى الباب... وانطلقت معه... وأغلق الباب خلف حنان... وأغلقت جميع أبواب الحياة أمام صالح... وبقي باب الموت... الذي سَيُنْزله سيف السياف... ذات يوم قريب... بجسد نزل به من قبل... سيف الأسى وخيبة الأمل.
مرت الأيام ثقيلة على السجن... وعلى السجين الذي يسكنه... صالح هناك... قابع في وحدته... لم يعد أحد يأتي لزيارته... سوى والده ووالدته... وقليل من أقاربه... أصبح ينظر للحياة من دائرة تضيق كل يوم... حتى تكاد تتلاشى... وتخنقه داخلها.